الانتقال العادل للطاقة في جنوب المتوسط (01 – 05)

• ما هو الانتقال العادل للطاقة؟ لماذا يهم جنوب المتوسط تحديدًا؟

• من المبادرة إلى المسار: دور «رائد» في الانتقال العادل

شبكة بيئة ابوظبي، عماد سعد، الإمارات العربية المتحدة، 06 فبراير 2026
لا يُقصد بالانتقال العادل للطاقة مجرد استبدال مصدر طاقة بآخر، أو تبديل وقود أحفوري بألواح شمسية وتوربينات رياح، بل هو في جوهره تحوّل حضاري عميق يعيد صياغة علاقة الإنسان بالطاقة، وبالعمل، وبالعدالة، وبالمستقبل ذاته. إنّه انتقال لا يُقاس فقط بعدد الميغاواط النظيفة المُنتجة، ولا بنسبة الانبعاثات المُخفّضة، بل بمدى قدرته على حماية الإنسان أثناء عبوره من عالم إلى آخر.

فالانتقال العادل للطاقة هو مسار يهدف إلى تفكيك أنظمة الطاقة القائمة على الاستنزاف والتفاوت، وبناء منظومات جديدة تُدار بروح المسؤولية المجتمعية، بحيث لا يتحوّل التحول البيئي إلى عبء إضافي على كاهل من هم أصلًا في الهامش. إنه انتقال يرفض أن يُدفع ثمن حماية الكوكب من جيوب الفقراء، أو من مستقبل العمال، أو من استقرار المجتمعات المحلية.

في هذا الإطار، لا يُنظر إلى العدالة بوصفها ملحقًا أخلاقيًا لسياسات الطاقة، بل باعتبارها شرطًا بنيويًا لنجاحها. فكل تحول طاقي لا يأخذ في الحسبان مصير العامل الذي سيفقد وظيفته في قطاع تقليدي، أو الأسرة التي ستعاني من ارتفاع فواتير الطاقة، أو المجتمع الذي ستُقام فيه مشاريع كبرى دون مشاركته، هو تحول مهدّد بالرفض والانكسار، مهما بلغت نواياه البيئية.

ومن هنا، يتأسس مفهوم الانتقال العادل للطاقة على أربع ركائز متكاملة:
• انتقال منخفض الكربون بيئيًا، يضع حماية المناخ والأنظمة البيئية في صدارة الأولويات، ويقطع مع منطق الاستنزاف طويل الأمد الذي طبع عصر الوقود الأحفوري.
• انتقال عادل اجتماعيًا، يضمن حماية الفئات الهشّة، وتعويض المتضرّرين، وإعادة تأهيل العمال، وعدم تعميق الفجوات القائمة بين المركز والهامش، أو بين الشمال والجنوب.
• انتقال شامل اقتصاديًا، يخلق فرص عمل خضراء، ويدعم الاقتصادات المحلية، ويحوّل الطاقة النظيفة من عبء استثماري إلى رافعة تنموية، لا حكرًا على الشركات الكبرى أو النخب الاقتصادية.
• انتقال ديمقراطي في اتخاذ القرار، يُشرك المجتمعات المحلية، والعمال، والنساء، والشباب، في رسم مسارات التحول، ويكسر احتكار القرار الطاقي، باعتباره قرارًا يمسّ الحياة اليومية والكرامة الإنسانية.

وبهذا المعنى، يصبح الانتقال العادل للطاقة فعل إنصاف تاريخي بقدر ما هو استجابة علمية لأزمة المناخ. إنه محاولة واعية لتصحيح اختلالات الماضي، وتجنّب إعادة إنتاج الظلم ذاته بأدوات أكثر “خضرة”، ويُجسّد رؤية ترى في الطاقة حقًا جماعيًا، لا سلعة صمّاء، وفي التحول الطاقي فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس أكثر توازنًا وإنسانية.

لماذا يهم جنوب المتوسط تحديدًا؟
الانتقال العادل كضرورة وجودية لا خيار سياساتي، لا تنبع أهمية مقاربة الانتقال العادل للطاقة في دول جنوب المتوسط من اعتبارات تقنية أو مناخية فحسب، بل من خصوصية تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة تجعل من هذه المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لأي تحوّل غير محسوب في أنظمة الطاقة. فجنوب المتوسط ليس مجرد فضاء جغرافي بين شمال غني وجنوب أفقر، بل هو منطقة تراكمت فيها عبر العقود اختلالات بنيوية جعلت من الطاقة مسألة معيشية بقدر ما هي مسألة استراتيجية.

تعتمد شرائح واسعة من سكان هذه الدول على قطاعات كثيفة الطاقة أو هشّة اقتصاديًا، مثل الزراعة التقليدية، والصناعات الاستخراجية، والنقل، والصناعات الصغيرة والمتوسطة، وهي قطاعات غالبًا ما تكون أول المتأثرين بإعادة هيكلة أنظمة الطاقة. وفي غياب سياسات انتقال عادلة، قد يتحول التحول الطاقي من فرصة للتنمية إلى صدمة اجتماعية تُهدد مصادر الرزق وتُفاقم الهشاشة القائمة.

ويزداد هذا التحدي حدة في ظل ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب والنساء، وهي فئات تُعدّ في الوقت نفسه الأكثر تأثرًا بأزمات المناخ والطاقة، والأقل قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية. فالشباب، الذين يُفترض أن يكونوا وقود المستقبل الأخضر، يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان خارج معادلة الاستفادة من الاستثمارات الجديدة، بينما تُهمَّش النساء في قطاعات الطاقة رغم دورهن المحوري في إدارة الاستهلاك المنزلي والطاقة المجتمعية.

إلى ذلك، تعاني دول جنوب المتوسط من تفاوت كبير في القدرة على تمويل مشاريع الطاقة النظيفة، سواء بسبب محدودية الموارد المالية، أو ضعف النفاذ إلى التمويل المناخي الدولي، أو اشتراطات استثمارية لا تراعي الواقع المحلي. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تُفرض نماذج جاهزة للتحول الطاقي، تُصمَّم خارج السياق الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، وتُنفّذ دون إشراك فعلي للمجتمعات المعنية.

وتُفاقم هذه التحديات هشاشة شبكات الحماية الاجتماعية في العديد من دول الجنوب، مقارنة بدول الشمال التي تمتلك أنظمة تعويض، وإعادة تأهيل، ودعم اجتماعي قادرة على امتصاص آثار التحول. في المقابل، يُترك الأفراد والمجتمعات في جنوب المتوسط لمواجهة تبعات التغيير بمفردهم، فيتحوّل التحول الطاقي إلى عبء جديد يُضاف إلى أعباء قائمة أصلًا.

في هذا السياق، يصبح واضحًا أن أي انتقال طاقي لا يُبنى على أسس العدالة قد يقود إلى تعميق الفجوات الاجتماعية بدل ردمها، وإلى خلق “ضحايا جدد” للتحول المناخي، وهم أولئك الذين لم يسهموا تاريخيًا في الأزمة، لكنهم يُدفعون اليوم لدفع ثمنها. كما قد يؤدي ذلك إلى فقدان القبول المجتمعي لمشاريع الطاقة المتجددة، وتحولها من رموز للأمل المناخي إلى بؤر للتوتر والرفض والاحتجاج.

ومن هنا، فإن الانتقال العادل للطاقة في جنوب المتوسط ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية لضمان الاستقرار الاجتماعي، والنجاح البيئي، والاستدامة السياسية. إنه انتقال يُدرك أن العدالة ليست نتيجة لاحقة للتحول، بل شرطه الأول، وأن مستقبل الطاقة في هذه المنطقة لا يُقاس فقط بما تنتجه من كهرباء نظيفة، بل بما تحققه من كرامة، وفرص، وأمل لمجتمعاتها.

من المبادرة إلى المسار: دور «رائد» في الانتقال العادل
في هذا السياق الإقليمي المعقّد، يبرز الدور المحوري الذي اضطلعت به الشبكة العربية للبيئة والتنمية (رائد) في الدفع بمفهوم الانتقال العادل للطاقة من حيّز النقاش النظري إلى فضاء المبادرات العملية والسياسات الإقليمية، من خلال إطلاق مبادرة «تيراميد» (TeraMed) بوصفها إطارًا تعاونيًا غير مسبوق لدعم الانتقال العادل والمستدام للطاقة في دول جنوب المتوسط. فقد جاءت «تيراميد» استجابة واعية للفجوة القائمة بين الطموحات المناخية العالمية وواقع المجتمعات المحلية في المنطقة، واضعةً العدالة الاجتماعية في صميم التحول الطاقي، لا كعنصرٍ ثانوي، بل كمرتكز أساسي للتخطيط والتنفيذ.

وانطلقت مبادرة «تيراميد» من رؤية تؤمن بأن التحول الطاقي في جنوب المتوسط لا يمكن أن ينجح دون إشراك فعلي للمجتمع المدني، والعمال، والإعلام، والباحثين، والقطاع الخاص، جنبًا إلى جنب مع الحكومات، وهو ما ميّز مقاربة «رائد» التي لطالما ربطت بين البيئة والتنمية والعدالة الاجتماعية. ومن خلال «تيراميد»، عملت الشبكة على بناء منصة إقليمية للحوار وتبادل المعرفة، تسلّط الضوء على قضايا الانتقال العادل، وتدافع عن حق دول الجنوب في انتقال منصف يأخذ في الاعتبار خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز نفاذها العادل إلى التمويل المناخي والتكنولوجيا النظيفة.

كما لعبت «رائد» عبر المبادرة دورًا متقدمًا في تمكين الإعلام البيئي العربي، بوصفه شريكًا في إنجاح الانتقال العادل للطاقة، من خلال إطلاق أول شبكة إعلامية عربية متخصصة لدعم أهداف «تيراميد»، ونقل خطاب الانتقال العادل من لغة الخبراء المغلقة إلى خطاب عام يلامس هموم الناس اليومية. وبذلك، أسهمت الشبكة في إعادة تعريف الانتقال الطاقي في جنوب المتوسط ليس كمشروع تقني عابر، بل كمسار تنموي وإنساني طويل الأمد، تُقاس نجاحاته بقدرته على حماية الإنسان، وتعزيز العدالة، وبناء مستقبل طاقي أكثر توازنًا واستقرارًا للمنطقة بأسرها.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

هدر الطعام: خلل سلوكي أم أزمة منظومة غذائية؟

• من الفاقد إلى الهدر: قراءة علمية في أحد أكثر اختلالات الغذاء كلفة • الغذاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *