قراءة تحليلية في تقرير البنك الدولي 2026 حول أسواق الكربون والتحول المناخي
عماد سعد:
• من ضرائب الكربون إلى أسواق الأرصدة المناخية… كيف أصبحت الانبعاثات أداة اقتصادية تؤثر في التجارة والاستثمار والتنمية المستدامة؟
• توسع غير مسبوق لأنظمة تداول الانبعاثات وأسواق أرصدة الكربون وسط سباق عالمي نحو الحياد الكربوني والاقتصاد منخفض الانبعاثات
• تحولات كبرى في سياسات المناخ وأسواق الانبعاثات وفق تقرير البنك الدولي 2026
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية 25 مايو 2026
يشهد العالم اليوم تحولاً متسارعاً في أدوات وسياسات العمل المناخي، حيث لم يعد التعامل مع الانبعاثات الكربونية مقتصراً على التعهدات السياسية أو الاتفاقيات الدولية، بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بالاقتصاد والأسواق والتمويل والاستثمار. وفي هذا السياق، يبرز تقرير البنك الدولي بعنوان State and Trends of Carbon Pricing 2026 بوصفه أحد أهم المراجع الدولية التي ترصد تطور سياسات تسعير الكربون وأسواق أرصدة الكربون على المستوى العالمي، وتقدم صورة شاملة عن الاتجاهات الحالية والمستقبلية لهذا القطاع الحيوي.
ويكشف التقرير عن مرحلة جديدة من النضج والتوسع في سياسات تسعير الكربون، سواء عبر أنظمة تداول الانبعاثات (ETS) أو ضرائب الكربون، بالتزامن مع اتساع أسواق أرصدة الكربون الطوعية والتنظيمية، وتحولها إلى جزء متزايد الأهمية في الاقتصاد العالمي منخفض الكربون.

أولاً: ما المقصود بتسعير الكربون؟
يقوم مفهوم تسعير الكربون على مبدأ اقتصادي بسيط يتمثل في تحميل الأنشطة المسببة للانبعاثات الكربونية تكلفة مالية تعكس الأضرار البيئية الناتجة عنها، بهدف تحفيز الشركات والحكومات والمستهلكين على خفض الانبعاثات والتحول نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة. ويأخذ تسعير الكربون شكلين رئيسيين:
1. ضرائب الكربون
تفرض الحكومات رسوماً مباشرة على كل طن من ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادله من غازات الدفيئة.
2. أنظمة تداول الانبعاثات (ETS)
تقوم على تحديد سقف إجمالي للانبعاثات، ثم السماح للشركات بشراء وبيع حصص الانبعاثات فيما بينها ضمن سوق منظم. ويشير التقرير إلى أن أنظمة تداول الانبعاثات أصبحت الأداة الأسرع نمواً عالمياً مقارنة بضرائب الكربون، خصوصاً خلال العقد الأخير.
ثانياً: توسع عالمي غير مسبوق في تسعير الكربون
من أبرز النتائج التي عرضها التقرير أن نحو 29% من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة أصبحت اليوم خاضعة لسعر مباشر للكربون عبر 87 سياسة مطبقة حول العالم. ويُعد هذا الرقم مؤشراً مهماً على التحول التدريجي من “الالتزامات المناخية النظرية” إلى “الأدوات الاقتصادية التنفيذية”.
كما أظهر التقرير أن تغطية الانبعاثات العالمية عبر أنظمة تداول الانبعاثات ارتفعت من 8% عام 2016 إلى أكثر من 24% عام 2026، أي أنها تضاعفت ثلاث مرات خلال عقد واحد. في المقابل، بقيت مساهمة ضرائب الكربون مستقرة نسبياً عند حدود 4–5%. ويعكس ذلك توجهاً عالمياً متزايداً نحو استخدام الأسواق وآليات التداول بدلاً من الأدوات الضريبية التقليدية.
ثالثاً: صعود الاقتصادات الناشئة
من أهم الرسائل التي يقدمها التقرير أن تسعير الكربون لم يعد حكراً على الدول المتقدمة، بل بدأ يشهد انتشاراً واضحاً في الاقتصادات النامية والناشئة. فقد قامت دول مثل: الهند، اليابان، فيتنام، صربيا، وموريتانيا. بتطبيق أو تطوير سياسات جديدة لتسعير الكربون خلال عام 2026. كما تستعد دول أخرى مثل: البرازيل وتركيا لتطبيق سياسات مماثلة خلال السنوات المقبلة. ويشير التقرير بوضوح إلى أنه “لا يوجد نموذج واحد لتسعير الكربون”، وأن نجاح هذه السياسات يعتمد على مواءمتها مع الواقع الاقتصادي والمؤسسي لكل دولة.
رابعاً: آلية تعديل الكربون الأوروبية (CBAM)
أحد أبرز التطورات العالمية التي يناقشها التقرير هو دخول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM) حيز التنفيذ. وتمثل هذه الآلية تحولاً جذرياً في العلاقة بين التجارة الدولية والعمل المناخي، حيث ستفرض أوروبا رسوماً كربونية على السلع المستوردة ذات الانبعاثات المرتفعة، مثل: الحديد والصلب، الإسمنت، الألمنيوم، الأسمدة، والكهرباء.
ورغم أن هذه الآلية تغطي أقل من 0.5% من الانبعاثات العالمية، إلا أن تأثيرها السياسي والاقتصادي كان كبيراً، لأنها دفعت العديد من الدول إلى التفكير في تطوير أنظمة وطنية لتسعير الكربون تجنباً للتكاليف الحدودية الأوروبية.
خامساً: ارتفاع أسعار الكربون عالمياً
أظهر التقرير أن متوسط أسعار الكربون العالمية تضاعف تقريباً بين عامي 2016 و2026، حيث ارتفع من 10 دولارات للطن عام 2016 إلى نحو 21 دولاراً للطن عام 2026. ويرتبط هذا الارتفاع بشكل رئيسي بزيادة أسعار حصص الانبعاثات ضمن أنظمة التداول، وليس بضرائب الكربون التي بقيت أكثر استقراراً. كما أشار التقرير إلى أن بعض الدول رفعت ضرائب الكربون بصورة كبيرة، مثل سنغافورة التي زادت ضريبة الكربون بنسبة 80% خلال عام 2026.
سادساً: أكثر من 107 مليارات دولار عائدات حكومية
تشير بيانات التقرير إلى أن إيرادات الحكومات من أنظمة تداول الانبعاثات وضرائب الكربون تجاوزت 107 مليارات دولار خلال عام 2025، مقارنة بأقل من 30 مليار دولار فقط عام 2016. ويعكس هذا النمو الكبير تحول تسعير الكربون إلى أداة مالية مهمة لدعم التحول الطاقي وتمويل مشاريع المناخ، الى جانب الاستثمار في الطاقة النظيفة وتحديث البنية التحتية. كما يوضح التقرير أن الجزء الأكبر من هذه الإيرادات ما يزال يتركز في الاقتصادات المتقدمة، نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف تطبيق المزادات الكربونية في العديد من الدول النامية.
سابعاً: أسواق أرصدة الكربون تدخل مرحلة جديدة
يتناول التقرير بالتفصيل تطور أسواق أرصدة الكربون (Carbon Credit Markets)، والتي تمثل أحد أكثر القطاعات المناخية نمواً خلال السنوات الأخيرة. وقد ارتفعت إصدارات أرصدة الكربون بنسبة 8% بين عامي 2024 و2025، رغم أنها ما تزال أقل بنسبة 20% من مستويات عام 2022.
كما يوضح التقرير أن:
• الآليات الحكومية لإصدار الأرصدة ارتفعت من 24 إلى 34 آلية خلال عقد واحد.
• نحو 70% من الأرصدة ما تزال تصدر عبر آليات مستقلة غير حكومية.
ومن التطورات المهمة أيضاً بدء التشغيل الفعلي لآلية أرصدة الكربون التابعة لاتفاق باريس (PACM)، حيث تم إصدار أول أرصدة تجريبية لمشروع مواقد طهي نظيفة في ميانمار.
ثامناً: الطلب الطوعي يهيمن على السوق
يكشف التقرير أن أكثر من 80% من استخدامات أرصدة الكربون خلال 2025 جاءت لأغراض طوعية، وليس لأغراض الامتثال الإلزامي وهذا يعني أن الشركات العالمية والمؤسسات المالية والعلامات التجارية الكبرى باتت تعتمد بشكل متزايد على شراء أرصدة الكربون لتحقيق أهداف “صافي الانبعاثات الصفري”. كما أشار التقرير إلى توقيع اتفاقيات مستقبلية لشراء أرصدة كربون بقيمة 12 مليار دولار خلال 2025، وهو ما يمثل زيادة بثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2024.
تاسعاً: الجودة أصبحت العامل الحاسم
من أهم التحولات التي يرصدها التقرير انتقال الأسواق من التركيز على “كمية الأرصدة” إلى “جودتها وموثوقيتها”. فالأرصدة المعتمدة ضمن برنامج الطيران الدولي CORSIA أصبحت تباع بأسعار أعلى من بقية الأرصدة، حيث تراوحت أسعارها بين:
((12-15 دولاراً للطن مقارنة بـ (14–01) دولاراً لمعظم الأنواع الأخرى. كما أظهر التقرير وجود علاقة متزايدة بين تقييمات الجودة التي تمنحها وكالات التصنيف المناخي وبين القيمة السوقية للأرصدة الكربونية.
عاشراً: ماذا تعني هذه التحولات للدول العربية؟
رغم أن المنطقة العربية ما تزال في المراحل الأولى من تطبيق سياسات تسعير الكربون، إلا أن التطورات العالمية الحالية ستفرض تحولات عميقة على اقتصادات المنطقة خلال السنوات القادمة. وتبرز هنا عدة تحديات: آلية CBAM الأوروبية. تنافسية الصادرات. متطلبات الإفصاح المناخي. الاستثمار الأخضر. أسواق الكربون الطوعية. وفي المقابل، تمتلك المنطقة فرصاً كبيرة في: مشاريع الطاقة المتجددة. التشجير واستعادة النظم البيئية. مشاريع الكربون الأزرق. الزراعة الذكية مناخياً. الهيدروجين الأخضر.
خاتمة
يكشف تقرير البنك الدولي لعام 2026 أن العالم يدخل مرحلة جديدة من “اقتصاد الكربون”، حيث أصبحت الانبعاثات ليست مجرد قضية بيئية، بل عاملاً اقتصادياً ومالياً واستراتيجياً يؤثر في التجارة والاستثمار والتنمية. ويبدو أن تسعير الكربون وأسواق الأرصدة الكربونية سيتحولان خلال العقد القادم إلى أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي منخفض الكربون، خاصة مع اتساع تطبيق السياسات المناخية وارتفاع الطلب على الحلول عالية النزاهة والجودة. أما بالنسبة للدول النامية والعربية، فإن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في التكيف مع هذه التحولات، بل في القدرة على تحويلها إلى فرص تنموية واقتصادية تدعم الاستدامة وتعزز التنافسية في الاقتصاد العالمي الجديد.
المصدر:
تقرير البنك الدولي: State and Trends of Carbon Pricing 2026 – Executive Summary
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز