عن الحقول التي لم تعد تشتكي… بل صارت تصمت، وصمتها أكبر من الشكوى
سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (25)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي(*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ الأربعاء 18 مارس 2026م
هناك أراضٍ نعرفها منذ الصغر:
أرض كانت خضراء حتى في عزّ القيظ،
وكان الفلاح يقول عنها بثقة:
“دي أرض ما تخيّبش”
لكن شيئًا تغيّر…
لم تعد الأرض تخضرّ كما كانت،
ولا تتنفس كما كانت،
ولا تحتمل مواسم القسوة كما كانت.
كأن الأرض — التي صبرت قرونًا —
تعبت من الانتظار.
تعبت من الانتظار أن يحنّ عليها أصحابها،
أن يقلّ الحرث العميق،
أن يخفّ الرمل الذي غزاها،
أن تتوقف المبيدات التي أنهكتها،
أن تعود إليها المادة العضوية التي كانت تسند حياتها.
لم تعد الأرضُ تتكلم…
صارت تصمت.
وصمت الأرض أخطر من صراخها.
الأرض التي تبكي دون دموع
الأرض لا تبكي،
لكن لها علامات بكاء يعرفها الفلاح:
• تشققاتها التي تتسع عامًا بعد عام
• اصفرار نباتاتها قبل موعدها
• انخفاض محاصيلها رغم زيادة التسميد
• قساوة تربتها بعد كل ريّة
• قلة ديدان الأرض التي كانت تعمل ليلًا بلا توقف
• رائحة لم تعد زكية كما كانت في طفولتنا
هذه كلها ليست أعراض مرض فقط،
بل رسائل تقول:
“لقد تعبت… أعطوني فرصة لأعيش.”
حين تُهمَل الأرض، تهرم أسرع من الإنسان
للأرض عمر مثل البشر.
لكن البشر — بعاداتهم الخاطئة —
يعجّلون شيخوختها:
• حرث متكرر يقطع أنفاس التربة.
• أسمدة كيميائية تُطعم النبات وتُجوّع التربة.
• مبيدات تقتل الآفة… ومعها الحياة الدقيقة التي تبني الأرض.
• ريّ زائد يغرق الجذور ويغسل المغذيات.
• ريّ ناقص يترك النبات عطشانًا ويعجّل موته.
• زراعة نفس المحصول كل عام حتى تفنى خصوبة التربة.
كل هذه جروح،
والأرض — مهما كانت صبورة —
لا تشفى منها بسرعة.
حين تتوقف الأرض عن العطاء
هناك لحظة مخيفة يعرفها الفلاح جيدًا:
لحظة يرى فيها النبات ينمو…
لكن بلا روح.
أخضر شكلي،
وكأن الحياة خرجت منه.
ليس المشكلة في البذرة،
ولا في السماد،
ولا في الماء.
المشكلة في التربة نفسها…
تربة فقدت:
• ميكروبيومها
• مادتها العضوية
• بنية حبيباتها
• قدرتها على الاحتفاظ بالماء
• توازنها الكيميائي
• وروحها البيئية
أرضٌ تعبت…
ولا أحد يسمع أنينها.
الأرض لا تحتاج الكثير… بل تحتاج الصحيح
العجيب أن الأرض — رغم تعبها —
لا تطلب المستحيل:
• قليل من السماد العضوي
• راحة بين موسم وآخر
• محاصيل تغطية تحميها من العُري
• تقليل الحرث
• احترام دورة الحياة الدقيقة تحت التربة
• ريّ محسوب
• تنوع زراعي يعيد إليها توازنها
الأرض تشفى إذا أعطيناها وقتًا،
تمامًا كما يشفى الإنسان حين يتوقف عن إنهاك جسده.
التعب الحقيقي ليس تعب الأرض… بل تعب علاقتنا بها
لم تتعب الأرض وحدها،
تعب الإنسان أيضًا:
• تعب من تقلبات السوق
• تعب من مواسم لا تعطي
• تعب من تكاليف ترتفع
• تعب من تغير المناخ
• تعب من انتظار مطر لا يأتي
لكن الفرق أن الإنسان يتكلم،
أما الأرض فتنتظر.
وحين يطول الانتظار…
تتعب.
كيف نعيد للأرض شبابها؟
الأمر ليس معجزة.
بل هو عودة إلى حكمة الزراعة الأولى:
1. أعطِ الأرض غذاءً حقيقيًا
مادة عضوية، كومبوست، سماد بلدي…
هذه ليست “قديمة”، بل هي قلب الزراعة الحديثة.
2. دعها ترتاح
ليس كل أرض تتحمل الزراعة طوال العام.
3. تبادل المحاصيل
التنوع يطرد الأمراض ويعيد التوازن.
4. أقلّل الحرث
الحرث الزائد يهدم بيوتها الداخلية.
5. ازرع نباتات تغطي وجهها
كالبرسيم أو الشعير أو الفول،
لتمنع التعرية وتغذي التربة سرًا.
6. احترم الماء
فهو شريان الأرض…
لا زيادة ولا نقصان.
الأرض تتعب… لأنها حية
لو كانت الأرض جمادًا،
ما كانت لتتعب.
لكنها تتعب لأنها حية:
• تتنفس
• تتغذى
• تمرض
• تشفى
• تغضب
• وتتذكر من يعتني بها ومن يهملها
في عالم الزراعة،
ليس هناك كائن أصدق من الأرض.
خاتمة… الأرض التي تنتظر من يعيد إليها يدًا تحنو
الأرض لا تتحول فجأة إلى صحراء،
ولا تموت فجأة،
بل تبدأ بالإرهاق…
ثم التعب…
ثم الصمت.
وهذه الحلقة ليست عن الأرض فقط،
بل عن العلاقة بين الإنسان وموطنه:
علاقة إن لم تُجدَّد،
يموت طرفاها.
الأرض التي تعبت اليوم
يمكن أن تُشفى غدًا…
إذا وجدَت يدًا تحنو،
وعقلاً يفهم،
وقلبًا يتذكر أن الأرض ليست ملكنا…
بل نحن الذين ننتمي إليها.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز