استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية في المغرب في ظل التحديات المناخية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 205 أبريل 2026

الملخص:
يستعرض هذا المقال التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية على قطاع الإنتاج الحيواني في المغرب، مسلطًا الضوء على قضايا مثل تدهور المراعي، نقص الموارد العلفية، والجفاف المتكرر الذي يهدد استدامة الإنتاج وأمن الغذاء. يناقش المقال الاستراتيجيات الممكنة لتعزيز مرونة القطاع، بما في ذلك تنويع مصادر الدخل، تعزيز الحوكمة البيئية، دعم التكوين والإرشاد الزراعي، والاستفادة من المعرفة المحلية في إدارة الموارد الطبيعية. كما يستعرض دور السياسات العمومية والتقنيات الحديثة في تحسين إدارة الموارد العلفية والمياه، وتقليل الانبعاثات الغازية، وتحقيق توازن بين الإنتاج الحيواني والحفاظ على البيئة. ويخلص المقال إلى أن دمج هذه التدابير بشكل متكامل يُعدّ مفتاحًا لتحقيق استدامة الإنتاج الحيواني وضمان السيادة الغذائية في المغرب في ظل التحديات المناخية المتصاعدة.

الكلمات المفتاحية: الاستدامة البيئية – الإنتاج الحيواني – السيادة الغذائية – التغيرات المناخية – الحوكمة البيئية

مقدمة عامة
يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات بيئية ومناخية متسارعة أثرت بشكل مباشر على الأنظمة الزراعية والغذائية، خاصة في المناطق الهشة وشبه الجافة مثل المغرب. ويُعد قطاع الإنتاج الحيواني أحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي والسيادة الغذائية، حيث يساهم في توفير البروتين الحيواني، خلق فرص الشغل، ودعم الاقتصاد القروي. غير أن هذا القطاع يواجه تحديات متزايدة نتيجة التغيرات المناخية، من قبيل توالي سنوات الجفاف، تدهور المراعي، وندرة الموارد المائية.

في هذا السياق، تبرز إشكالية مركزية تتمثل في: كيف يمكن تحقيق استدامة الإنتاج الحيواني في المغرب مع تعزيز السيادة الغذائية في ظل التحديات المناخية الراهنة؟ يسعى هذا المقال العلمي إلى تحليل واقع القطاع، استكشاف التحديات، واقتراح مسارات للتحول نحو نماذج أكثر استدامة ومرونة.

أولاً: واقع الإنتاج الحيواني في المغرب
يحتل قطاع الإنتاج الحيواني مكانة استراتيجية ضمن الاقتصاد الفلاحي المغربي، حيث يساهم بنسبة مهمة في الناتج الداخلي الفلاحي، ويشكل مصدر دخل رئيسي لآلاف الأسر القروية. ويشمل هذا القطاع تربية الأبقار والأغنام والماعز والإبل، مع تركيز كبير في المناطق شبه الجافة.

يعتمد الإنتاج الحيواني في المغرب بشكل كبير على الأنظمة الرعوية وشبه الرعوية، التي ترتكز على استغلال الموارد الطبيعية (المراعي، الغابات، المخلفات الزراعية). غير أن هذه الأنظمة تتميز بهشاشة بنيوية بسبب ارتباطها الوثيق بالتقلبات المناخية (Alary et al., 2021).
كما يعرف القطاع تفاوتاً واضحاً بين:
• نظم تقليدية تعتمد على الرعي الطبيعي؛
• نظم مكثفة تعتمد على الأعلاف المركبة.
هذا التباين يعكس اختلاف مستويات الإنتاجية والقدرة على التكيف مع الصدمات المناخية.

ثانياً: التغيرات المناخية وتأثيرها على الإنتاج الحيواني
1- الجفاف والإجهاد المائي
يُعدّ الجفاف من أبرز التحديات البنيوية التي تواجه المغرب، حيث شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة تواليًا ملحوظًا لمواسم الجفاف نتيجة التغيرات المناخية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الموارد الطبيعية، خاصة المراعي ومصادر المياه السطحية والجوفية. فقد أدى تراجع التساقطات وعدم انتظامها إلى تقلص الغطاء النباتي وضعف إنتاجية المراعي، مما أثر سلبًا على توفر الأعلاف الطبيعية الضرورية لتغذية الماشية. أدى ذلك إلى:

1. انخفاض إنتاجية الماشية؛
2. ارتفاع تكاليف التربية؛
3. تراجع أعداد القطيع.
وترتب عن هذا الوضع عدد من الانعكاسات السلبية على قطاع تربية الماشية، من أبرزها:
• انخفاض إنتاجية الماشية: بسبب ضعف جودة وكمية الأعلاف، تتراجع مردودية الحيوانات سواء من حيث إنتاج الحليب أو اللحوم، كما تتأثر خصوبتها ومقاومتها للأمراض، مما يضعف الأداء العام للقطاع.
• ارتفاع تكاليف التربية: يضطر المربون إلى اللجوء إلى الأعلاف المركبة والمواد العلفية المستوردة لتعويض النقص، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج، خاصة في ظل تقلب أسعار السوق.
• تراجع أعداد القطيع: في ظل ارتفاع التكاليف ونقص الموارد، يلجأ العديد من الكسابة إلى بيع جزء من ماشيتهم أو تقليص حجم القطيع، مما يؤثر على استدامة النشاط وعلى الأمن الغذائي المرتبط بالمنتجات الحيوانية.

2- تدهور المراعي
ساهم الاستغلال المفرط للمراعي، إلى جانب التغيرات المناخية، في تدهور الغطاء النباتي، مما يقلل من قدرة الأنظمة الرعوية على الاستمرار (Ziadat et al., 2022). خاصة في النظم البيئية الهشة وشبه الجافة. فالرعي الجائر يؤدي إلى تقليص الكتلة النباتية، وإضعاف قدرة النباتات على التجدد، واختفاء الأنواع الرعوية ذات القيمة الغذائية العالية، مما يفسح المجال لانتشار نباتات أقل جودة أو غير مستساغة. ومع استمرار هذا الضغط، تتدهور بنية التربة نتيجة فقدان الغطاء الواقي، مما يزيد من معدلات الانجراف والتصحر.

وتتفاقم هذه الوضعية بفعل التغيرات المناخية، حيث يؤدي تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة إلى تقليص فترة النمو النباتي، وإضعاف إنتاجية المراعي الطبيعية. كما أن تواتر موجات الجفاف يحدّ من قدرة الأنظمة البيئية على التعافي، ويؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب على الموارد العلفية، خاصة في المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الرعي التقليدي.

وانعكس هذا التدهور بشكل مباشر على استدامة الأنظمة الرعوية، إذ تتراجع إنتاجية القطعان، وتزداد تكاليف التغذية بسبب اللجوء إلى الأعلاف المركبة، كما تتفاقم هشاشة المجتمعات القروية التي تعتمد على تربية الماشية كمصدر رئيسي للعيش. إضافة إلى ذلك، فإن تدهور المراعي يقلل من قدرتها على تخزين الكربون، مما يضعف دورها في التخفيف من آثار التغيرات المناخية.

وفي هذا الإطار، تؤكد الدراسات العلمية على أهمية اعتماد ممارسات تدبير مستدامة للمراعي، مثل تنظيم فترات الرعي (الرعي الدوراني)، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي عبر زراعة الأنواع المحلية المقاومة، وتحديد الحمولة الرعوية المناسبة، إضافة إلى تعزيز الحكامة المحلية للموارد الطبيعية (Ziadat et al., 2022). كما يُعد إدماج المعرفة التقليدية مع التقنيات الحديثة رافعة أساسية لضمان استمرارية الأنظمة الرعوية وتحقيق توازن بين الاستغلال والحفاظ على الموارد.

3- انبعاثات الغازات الدفيئة
يُساهم قطاع تربية الماشية في انبعاث غاز الميثان، وهو من الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وقد أصبح تقليص هذه الانبعاثات من أولويات السياسات البيئية الدولية (FAO, 2025). حيث تفوق قدرته على حبس الحرارة ثاني أكسيد الكربون بعدة مرات على المدى القصير. وينتج هذا الغاز أساسًا عن عمليات الهضم لدى الحيوانات المجترة (التخمر المعوي)، إضافة إلى تدبير مخلفاتها العضوية. وقد أصبح تقليص هذه الانبعاثات من أولويات السياسات البيئية الدولية، خاصة في ظل الالتزامات العالمية المرتبطة بالحد من آثار التغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، تعمل العديد من الدول والمنظمات الدولية على تطوير استراتيجيات مبتكرة للتخفيف من انبعاثات الميثان في قطاع الثروة الحيوانية، من خلال تحسين نظم التغذية، واستخدام إضافات علفية تقلل من التخمر المعوي، واعتماد تقنيات حديثة لمعالجة الروث وإنتاج الطاقة الحيوية. كما يتم تشجيع الممارسات الزراعية المستدامة التي تدمج بين الإنتاج الحيواني وحماية الموارد الطبيعية، بما يحقق التوازن بين الأمن الغذائي والحفاظ على البيئة.

علاوة على ذلك، يكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في الدول النامية، حيث يشكل قطاع تربية الماشية مصدرًا رئيسيًا للدخل والمعيشة لعدد كبير من السكان. وبالتالي، فإن التحدي لا يكمن فقط في تقليص الانبعاثات، بل أيضًا في ضمان استدامة هذا القطاع وتعزيز قدرته على التكيف مع التغيرات المناخية، عبر دعم الابتكار، ونقل التكنولوجيا، وبناء قدرات الفاعلين المحليين.

4- فقدان التنوع البيولوجي
تؤثر التغيرات المناخية بشكل مباشر وغير مباشر على التنوع النباتي، الذي يُعدّ الركيزة الأساسية للسلاسل الغذائية الحيوانية، خاصة في النظم الرعوية والزراعية. فارتفاع درجات الحرارة، وتغيّر أنماط التساقطات، وتزايد تواتر الظواهر المناخية المتطرفة كالجفاف والفيضانات، يؤدي إلى تراجع الغطاء النباتي، وتدهور المراعي، واختلال تركيب الأنواع النباتية (IPCC, 2022). هذا التحول لا يقتصر على انخفاض الكتلة الحيوية، بل يشمل أيضًا تغيّر القيمة الغذائية للنباتات، حيث تتأثر نسبة البروتين والألياف والمعادن، مما ينعكس سلبًا على صحة وإنتاجية الحيوانات.

كما أن التغيرات المناخية تساهم في انتشار أنواع نباتية غازية أو أقل جودة غذائية، على حساب الأنواع المحلية الأكثر ملاءمة، وهو ما يؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي النباتي وتدهور الخدمات البيئية المرتبطة به (FAO, 2021). إضافة إلى ذلك، فإن الإجهاد المائي وتملّح التربة في بعض المناطق يحدّان من قدرة النباتات على النمو والتجدد، مما يفاقم الضغط على الموارد العلفية ويزيد من هشاشة النظم الرعوية.

وتنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على استدامة الإنتاج الحيواني، حيث يؤدي نقص الموارد العلفية وتدهور جودتها إلى انخفاض الإنتاجية (الحليب، اللحوم)، وزيادة تكاليف التغذية، وارتفاع معدلات الأمراض وضعف القدرة على التكيف لدى القطعان (Thornton et al., 2009). كما يهدد ذلك سبل عيش المجتمعات القروية التي تعتمد بشكل كبير على تربية الماشية كمصدر رئيسي للدخل.

في هذا السياق، توصي الأدبيات العلمية بضرورة تبني مقاربات متكاملة للتكيف، تشمل تدبيرًا مستدامًا للمراعي، واعتماد أصناف نباتية مقاومة للجفاف، وتنويع مصادر العلف، وتعزيز نظم الرصد البيئي، إلى جانب دعم البحث العلمي ونقل التكنولوجيا (IPCC, 2022؛ FAO, 2021).

ثالثاً: الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية
تشير السيادة الغذائية إلى قدرة الدول على التحكم في نظمها الغذائية وضمان إنتاج غذاء كافٍ وصحي ومستدام. ويلعب الإنتاج الحيواني دوراً محورياً في هذا الإطار من خلال:
• توفير البروتين الحيواني (لحوم، حليب، بيض)
• تقليل الاعتماد على الواردات
• دعم الاقتصاد المحلي
غير أن المغرب لا يزال يعتمد جزئياً على استيراد الأعلاف، مما يحد من سيادته الغذائية ويجعله عرضة لتقلبات السوق الدولية. كما أن التحولات المناخية تهدد القدرة الإنتاجية المحلية، مما يطرح تحديات حقيقية أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي.

رابعاً: نحو إنتاج حيواني مستدام
1. تبني الزراعة الإيكولوجية
تُعد الزراعة الإيكولوجية نموذجاً بديلاً يهدف إلى تحقيق التوازن بين الإنتاج والحفاظ على البيئة. وتشمل:
• تحسين إدارة الموارد الطبيعية
• تقليل الاعتماد على المدخلات الخارجية
• تعزيز التنوع البيولوجي (Montoya et al., 2024)

2. تحسين الأعلاف
يمكن تحسين إنتاجية الماشية عبر:
• تطوير أعلاف مقاومة للجفاف
• استغلال المخلفات الزراعية
• إدخال تقنيات حديثة في التغذية

3. إدارة مستدامة للمراعي
من خلال:
• تنظيم الرعي
• إعادة تأهيل المراعي
• إشراك المجتمعات المحلية في التدبير

4. الابتكار والتكنولوجيا
يلعب الابتكار دوراً مهماً في:
• تحسين الإنتاجية
• تتبع صحة الحيوانات
• التكيف مع التغيرات المناخية

5. تقليل انبعاثات الميثان
من خلال:
• تحسين تغذية الحيوانات
• استخدام تقنيات حديثة
• دعم المبادرات الدولية (FAO, 2025)

خامساً: السياسات العمومية ودورها في الاستدامة
أطلقت المغرب عدة استراتيجيات، مثل:
• مخطط المغرب الأخضر
• الجيل الأخضر 2020–2030
وتهدف هذه السياسات إلى:
• تعزيز الإنتاجية
• دعم الفلاحين الصغار
• تحقيق التنمية المستدامة
غير أن التحدي يكمن في:
• التنزيل الفعلي للسياسات
• تحقيق العدالة المجالية
• ضمان استدامة الموارد
كما تلعب الشراكات الدولية، خاصة مع منظمة الفاو، دوراً مهماً في دعم التحول نحو أنظمة إنتاج مستدامة (FAO, 2023–2027).

سادساً: التكيف وبناء المرونة
يتطلب التكيف مع التغيرات المناخية اعتماد مقاربة شمولية تشمل:
1. تنويع مصادر الدخل
يُعدّ تنويع مصادر الدخل من المقاربات الأساسية لتعزيز استدامة الإنتاج الحيواني وتحقيق السيادة الغذائية في المغرب، خاصة في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية وتقلبات الأسواق. فالاعتماد على نشاط واحد، كالرعي أو تربية نوع معين من الماشية، يجعل الأسر القروية أكثر عرضة للهشاشة في فترات الجفاف أو الأزمات الاقتصادية.

ويشمل هذا التنويع تطوير أنشطة مكمّلة ومدرّة للدخل، مثل الزراعات العلفية المستدامة، وتربية الدواجن أو النحل، وتثمين المنتجات الحيوانية عبر التصنيع المحلي (كإنتاج الجبن ومشتقات الحليب)، إضافة إلى الانخراط في أنشطة غير فلاحية كالسياحة القروية أو الحرف التقليدية. كما يمكن اعتماد نماذج الاقتصاد التضامني والتعاونيات لتعزيز القيمة المضافة وتحسين ولوج المنتجين إلى الأسواق.

يساهم هذا التوجه في تقليل المخاطر الاقتصادية، وتحسين القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز استقرار دخل المربين. كما يدعم استدامة الموارد الطبيعية عبر تقليل الضغط على المراعي، ويوفر فرصًا جديدة للشغل، خاصة لفائدة الشباب والنساء في الوسط القروي.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دعم السياسات العمومية والمبادرات المحلية التي تشجع الابتكار، وتوفر التكوين والتمويل، وتواكب الفاعلين في تطوير مشاريع مدرّة للدخل، بما يساهم في بناء نظم إنتاج حيواني أكثر مرونة واستدامة.

2. دعم الفلاحين الصغار
يمكن تحقيق تنويع مصادر الدخل وتعزيز استدامة الإنتاج الحيواني في المغرب عبر مجموعة من الآليات المتكاملة التي تضمن دعم الفاعلين المحليين وتمكينهم من التكيف مع التحديات المناخية والاقتصادية.

• أولاً، التكوين يمثل أداة أساسية لنقل المعارف والخبرات الحديثة حول تقنيات الإنتاج الحيواني المستدام، وإدارة المراعي، واستغلال الموارد العلفية بكفاءة، بالإضافة إلى تزويد المربين بالمهارات اللازمة لتطوير أنشطة مكمّلة مدرّة للدخل.

• ثانياً، يلعب التمويل دورًا حيويًا في تمكين المزارعين من الاستثمار في مشاريع متنوعة، مثل إنشاء مزارع صغيرة للدواجن أو النحل، وتطوير محاصيل علفية مقاومة للجفاف، أو إقامة وحدات لتصنيع المنتجات الحيوانية، مما يقلل من اعتمادهم على مصدر دخل واحد ويزيد من مرونتهم الاقتصادية.

• ثالثًا، يُعتبر الإرشاد الزراعي وسيلة فعّالة لمواكبة المربين في تطبيق أفضل الممارسات التقنية والإدارية، وتوجيههم نحو حلول مبتكرة ومستدامة، فضلاً عن تعزيز تبادل المعرفة بين الفاعلين المحليين والخبراء. ومن خلال هذا التكامل بين التكوين والتمويل والإرشاد، يمكن بناء قدرات حقيقية للمنتجين، وتحسين استدامة الإنتاج الحيواني، وضمان سيادة غذائية أقوى وأكثر مرونة في مواجهة التحديات البيئية والمناخية.

3. تعزيز المعرفة المحلية
تلعب المعارف التقليدية والممارسات المحلية دورًا حيويًا في تعزيز قدرة المجتمعات القروية على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة، خاصة في قطاع الإنتاج الحيواني في المغرب. فقد طورت المجتمعات المحلية عبر أجيال استراتيجيات فعّالة لإدارة الموارد الطبيعية، مثل تحديد أوقات الرعي المناسبة، اختيار أنواع الماشية المقاومة للجفاف، وحفظ الأعلاف الطبيعية خلال فترات الشح، وهو ما يُمكّنها من الصمود أمام موجات الجفاف وتقلبات الطقس (Kmoch et al., 2018).

وعلاوة على ذلك، توفر هذه المعارف خبرات قيّمة في تدبير المراعي والمياه، والتكامل بين الزراعة والحيوان، مما يضمن استدامة الموارد وتحقيق إنتاجية أفضل على المدى الطويل. كما تُعدّ هذه المعرفة قاعدة مهمة لابتكار حلول حديثة، حيث يمكن دمجها مع التقنيات العلمية والتوصيات الحديثة لتحقيق ممارسات مستدامة ومتكاملة.
لذلك، يعدّ تعزيز المعرفة المحلية ونقلها بين الأجيال خطوة استراتيجية لتعزيز مرونة النظم الإنتاجية، وتحسين قدرة المربين على مواجهة المخاطر المناخية، وضمان استدامة الإنتاج الحيواني، بما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات الريفية.

4. الحوكمة البيئية
من خلال إشراك مختلف الفاعلين في اتخاذ القرار، حيث تُعدّ الحوكمة البيئية ركيزة أساسية لتعزيز التكيف مع التغيرات المناخية وبناء مرونة النظم الإنتاجية، خاصة في قطاع تربية الماشية بـالمغرب. ويقوم هذا النهج على إشراك مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وجماعات ترابية، إلى جانب المهنيين والكسابة والمجتمع المدني والباحثين، في عملية اتخاذ القرار بشكل تشاركي يضمن فعالية السياسات واستدامتها.

يساهم هذا الإشراك في تحسين تدبير الموارد الطبيعية، خاصة المراعي والمياه، عبر اعتماد مقاربات محلية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل مجال ترابي. كما يعزز تبادل المعارف بين الخبرات العلمية والمعرفة التقليدية، مما يدعم تطوير حلول مبتكرة وملائمة للتحديات المناخية والاقتصادية.

وتكتسي الحوكمة البيئية أهمية خاصة في تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج الحيواني والحفاظ على الموارد، من خلال وضع آليات تنظيمية واضحة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتفعيل أدوات التخطيط الاستراتيجي المبني على المعطيات العلمية. كما تساهم في تعبئة الاستثمارات وتوجيهها نحو مشاريع مستدامة، مثل إعادة تأهيل المراعي، وتطوير سلاسل القيمة الحيوانية، واعتماد تقنيات صديقة للبيئة.

وفي هذا الإطار، يُعدّ تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، ودعم القدرات المحلية، وتمكين الفاعلين الصغار من الولوج إلى الموارد والخدمات، من الشروط الأساسية لبناء نظم إنتاج حيواني قادرة على الصمود، بما يساهم في تحقيق السيادة الغذائية وضمان استدامة التنمية في المغرب.

سابعاً: تحديات مستقبلية
رغم الجهود المبذولة، لا تزال هناك عدة تحديات:
• استمرار الجفاف؛
• ضعف التمويل؛
• هشاشة الفلاحين الصغار؛
• تقلب الأسواق العالمية,
كما أن تحقيق التوازن بين الإنتاجية والاستدامة يظل تحدياً رئيسياً.

خاتمة عامة
في ظل التحديات المناخية المتزايدة، يواجه قطاع الإنتاج الحيواني في المغرب مرحلة مفصلية تتطلب إعادة التفكير في نماذج الإنتاج المعتمدة. ويُعد الانتقال نحو أنظمة مستدامة ومرنة ضرورة حتمية لضمان الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الغذائية.
يتطلب هذا التحول تضافر جهود جميع الفاعلين، من دولة ومجتمع مدني وباحثين، مع التركيز على الابتكار، الحكامة الجيدة، ودعم الفئات الهشة. كما أن إدماج البعد البيئي في السياسات الفلاحية يشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق تنمية مستدامة.

توصيات عملية
وفي ختام هذه الورقة العلمية، نتقدم ببعض التوصيات العملية لتعزيز استدامة الإنتاج الحيواني وتحقيق السيادة الغذائية في المغرب في ظل التحديات المناخية:
1. تحسين إدارة الموارد العلفية والمراعي
o اعتماد نظم الرعي الدوري لتفادي الرعي الجائر.
o زراعة أعلاف مقاومة للجفاف لتقليل الضغط على الموارد الطبيعية.
o إعادة تأهيل المراعي المتدهورة وحماية الغطاء النباتي الأصلي.

2. تنويع مصادر الدخل
o تشجيع المربين على أنشطة مكمّلة مثل تربية الدواجن أو النحل، وإنتاج الجبن ومشتقات الحليب.
o دعم مبادرات الاقتصاد التضامني والتعاونيات لتثمين المنتجات الحيوانية وتحسين ولوج الأسواق.
o توجيه الاستثمارات نحو مشاريع مبتكرة مدرّة للدخل وتقلل الاعتماد على نشاط واحد.

3. تعزيز المعرفة المحلية والتكوين التقني
o دمج المعارف التقليدية مع التقنيات العلمية الحديثة لتطوير ممارسات مستدامة.
o تنظيم برامج تكوينية للمربين حول التغذية المتوازنة، إدارة المراعي، وتحسين إنتاجية الماشية.
o تشجيع تبادل الخبرات بين المربين والخبراء والباحثين.

4. دعم السياسات والإرشاد الزراعي
o توفير التمويل والقروض الميسّرة لدعم المربين في مواجهة آثار الجفاف والتقلبات المناخية.
o تعزيز الإرشاد الزراعي لمواكبة المربين في تطبيق أفضل الممارسات والتقنيات المستدامة.
o وضع آليات للتخطيط الاستراتيجي والمراقبة المستمرة للموارد الطبيعية والقطيع.

5. تعزيز الحوكمة البيئية
o إشراك مختلف الفاعلين المحليين والعموميين في اتخاذ القرار لضمان استدامة السياسات.
o تطوير استراتيجيات وطنية لمواجهة آثار التغيرات المناخية على الإنتاج الحيواني.
o تفعيل برامج لدعم المرونة المؤسسية والقدرة على التكيف على مستوى المجتمعات القروية.

6. الابتكار والتقنيات الحديثة
o استخدام نظم الري الذكية والتقنيات الحديثة في إنتاج الأعلاف.
o اعتماد أدوات الرصد المبكر للظواهر المناخية لتقليل المخاطر على الإنتاج.
o تطوير سلاسل القيمة الحيوانية باستخدام تقنيات صديقة للبيئة لتعزيز الكفاءة والحد من الانبعاثات.

المراجع والهوامش
1. ألاري، ف.؛ كولفيلد، م. إ.؛ أمسيدر، ل.؛ خوانيس، خ.؛ بوجنان، إ.؛ صرايري، ت. م.؛ آدامز، س.؛ وفان فايك، م. (2021). تباين مرونة استراتيجيات سبل العيش في النظم الزراعية الرعوية وشبه الرعوية بالمناطق القروية شبه الجافة إلى الجافة في المغرب. مجلة فرونتيرز في النظم الغذائية المستدامة، 5، 723994.
2. زيادات، ف.؛ بركات، أ.؛ أوشنا، ر.؛ توامي، م.؛ فتسي، ت.؛ هراري، ن.؛ وستودر، ر. م. (2022). التخطيط التشاركي للموارد الأرضية لتعزيز الإدارة المستدامة للمناظر الطبيعية في المناطق البورية – حالة المغرب. مجلة فرونتيرز في النظم الغذائية المستدامة، 6، 848043.
3. مونتويا، د.؛ بولك، ر.؛ بارا، ب.؛ آرتشبولد، غ.؛ وسالغويرو، ك. (2024). ما بعد الزراعة الصناعية: مرافعة من أجل تبني الزراعة الإيكولوجية في منطقة صفرو شبه الجافة بالمغرب. المجلة المغربية للعلوم الزراعية.
4. كموش، ل.؛ باجيلا، ت.؛ وسينكلير، ف. (2018). ستخدام المعارف الزراعية الإيكولوجية المحلية في التكيف مع تغير المناخ: خيارات قائمة على الأشجار في شمال المغرب. مجلة الاستدامة، 10(10)، 3719.
5. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). (2025). إطلاق مشروع طموح بشراكة مع المغرب للحد من انبعاثات الميثان الناتجة عن تربية الماشية.
6. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). (2023–2027). إطار البرمجة القُطرية للمغرب.
7. تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تغير المناخ (IPCC) 2022: حول موضوع التأثيرات والتكيف والهشاشة.
8. تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تغير المناخ والثروة الحيوانية (FAO (2021)): التأثيرات، التكيف، والتخفيف من الانبعاثات.
9. تورتون، وآخرون. (2009). تغير المناخ وأنظمة إنتاج الثروة الحيوانية. علوم الثروة الحيوانية، 123(1)، ص. 1–14.

(*) مصطفى بنرامل:
استشاري مغربي في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، بخبرة تفوق 25 سنة في التأطير وتطوير البرامج. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. حاصل على عدة شهادات متخصصة في تكوين المكونين وتدبير الكوارث من جامعات ومؤسسات دولية ووطنية مرموقة. ساهم في تصميم وتنفيذ برامج التربية البيئية والمناخية وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة لدى مختلف الفئات.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

اليوم العالمي للمياه: المياه والمساواة بين الجنسين:

مدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية في ظل أزمة مائية عالمية شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *