فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (19 – 30)

القيادة الإماراتية وعلاقتها بالمواطنين

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 19 أغسطس 2026
منذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتّحدة برز هذا التناغم الفريد بين قيادتها وشعبها، وكان نتيجة طبيعية للأصالة المتجذّرة تاريخيًّا في هذه البلاد، والغرسة الصالحة التي غرسها مؤسّس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، التي ارتكزت على قِيم ومبادىء الانفتاح على أبناء المجتمع بأكمله، وحملت في جذورها أسمى معاني الإخاء، وأرست أصولاً ثابتة ومميّزة في مفهوم العلاقات تحت سقف الوطن الواحد وتجاوز الأسماء والمناصب والأماكن، والتي انعكست إيجابيّاتها نجاحات وتطوّرًا ورقيًّا.

إنّ علاقة القيادة بالمواطنين في الدولة مكتسبة من الفطرة والتُّراث الأصيل للبلاد، فتُرجمت قيمتها حرصًا من قِبل المسؤولين والشعب على السواء، على إبقائها نابضة بالحياة وثابتة مهما تغيّر الزمن. لقد تبلورت هذه السمة مع المغفور له الشيخ زايد الذي حرص مع جميع القيادات منذ قيام الدولة، على الحفاظ على هذا التميُّز التُّراثي، فكانت أبوابهم مفتوحة لمختلف أبناء المجتمع، يتناقشون معهم ويتحاورون فيما بينهم ويستمعون إلى آراء بعضهم بعضًا.

إنّ علاقة القيادة بأبناء المجتمع في الإمارات تقوم على أسس سليمة ركيزتها المحبّة والاحترام والعمل من أجل تحقيق مصلحة الوطن والارتقاء به، ممّا أسهم في تحقيق قفزات نوعية في العديد من المجالات، وفي مقدّمتها الاقتصاد، حتى أصبحت الإمارات في فترة وجيزة منذ تأسيسها حتى الآن، محطّ أنظار العالم، وتسعى الدول المتقدّمة كافّة إلى تعزيز علاقات التعاون معها(1). وقد تركّزت علاقة حكام الدولة بمواطنيها على توفير مقوّمات العيش الكريم وتحقيق أفضل مستويات الرفاهية لهم، من مجانية التعليم في كافة مراحله وصولاً إلى الدكتوراه، وتقديم الخدمات الصحية بأرقى مستوياتها في كافة مستشفيات الدولة مجّانًا بحكم القانون، حتى أصبحت دولة الأمارات المكان الأمثل الذي احتضن معظم جنسيات العالم(2).

إن العلاقة بين القيادة والشعب قائمة على العدل والإحسان، وفق إطار قانوني يحفظ للجميع حقوقهم ويكرّس فكرة المصلحة العامة باعتبارها تحقق النفع للمجتمع، حيث حرصت الدولة على أن تسيّج معاني التسامح والعفو بسياج قانوني كان أكبر ضامن للأمن والاستقرار(3). وهذه العلاقة نراها واضحة في كل يوم من خلال الاتصال المباشر بين المسؤولين الكبار والشعب، إيمانًا منهم بأنّ التواصل هو أساس الحكم والعدل الاجتماعي، وأنّ الشورى هي منهاج الحياة السياسية، فلا يمرّ يوم من دون أن نرى نوعًا من التواصل المباشر بين القيادات الحكومية ومختلف شرائح المجتمع، لذا فليس من المستغرب أن تكون القيادة قريبة من هموم الشعب، وأن يتحوّل الآباء المؤسسون إلى أيقونات خالدة في ذاكرة مجتمعنا.

على التقاليد الأصيلة في التعامل، كما أنّنا نرى كثيرًا حكّامنا يتجوّلون بين الناس من دون عقبة أو بروتوكول، وهذه سمة طيّبة تدل على التواضع، وتُعدّ قيمة متأصلة منذ القدم، حرصوا عليها حتى اليوم على الرّغم من تغيّر الظروف والزمان، ونلمس هذا التواضع في مجالسهم التي أصبحت عبارة عن منابر مشرّعة لتبادل الآراء وطرح الأفكار والمبادرات، فغدت تلك المجالس رديفًا للحراك المجتمعي لما تتميّز به من بساطة في الطرح وشفافية في التعامل(4).

لا شكّ بأنّ سياسة “الباب المفتوح” التي تنتهجها دولة الإمارات منذ تأسيسها، هي من الأسباب الرئيسة لعمق العلاقات بين القيادة والشعب، ولكن هناك أيضًا موضوع انخراط هذه القيادة في تنفيذ المهمّات الوطنيّة لتثبت أنها قدوة حقيقيّة، فلا تقف في موضع الموجّه فقط، إنّما نجد القائد يبدأ بنفسه في التقديم والعطاء، وهذه عمليّة قائمة على التعاضد؛ فكما في الأزمات نجد حكّام الدولة إلى جانب الشعب وبالقرب منه، فالعكس صحيح أيضًا، حيث نجد الشعب يدعم قرارات حكومته وقياداته عند التحدّيات(5).

والقيادة تتبع نظامًا عادلاً وصارمًا وشفّافًا يقوم على عدم المفاضلة بين الأشخاص إلاّ وفق القوانين المعمول بها في الدولة، وإعطاء كل ذي حقّ حقّه كاملاً غير منقوص، وكذلك يقوم على تشجيع وتحفيز المواطنين ودعمهم وتوفير كل ما يلزمهم ليحيوا حياة كريمة(6). وهذه العلاقة بين القيادة والمواطنين تُستمد ضوابطها وأسسها من الكتاب والسّنة، لذلك فإنّ القيادة الحكيمة لدولة الإمارات العربية المتحدة تضع الإنسان على قمة أولويّاتها، من خلال الخطط والبرامج التي تنفّذها، والحكّام يحكمون بأخلاقهم بالدرجة الأولى وليس بالقوانين، ولذلك فإنّ علاقتهم بالناس هي علاقة أسريّة، ما أوجد هذا الولاء والانتماء المميّزين، والمشاركة في صنع القرار، وباتت قضية المحافظة على البيت موحّدًا، فطرة جُبلت عليها الدولة(7).

ثمّة اهتمام من القيادة الإماراتية بالتفاصيل المتعلقة بمعيشة وحياة المواطن اليومية وراحة أفراد أسرته، فاعتبرته أساس الثروة، وأنّ الاستثمار الحقيقي إنّما يكون فيه كي يحيا بكرامة ويعيش بعزّة نفس، فوفّرت له كل الإمكانات، وركّزت على تأمين مستقبله انطلاقًا من المساواة الاجتماعية باعتبارها صمّام الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية(8)، وحقّقت له السعادة من خلال ما تقدّم له من أفضل أنظمة التعليم والرعاية الصحية المتميزة والمشاريع الإنسانية والوطنية التنموية والاستراتيجية المختلفة التي توفّر جميعها مقوّمات العيش الكريم له (9).

“عظم الرقبة” هو أحد معايير القيادة الإماراتية في التعبير عن شعورها بمواطنيها؛ بل هو أساس النموذج الإماراتي في المُواطَنة. إنّها علاقة قائمة على رباط لا ينفصم، حيث إنّ القيادة تنظر إلى الشعب بمعيار أسري وعائلي نابع من فكرة “عظم الرقبة”، سواء على مستويات القربى أو على مستوى الانتماء، ودرجات الارتباط التي لا تتوافر سوى بين الأهل وذوي القربى. (10).

إنّنا في دولة الإمارات العربية المتّحدة أمام صورة مشرقة من التلاحم الوطني بين القيادة والشعب، تغذّيها روح الاتّحاد التي تسري في جسد الجميع، وأمام علاقة تستند إلى قيم أصيلة وراسخة في مجتمع الإمارات منذ القدم، والتي تقوم على التراحم والمحبّة والتلاحم بين المواطنين، والولاء لقيادتهم التي تضع مصالحهم فوق كل اعتبار. ولم تستطع دولة الإمارات العربية المتّحدة الوصول إلى ما وصلت إليه اليوم لولا تلك الميزة في العلاقة بين القيادة والمواطنين.

المراجع:
(1): علي ميحد السويدي، الإمارات.. القيادة والشعب قلب واحد، جريدة الخليج الإماراتيّة، 1/7/2013.
(2): د. حمد الغافري، الإمارات.. القيادة والشعب قلب واحد، جريدة الخليج الإماراتيّة، 1/7/2013.
(3): رياض بن عيلان، الإمارات.. القيادة والشعب قلب واحد، جريدة الخليج الإماراتيّة، 1/7/2013.
(4): عمر عبد العزيز، الإمارات.. القيادة والشعب قلب واحد، جريدة الخليج الإماراتيّة، 1/7/2013.
(5): محمد الصوافي، القيادة السياسية في الإمارات نجحت في بناء ثقة شعبية عالية، موقع 24 الإلكتروني، 14/8/2017.
(6): حمد الهاجري، الإمارات.. القيادة والشعب قلب واحد، جريدة الخليج الإماراتيّة، 1/7/2013.
(7): د. عبدالله السويجي، الإمارات.. القيادة والشعب قلب واحد، جريدة الخليج الإماراتيّة، 1/7/2013.
(8): محمد خلفان الصوافي، مكرمة.. وابتسامة، جريدة الاتحاد الإماراتية، 4/5/2011.
(9): فريد وجدي، كيف يمكن إسعاد شعب بأكمله؟/ القيادة تضع بناء إنسان الإمارات على رأس أولويّاتها والمواطن أوّلاً وثانياً وثالثاً، جريدة البيان الإماراتية، 23/6/2013.
(10): سالم الكتبي، “عظم الرقبة” معيار المواطنة الإماراتية، جريدة العرب، العدد 10104، ص.9، 21/11/2015.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

بين الوفرة والهدر: فروق لغوية بيئية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً