سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (2)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 15 يوليو 2025
في ظل التحديات العالمية المتزايدة التي تواجه القطاع الزراعي، من تغير مناخي وشح في الموارد الطبيعية وزيادة سكانية متسارعة، تبرز التكنولوجيا الحيوية الزراعية كأحد الحلول الواعدة لتحقيق الأمن الغذائي وزيادة الإنتاج الزراعي بطرق أكثر كفاءة واستدامة.
التكنولوجيا الحيوية الزراعية (Agricultural Biotechnology) هي فرع من فروع العلوم البيولوجية يُعنى باستخدام الكائنات الحية أو أجزاء منها لتطوير منتجات أو تقنيات تساعد في تحسين الإنتاج الزراعي. يشمل ذلك الهندسة الوراثية للنباتات، والتكاثر الدقيق، والزراعة النسيجية، وتقنيات التعديل الجيني مثل CRISPR، وهي أدوات تُمكن العلماء من إحداث تغييرات دقيقة وفعالة في خصائص النباتات والمحاصيل الزراعية.
زيادة الإنتاجية ومواجهة التحديات
أحد أبرز إنجازات التكنولوجيا الحيوية يتمثل في رفع إنتاجية المحاصيل الزراعية. من خلال تطوير نباتات معدلة وراثيًا مقاومة للآفات والأمراض، أو تتحمل الجفاف والملوحة ودرجات الحرارة العالية، أصبح بالإمكان زراعة هذه المحاصيل في بيئات كانت تُعد سابقًا غير صالحة للزراعة. على سبيل المثال، أدّت زراعة القطن المعدل وراثيًا المقاوم للحشرات إلى زيادة المحصول وتقليل استخدام المبيدات الحشرية بنسبة تصل إلى 70% في بعض الدول، مما انعكس إيجابيًا على البيئة وصحة المزارعين.
كذلك، ساعدت التقنيات الحيوية في تحسين الكفاءة في استخدام المياه والأسمدة، وهو أمر بالغ الأهمية في المناطق الجافة مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث ندرة المياه تهدد مستقبل الزراعة. من خلال تعديل تركيب الجذور أو تحفيز الجينات المسؤولة عن امتصاص المياه، يمكن إنتاج نباتات أقل عطشًا وأكثر قدرة على امتصاص العناصر الغذائية من التربة.
تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي
تسعى العديد من الدول، خاصة النامية، إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لتقليل الاعتماد على الواردات وتجنب تقلبات الأسواق العالمية. وهنا تلعب التكنولوجيا الحيوية دورًا محوريًا، إذ تتيح تطوير أصناف محلية عالية الإنتاجية، تتكيف مع الظروف البيئية المحلية، وتقاوم الأمراض الشائعة في الإقليم.
من الأمثلة على ذلك، تطوير أنواع جديدة من القمح والأرز المقاومين للحرارة والجفاف، وكذلك الذرة المعدلة لتحمل ملوحة التربة، وهي مشكلة واسعة الانتشار في الأراضي الزراعية القديمة والمستصلحة. هذه الابتكارات تُمكّن الدول من إنتاج غذائها محليًا، وتخفيف الأعباء على الميزانية الوطنية المخصصة للاستيراد.
تقليل الفاقد وتحسين الجودة
لا يقتصر دور التكنولوجيا الحيوية على مرحلة الزراعة فحسب، بل يمتد إلى تحسين فترة صلاحية المنتجات الزراعية، مما يقلل من الفاقد أثناء النقل والتخزين. كما تُمكّن من إنتاج فواكه وخضروات ذات طعم أفضل وقيمة غذائية أعلى، وهو ما يُحدث ثورة في مجال التغذية والصحة العامة.
وقد نجحت بعض المراكز البحثية في إنتاج طماطم معدلة وراثيًا تحتوي على نسب أعلى من مادة الليكوبين، وهي مادة مضادة للأكسدة تحمي من بعض أنواع السرطان. كما تم تطوير “الأرز الذهبي”، وهو أرز معدل وراثيًا يحتوي على فيتامين A، لمواجهة حالات العمى الناتجة عن نقص هذا الفيتامين في بلدان آسيوية فقيرة.
فرص واعدة للدول العربية
في الوطن العربي، تمتلك التكنولوجيا الحيوية الزراعية إمكانيات هائلة، خاصة في ظل المساحات الشاسعة من الأراضي القابلة للاستصلاح، والاحتياجات المتزايدة للسكان. ومع أن بعض الدول بدأت في تبنّي التجارب التجريبية لهذه التقنيات، إلا أن الاستخدام لا يزال محدودًا بفعل نقص التمويل والكوادر المدربة، إضافة إلى غياب تشريعات واضحة تنظم استخدام الكائنات المعدلة وراثيًا.
إن الاستثمار في البحوث الزراعية، وتطوير بنية تحتية للبحوث الحيوية، وتدريب الكوادر الوطنية، يمثل خطوة جوهرية نحو تمكين البلدان العربية من اللحاق بركب الثورة الزراعية الحديثة.
الضمانات البيئية والسلامة الحيوية
رغم الفوائد المتعددة، لا تخلو التكنولوجيا الحيوية من تحديات ومخاوف، أبرزها السلامة البيئية وتأثيراتها على التنوع الحيوي. وهنا تأتي أهمية وجود أنظمة رقابة وتقييم فعالة، تضمن أن تكون المحاصيل المعدلة آمنة للبيئة وصحة الإنسان.
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) وضعتا معايير صارمة لتقييم الأمان الحيوي، وينبغي للدول الالتزام بهذه المعايير عند اعتماد تقنيات الهندسة الوراثية الزراعية.
خاتمة
وختاما، إن التكنولوجيا الحيوية الزراعية لم تعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة حيوية لضمان الأمن الغذائي وتحقيق الاستدامة في الزراعة. ومع تنامي التحديات المناخية والاقتصادية، فإن تبنّي هذه التكنولوجيا بشكل مسؤول ومدروس يمكن أن يحدث تحولاً حقيقيًا في إنتاج الغذاء بالعالم العربي، ويدفع نحو مستقبل أكثر خضرة واكتفاءً.
الدكتور قاسم زكي
(*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز