ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية، حلقة رقم (13)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 13 سبتمبر 2025م
شهدت القارة الأفريقية خلال العقود الأخيرة نقاشًا واسعًا حول جدوى وملاءمة إدخال المحاصيل المعدلة وراثيًا (GM crops) في أنظمتها الزراعية. ورغم أن هذه التكنولوجيا أثبتت نجاحًا في بعض الدول من حيث زيادة الغلة ومقاومة الآفات، فإن تبنيها في أفريقيا كان بطيئًا وغير متجانس، نتيجة لتداخل العوامل الاقتصادية، والسياسية، والبيئية، والاجتماعية.
خريطة تبني المحاصيل المعدلة في أفريقيا
تعتبر جنوب أفريقيا الرائدة الأولى في القارة، حيث بدأت زراعة الذرة والقطن وفول الصويا المعدلة وراثيًا منذ أواخر التسعينيات، وهي اليوم من أكبر منتجي هذه المحاصيل عالميًا، مع أكثر من 2.5 مليون هكتار مزروع سنويًا.
تلحق بها السودان، التي سمحت بزراعة القطن Bt المقاوم للآفات على نطاق تجاري منذ عام 2012م، ما ساعد على زيادة الإنتاجية وتقليل استخدام المبيدات الحشرية.
نيجيريا أيضًا انضمت إلى قائمة الدول التي تبنت المحاصيل المعدلة، حيث بدأت بزراعة القطن Bt في 2018م، وتوسعت مؤخرًا لتشمل الذرة المقاومة للحشرات والجفاف.
كما أطلقت إثيوبيا وكينيا برامج تجريبية وتجارية محدودة للقطن Bt والذرة المقاومة للجفاف، في محاولة للاستفادة من التكنولوجيا لمواجهة تحديات الإنتاج الغذائي.
الدول المتحفظة أو الرافضة
على الجانب الآخر، هناك دول ما زالت ترفض أو تتحفظ على إدخال المحاصيل المعدلة وراثيًا، منها زامبيا وتنزانيا وزيمبابوي، التي تبنت سياسة حظر زراعتها واستيرادها (إلا في حالات الطوارئ الغذائية)، استنادًا إلى مخاوف تتعلق بالسلامة الصحية والبيئية، وكذلك الحفاظ على التنوع البيولوجي المحلي.
أوغندا، رغم كونها من الدول النشطة في الأبحاث الزراعية، تباطأت في اعتماد المحاصيل المعدلة تجاريًا، نتيجة نقاشات برلمانية وسياسية مطولة بشأن قوانين السلامة الحيوية.
العوامل المؤثرة في الموقف الأفريقي
1. الأمن الغذائي والتحديات الزراعية: واجه أفريقيا مشكلات مزمنة في الإنتاج الغذائي، منها ضعف الإنتاجية، وتدهور التربة، وانتشار الآفات، وتغير المناخ. بالنسبة لبعض الحكومات، تمثل المحاصيل المعدلة وراثيًا فرصة لتعزيز الأمن الغذائي وخفض الاعتماد على استيراد الغذاء.
2. السلامة البيئية والصحية: لا يزال غياب الثقة في سلامة هذه المحاصيل على المدى الطويل عائقًا أمام انتشارها. الجمعيات البيئية ومنظمات المجتمع المدني تحذر من آثار محتملة على التنوع البيولوجي، وانتقال الجينات إلى الأنواع البرية، وظهور آفات مقاومة.
3. القوانين والبنية التشريعية: تفاوت الأطر القانونية بين الدول الأفريقية أحد أبرز أسباب بطء الانتشار. بعض الدول أصدرت قوانين واضحة للسلامة الحيوية تسمح بالبحث والتسويق، بينما ما زالت دول أخرى تفتقر إلى تشريعات متكاملة تنظم الإنتاج والتوزيع.
4. الضغوط الدولية: هناك تأثير واضح لمواقف الشركاء التجاريين، خصوصًا الاتحاد الأوروبي، الذي يفرض قيودًا صارمة على استيراد المحاصيل المعدلة. دول أفريقية تعتمد على تصدير المنتجات الزراعية إلى أوروبا تخشى أن يؤدي تبني هذه المحاصيل إلى فقدان الأسواق الأوروبية.
5. الملكية الفكرية وحقوق البذور: يخشى بعض المزارعين والحكومات من الاعتماد المفرط على البذور التي تنتجها شركات متعددة الجنسيات، ما قد يضع المزارعين تحت رحمة الأسعار وشروط التعاقد، ويهدد السيادة الغذائية.
تجارب ناجحة ودروس مستفادة
تجربة جنوب أفريقيا تعد نموذجًا على قدرة هذه التكنولوجيا على رفع الإنتاجية وتحسين العائد الاقتصادي للمزارعين. كما أن تجربة السودان في القطن Bt أظهرت انخفاض تكاليف المكافحة الحشرية بنسبة تصل إلى 30%، وزيادة جودة الألياف.
لكن هناك دروس مهمة أيضًا من التحديات، مثل ضرورة وضع خطط لإدارة مقاومة الآفات، وضمان وجود بنية تشريعية قوية تراقب الأثر البيئي والصحي، وتمنع الاحتكار في سوق البذور.
المستقبل: بين التوسع والتحفظ
من المتوقع أن تشهد أفريقيا توسعًا تدريجيًا في زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا خلال العقد القادم، خاصة مع دعم من منظمات بحثية دولية ومبادرات مثل “تحالف العلم والتكنولوجيا في أفريقيا” التي تسعى لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية.
لكن هذا التوسع سيظل رهينًا بعدة شروط:
• تعزيز البحوث المحلية لضمان ملاءمة المحاصيل المعدلة للبيئات الأفريقية.
• إشراك المزارعين والمجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.
• الموازنة بين الاستفادة من الابتكار والحفاظ على التنوع البيولوجي والمحاصيل التقليدية.
خاتمة
موقف أفريقيا من المحاصيل المعدلة وراثيًا ليس موقفًا موحدًا، بل فسيفساء من السياسات التي تتراوح بين الانفتاح الكامل والحظر التام. وفي حين ترى بعض الدول أن هذه التكنولوجيا أداة ضرورية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي، ترى أخرى أنها تهديد محتمل للتنوع البيولوجي والسيادة الغذائية.
الطريق الأمثل لأفريقيا يكمن في تبني نهج وسط، يجمع بين استثمار التكنولوجيا الحديثة وتطوير الزراعة التقليدية المستدامة، بما يضمن زيادة الإنتاج الغذائي دون التضحية بالبيئة أو الاستقلالية الزراعية. وبذلك يمكن للقارة أن تسير نحو مستقبل غذائي آمن ومتوازن، يواكب تطورات العلم ويحافظ على ثرواتها الطبيعية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز