شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 01 أبريل 2026
في مقالات سابقة تناولتُ اللغة من زاوية السياسات اللغوية واقتصادياتها، متوقفًا عند فكرة النظر إلى اللغة بوصفها موردًا يمكن الاستثمار فيه، لا مجرد أداة للتواصل أو رمز للهوية. وقد ناقشت تلك المقالات جوانب متعددة من هذا المنظور، مثل الاستثمار في اللغة وكلفة الضعف اللغوي واللغة بوصفها رأس مال معرفيًا. غير أن هذه الأفكار لا تظل حبيسة التنظير، بل تجد تطبيقًا واضحًا في السياسات الثقافية للدول، حيث تتعامل كثير من الدول مع لغاتها بوصفها أداة من أدوات القوة الناعمة في العالم.
ولعل أوضح مثال معاصر على ذلك ما تقوم به الدول من استثمار واسع في نشر لغاتها خارج حدودها لتبني بها حضورا ثقافيا واقتصاديا طويل الأمد. لذلك تنشئ هذه الدول معاهد لتعليم لغاتها في أنحاء العالم، وتدعم برامج الترجمة والمنح التعليمية، وتربط تعلم اللغة بفرص الدراسة والعمل والتعاون العلمي. فكل متعلم جديد للغة هو، في نظر هذه السياسات، إضافة إلى رأس مالها الرمزي والمعرفي في العالم، وخيط جديد في شبكة علاقات تمتد عبر الحدود.
ولهذا نرى مؤسسات ثقافية وتعليمية دولية تُعنى بنشر لغاتها وتعليمها في العالم إدراكًا منها أن انتشار اللغة يوسّع دوائر التأثير الاقتصادي والمعرفي. فاللغة الإنجليزية تنتشر عبر شبكة واسعة من المؤسسات والبرامج التعليمية التي تربط تعلمها بفرص الدراسة والعمل في الاقتصاد العالمي. كما أن فرنسا أنشأت شبكة المعاهد الفرنسية والتحالف الفرنسي (Alliance Française) في عشرات الدول لتعزيز حضور اللغة الفرنسية وثقافتها وأذكر أنه لسنوات طويلة كانت الرابطة الفرنسية تنشر إعلانا يوميا في الصحف المحلية يدعو القراء لتعليم اللغة الفرنسية.
وألمانيا بدورها تدعم تعليم لغتها عالميًا عبر معهد غوته (Goethe-Institut)، الذي ينظم برامج تعليمية وثقافية في مدن عديدة حول العالم، وأذكر أني حضرت دورة في أحد فروعه في القاهرة. أما إسبانيا فتعزز انتشار لغتها من خلال معهد ثربانتس (Instituto Cervantes) الذي يعمل على تعليم الإسبانية ونشر ثقافتها.
ليس الدافع من هذه المبادرات ثقافيا صرفا، بل انطلاقًا من إدراك أن اللغة تفتح أبواب المعرفة والسوق والتأثير. فانتشار اللغة يوسّع شبكات التواصل العلمي والاقتصادي، ويجعلها أداة فاعلة في بناء الحضور الدولي للدول. ومن هذا المنظور تصبح اللغة استثمارًا طويل الأمد، تتجاوز آثاره حدود الثقافة إلى مجالات الاقتصاد والمعرفة والعلاقات الدولية
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز