• من الفاقد إلى الهدر: قراءة علمية في أحد أكثر اختلالات الغذاء كلفة
• الغذاء غير المستهلك: أزمة تنموية بأبعاد بيئية واقتصادية
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 08 مارس 2026
لقمة تسقط… ومنظومة تهتز
في كل مرة تُرمى فيها بقايا الطعام في سلة المهملات، لا تسقط لقمة فحسب، بل تتداعى خلفها سلسلة طويلة من الموارد والقرارات والقيم. فذلك الطبق الذي لم يُستكمل لم يكن نتاج لحظة عابرة، بل نتيجة ماءٍ استُنزف، وطاقةٍ استُهلكت، وأرضٍ زُرعت، وعملٍ بُذل، قبل أن ينتهي به المطاف خارج دورة الاستفادة.
من هنا، لم يعد هدر الطعام مسألة سلوك فردي معزول، ولا خللًا تقنيًا في إدارة الغذاء، بل أصبح مؤشرًا مركزيًا على طريقة تعامل المجتمعات مع مواردها، وعلى مستوى نضجها التنموي وقدرتها على المواءمة بين الوفرة والمسؤولية.
الهدر الغذائي كخسارة مركّبة
تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن نحو ثلث الغذاء المنتج عالميًا للاستهلاك البشري يُفقد أو يُهدر سنويًا، أي ما يقارب 1.3 مليار طن. غير أن القراءة العلمية لهذه الأرقام تكشف أن الخسارة الحقيقية لا تقتصر على الغذاء ذاته، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ الخسارة المركّبة: مياه الري، الطاقة المستخدمة في الإنتاج والنقل، التربة الزراعية، المدخلات الكيميائية، والانبعاثات الناتجة عن الإنتاج والتحلل.
بهذا المعنى، فإن هدر الطعام هو أحد أكثر أشكال سوء إدارة الموارد كلفةً وتأثيرًا، لأنه يجمع بين البعد البيئي والاقتصادي والاجتماعي في آن واحد.
فاقد أم مهدر؟ التفريق الذي يصنع الحل
تميّز الأدبيات العلمية بوضوح بين:
• فاقد الطعام (Food Loss): ويحدث في مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والنقل، ويرتبط غالبًا بضعف البنية التحتية، وقصور سلاسل التبريد، وسوء ممارسات ما بعد الحصاد.
• المهدر من الطعام (Food Waste): ويقع عند مستوى التجزئة أو الاستهلاك النهائي، ويرتبط بقرارات بشرية وسلوكيات استهلاكية، مثل الشراء المفرط، سوء التخزين، الالتباس حول تواريخ الصلاحية، والمبالغة في إعداد الطعام.
هذا التفريق ليس لغويًا، بل تشخيصيًّا؛ لأنه يحدد بدقة أين يتكوّن الخلل، وبالتالي كيف تُصمَّم أدوات المعالجة، بين حلول تقنية لسلسلة الإمداد، وتدخلات سلوكية وتنظيمية في السوق والاستهلاك.
الأثر المناخي والاقتصادي… حين يصبح الهدر عاملًا مضاعفًا
بيئيًا، تبيّن تقارير الأمم المتحدة أن الغذاء غير المستهلك مسؤول عن نحو 8–10% من الانبعاثات العالمية، وهو رقم يضع الهدر الغذائي ضمن العوامل الرئيسة المساهمة في التغير المناخي. كما أن تحلل الطعام في المكبات ينتج غاز الميثان، الذي يتمتع بقدرة تسخين عالية على المدى القصير، ما يجعل إدارة نفايات الغذاء جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات خفض الانبعاثات.
اقتصاديًا، تُقدّر الخسائر السنوية المرتبطة بالفاقد والمهدر من الطعام بنحو 940 مليار دولار عالميًا، ما يعكس فجوة كبيرة في كفاءة منظومة الغذاء، خاصة في عالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.
الاستهلاك… حين تكشف السلة عن القيم
لم يعد الاستهلاك في المجتمعات الحديثة مجرد تلبية للحاجات الأساسية، بل تحوّل إلى ممارسة تعكس الهوية الفردية والجماعية. فقرارات الشراء اليومية، مهما بدت بسيطة، تحمل دلالات أخلاقية وبيئية عميقة.
في كثير من السياقات، لا ينبع الهدر من الندرة، بل من ثقافة وفرة تُقاس فيها المكانة الاجتماعية بكمية الطعام المعروض لا بمدى الحاجة إليه. وتُغذّي هذه الثقافة منظومة إعلانية وتسويقية تشجّع على الشراء المفرط، وتربط “الكم” بالجودة، بينما يُساء فهم الترشيد بوصفه تقشفًا أو ضعفًا.
الهدر كنتاج لقرارات صغيرة متراكمة
تُظهر الدراسات السلوكية أن الهدر الغذائي غالبًا لا يكون قرارًا واعيًا، بل نتيجة سلسلة من السلوكيات اليومية: التسوق دون تخطيط، تجاهل المخزون المنزلي، إعداد كميات تفوق الحاجة، وسوء إدارة بقايا الطعام.
وفي المجتمعات ذات الطابع المناسباتي، يتحول الطعام إلى رمز اجتماعي وصورة للكرم، أكثر منه موردًا غذائيًا، ما يجعل الهدر نتيجة شبه حتمية حتى في ظل وجود قوانين أو حملات توعوية.
متاجر الأغذية الكبرى… من جزء من المشكلة إلى جزء من الحل
تحتل متاجر الأغذية الكبرى موقعًا محوريًا في منظومة الغذاء، نظرًا لتأثيرها المباشر على المزارعين والمصنّعين والمستهلكين. وتؤكد التجارب الدولية أن لهذه المتاجر قدرة حقيقية على خفض الهدر من خلال:
• تحسين إدارة المخزون والتنبؤ بالطلب،
• بناء شراكات عادلة مع المزارعين لتقليل الفاقد في الحقول،
• مراجعة المعايير الجمالية الصارمة للمنتجات،
• تبسيط وفهم ملصقات تواريخ الصلاحية،
• والتأثير في وعي المستهلكين عبر حملات ومبادرات عملية.
البعد القيمي… فجوة بين المعرفة والممارسة
في المجتمعات الإسلامية، يشكّل الترشيد وعدم الإسراف مبدأً أخلاقيًا واضحًا، كما ورد في قوله تعالى:
(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). غير أن ارتفاع معدلات الهدر، خاصة في مواسم مثل شهر رمضان، يكشف عن فجوة بين المرجعية القيمية والسلوك اليومي، ما يؤكد أن التحدي ليس في نقص القيم، بل في ضعف تحويلها إلى ممارسة واعية ومستدامة.
الهدر كمؤشر تنموي
في جوهره، هدر الطعام ليس مجرد خلل في إدارة الغذاء، بل مؤشر على نمط تنموي كامل. فالمجتمعات التي تنجح في خفض الهدر، لا تفعل ذلك بالقوانين وحدها، بل بتحويل الترشيد إلى ثقافة، والمسؤولية إلى عادة يومية.
وحين يصبح احترام الطعام جزءًا من السلوك الجمعي، يتحول خفض الهدر من استجابة موسمية إلى نتيجة طبيعية، وتتقاطع المكاسب البيئية والاقتصادية والاجتماعية في مسار واحد يعزز الأمن الغذائي ويحفظ حق الأجيال القادمة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز