جينات الرحمة والعنف… الشفرة الأخلاقية في أعماقنا

من سلسلة «خواطر وراثية” (الجينات والهوية الإنسانية)، الحلقة رقم (32)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، الأحد 26 أبريل 2026م

هل يولد الإنسان طيبًا أم شريرًا؟
سؤال قديم شغل الفلاسفة والأنبياء والمصلحين، ويعود اليوم بثوبٍ علمي جديد، حين بدأ علماء الوراثة يبحثون في أعماق الجينوم عن جذور الرحمة والغضب، التسامح والعدوان. لقد اكتشفوا أن الأخلاق ليست فقط ثمرة تربية أو ثقافة، بل تحمل جذورها في الجينات نفسها، في شبكةٍ معقدة من النواقل العصبية التي تحدد كيف نستجيب للعالم حولنا.

الجينات التي تُحرّك العواطف:
من أبرز الجينات المرتبطة بالسلوك الاجتماعي جين MAOA الذي يُنظّم مستوى مادة السيروتونين في الدماغ، وهي المسؤولة عن المزاج وضبط الانفعالات. وقد أُطلق عليه أحيانًا اسم “جين العنف”، لأن انخفاض نشاطه يرتبط بزيادة العدوانية في بعض الحالات، خصوصًا عندما تترافق مع بيئات قاسية أو عنيفة في الطفولة. لكن المفارقة أن الجين نفسه، في بيئة مليئة بالحبّ والرعاية، قد ينتج شخصًا أكثر تعاطفًا وهدوءًا. إنها الوراثة الأخلاقية المشروطة بالرحمة الاجتماعية.

جينات الرحمة:
في المقابل، هناك جينات مثل OXTR وAVPR1A التي تتحكم في مستقبلات هرمون الأوكسيتوسين، الملقب بـ “هرمون الحبّ والثقة”. كلما زادت حساسية هذه المستقبلات، زادت قدرة الإنسان على التعاطف، والحنان، وتكوين الروابط الاجتماعية. فحين يعانق الإنسان طفلًا أو يساعد محتاجًا، لا تتحرك مشاعره فقط، بل تتوهج داخله شبكة جينية عصبية كاملة تنظم سلوك الخير والإيثار.

بين الجين والضمير:
العلم لا يقول إن الأخلاق مبرمجة بالكامل، بل يؤكد أن الجينات تمنحنا قابلية بيولوجية للسلوك، بينما البيئة والثقافة والدين هي التي تحدد الاتجاه. فكل إنسان يحمل في داخله خريطة مزدوجة: استعدادًا للرحمة واستعدادًا للعنف، والقرار النهائي يبقى للعقل والضمير. ولهذا نجد في المجتمعات الفقيرة أو التي يسودها العنف، أن بعض الجينات التي تُنشّط الدفاع والغضب تكون أكثر فاعلية، بينما في المجتمعات المتصالحة تنشط جينات الثقة والتعاون.

الأخلاق كآلية بقاء:
من منظورٍ تطوري، لم تكن الأخلاق ترفًا، بل استراتيجية للبقاء. فالجماعات التي تعاونت وتعاطفت كانت أكثر قدرة على النجاة والتكاثر. وبمرور الزمن، ثبتت في الجينوم الإنساني جيناتٌ تدعم السلوك التعاوني والاجتماعي، كأن الطبيعة نفسها قد قررت أن الرحمة ضرورة للحياة. ولهذا يمكن القول إن الأخلاق ليست طارئة على الإنسان، بل من صميم بنيته الوراثية.

الجينات والضمير الجمعي:
الإنسان الحديث ورث من أسلافه استجابات عاطفية مبرمجة: الخوف من الألم، التعاطف مع البكاء، الميل لحماية الأطفال. لكن هذه الغرائز تطورت لتصبح قوانين، وأديان، وفنونًا تعبّر عن الشفرة الأخلاقية نفسها بطرق ثقافية راقية. إنها رحلة تحوّل من “جين” إلى “ضمير”، ومن غريزة البقاء إلى وعي الإنسانية.

الخاتمة:
في أعماق كل خليةٍ فينا تسكن شفرة أخلاقية تذكّرنا بأن الخير والشر ليسا مجرد مفاهيم فلسفية، بل احتمالان جينيان نختار بينهما في كل لحظة. فكما تستطيع الجينات أن تصنع الحياة، تستطيع أيضًا أن تصنع الرحمة. والأخلاق، في النهاية، هي الوراثة التي قررت أن تكون إنسانية.

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

البذرة التي تريد أن تعود إلى أصلها

نقاش رمزي حول البذور المحلية والتراثية مقابل الأصناف التجارية والهجين سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *