استكشاف الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تحسين النماذج المناخية
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 08 يونيو 2025
يواجه العالم تحديات مناخية غير مسبوقة، تتجلى في ارتفاع درجات الحرارة، وتواتر الظواهر الجوية المتطرفة، وارتفاع منسوب مياه البحار، مما يهدد النظم البيئية والمجتمعات البشرية على حد سواء. هذه الأزمة المتصاعدة تستدعي بشكل ملح تطوير أدوات مبتكرة ومتطورة لفهم ديناميكيات المناخ المعقدة، والتنبؤ بتغيراته المستقبلية بدقة أكبر، ووضع استراتيجيات فعالة للتخفيف من آثاره والتكيف معها.
لقد شكلت النماذج المناخية التقليدية، القائمة على المعادلات الفيزيائية التي تحكم الغلاف الجوي والمحيطات والجليد والأرض، حجر الزاوية في فهمنا للمناخ لعقود. ومع ذلك، فإن هذه النماذج، رغم أهميتها التأسيسية، تواجه قيودًا كبيرة تتعلق بالقدرة الحاسوبية الهائلة المطلوبة لتشغيلها، وصعوبة التعامل مع الكميات الهائلة والمتنوعة من البيانات، وتمثيل العمليات المناخية المعقدة والفوضوية بدقة كافية، خاصة على النطاقات المحلية.
في خضم هذا السعي نحو أدوات أكثر قوة وفعالية، برز الذكاء الاصطناعي كتقنية تحويلية واعدة في العديد من القطاعات، وبدأ تأثيره يمتد بشكل متزايد إلى علوم المناخ. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم نظري، بل أصبح أداة محورية يُعوّل عليها في إحداث نقلة نوعية في كيفية التنبؤ بتغير المناخ، والتخفيف من حدته، والتكيف مع تداعياته.
إن قدرة الذكاء الاصطناعي، وخاصة تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق، على تحليل كميات هائلة من البيانات (البيانات الضخمة)، واستخلاص الأنماط المعقدة منها، وتقليل الوقت الحاسوبي المطلوب للمحاكاة، تفتح آفاقًا جديدة لتحسين النماذج المناخية الحالية وتطوير نماذج جديدة أكثر دقة وكفاءة. ومع ذلك، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال الحيوي لا يخلو من التعقيدات والتحديات، سواء كانت تقنية أو بيئية أو أخلاقية، مما يستدعي دراسة متأنية ومتوازنة.
إن إدخال الذكاء الاصطناعي في علوم المناخ لا يمثل مجرد تحسين تدريجي، بل ينطوي على إمكانية إحداث تحول نموذجي في كيفية نمذجة المناخ وفهمه. فقدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات الضخمة وتحديد الأنماط غير الخطية تتجاوز في بعض الجوانب قدرات النماذج التقليدية، مما يشير إلى تغيير جوهري في المنهجية والقدرة على توليد رؤى أعمق. هذا التحول يتطلب بدوره جيلاً جديدًا من علماء المناخ المجهزين بمهارات متعددة التخصصات تشمل علوم المناخ، وعلوم البيانات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لضمان الاستفادة القصوى من هذه التقنيات وتجنب مخاطرها المحتملة.
يهدف هذا المقال إلى استكشاف الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تحسين النماذج المناخية، والغوص في الآليات التي يعمل من خلالها على تعزيز دقتها وكفاءتها. كما سيسلط الضوء على الفوائد الملموسة التي يمكن تحقيقها، بدءًا من تحسين التنبؤات ووصولاً إلى دعم السياسات المناخية. وفي المقابل، سيناقش المقال التحديات الجوهرية التي يجب مواجهتها، بما في ذلك جودة البيانات، وشفافية النماذج، والبصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي نفسه، والاعتبارات الأخلاقية المصاحبة. ومن خلال عرض دراسات حالة لمبادرات رائدة، سيقدم المقال رؤية شاملة حول كيفية تحقيق توازن مستدام بين الفرص الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والمخاطر المحتملة، ورسم ملامح المسار المستقبلي لتوظيف هذه القوة التكنولوجية في معركتنا ضد تغير المناخ.
آليات عمل الذكاء الاصطناعي في تعزيز النماذج المناخية
يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في النماذج المناخية من خلال مجموعة متنوعة من الآليات المترابطة، التي تستفيد من قدرته على معالجة البيانات، والتعلم من الأنماط، ومحاكاة النظم المعقدة بكفاءة عالية. تتكامل هذه الآليات لتقديم فهم أعمق وأكثر دقة لنظام المناخ الأرضي.
أ. تسخير البيانات الضخمة: قوة الذكاء الاصطناعي في معالجة وتحليل البيانات المناخية
تتمثل إحدى أبرز قدرات الذكاء الاصطناعي في قدرته الفائقة على معالجة وتحليل كميات هائلة من البيانات المناخية المتنوعة، والتي تُقاس بالتيرابايت وأكثر. تشمل هذه البيانات صور الأقمار الصناعية، وبيانات أجهزة الاستشعار الأرضية والبحرية والجوية، والسجلات المناخية التاريخية، ومخرجات النماذج الحاسوبية الأخرى. على سبيل المثال، تُستخدم خوارزميات التعلم العميق لتحليل صور الأقمار الصناعية بهدف رصد إزالة الغابات في الوقت الفعلي، وتتبع ذوبان القمم الجليدية والأنهار الجليدية، ومراقبة التغيرات في استخدام الأراضي وتأثيرها على المناخ المحلي والعالمي.
كما تساعد هذه الخوارزميات في تحليل بيانات المحيطات والغلاف الجوي، مما يساهم في اكتشاف أنماط معقدة وغير مرئية للبشر، مثل التيارات المحيطية الدقيقة أو التغيرات في تركيزات الهباء الجوي. وتعمل مبادرات مثل منصة “نظام الأرض” (Earth System) التابعة لمعهد ألين للذكاء الاصطناعي (Ai2) على دمج نماذج تأسيسية متعددة الوسائط ومجموعات بيانات على نطاق كوكبي لتوفير معلومات دقيقة لتطبيقات رصد الأرض المختلفة.
إن قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة مجموعات البيانات الضخمة وغير المتجانسة تساهم في إضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول إلى تحليلات مناخية معقدة، مما قد يمكّن المؤسسات البحثية الأصغر حجماً والدول النامية، شريطة إتاحة البيانات والأدوات بشكل مفتوح. ومع ذلك، يعتمد هذا التمكين على معالجة فجوات البيانات والتحيزات الموجودة. وتعتبر مبادرة اتفاقية البحث والتطوير التعاوني (CRADA) بين الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) وشركة Brightband، والتي تهدف إلى جعل البيانات الرصدية جاهزة للذكاء الاصطناعي ومفتوحة المصدر، مثالاً على هذا الإمكانات. إن القدرة المعززة على معالجة البيانات تؤدي مباشرة إلى توفير شروط أولية أكثر شمولاً للنماذج وفهم أفضل لمكونات نظام الأرض، وهو ما يحسن بدوره موثوقية التنبؤات اللاحقة.
ب. تحسين التنبؤات المناخية والإنذار المبكر بواسطة الذكاء الاصطناعي
يتم تدريب نماذج التعلم الآلي على مجموعات ضخمة من البيانات المناخية التاريخية لتحديد الأنماط والاتجاهات، مما يمكنها من توقع الأحداث المناخية المستقبلية بدرجة دقة أعلى وفترات زمنية أطول. يشمل ذلك التنبؤ بالظواهر الجوية المتطرفة مثل الأعاصير المدارية، وموجات الحر الشديدة، والفيضانات المفاجئة، ونوبات الجفاف الطويلة. وقد أظهر الذكاء الاصطناعي قدرات واعدة في تحسين التنبؤات الجوية قصيرة المدى ومتوسطة المدى؛ على سبيل المثال، طور باحثون في جوجل ديب مايند نموذج “غراف كاست” (GraphCast) القادر على التنبؤ بحالة الطقس لمدة تصل إلى 10 أيام قادمة بدقة تبلغ 90% عبر 1380 مقياسًا، وذلك في أقل من دقيقة وباستخدام حاسوب مكتبي قياسي. كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بظواهر مناخية أوسع نطاقًا مثل ظاهرة النينيو والتغيرات في أنماط هطول الأمطار في مناطق معينة.16 وتُعد مبادرات جوجل لتوقعات الفيضانات في أكثر من 100 دولة ومنصة “فايرسات” (FireSat) للكشف عن حرائق الغابات أمثلة بارزة على تطبيقات الإنذار المبكر.
إن تحسين التنبؤ بالظواهر المتطرفة من خلال الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز بشكل كبير التأهب للكوارث، وتخصيص الموارد، وفي نهاية المطاف إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر الاقتصادية، لا سيما في المناطق المعرضة للخطر. ومع ذلك، فإن دقة هذه التنبؤات تعتمد بشكل جوهري على جودة وتمثيلية البيانات التاريخية المستخدمة في التدريب؛ فالتحيزات في هذه البيانات يمكن أن تؤدي إلى إدامة أو حتى تضخيم أخطاء التنبؤ لمناطق أو أنواع معينة من الأحداث.
ج. دور الذكاء الاصطناعي في نمذجة العمليات المناخية الدقيقة
يواجه النمذجة المناخية التقليدية تحديًا كبيرًا في تمثيل العمليات الفيزيائية الدقيقة التي تحدث على نطاقات مكانية وزمانية صغيرة جدًا، مثل تكوّن السحب، أو عمليات الخلط المضطرب في المحيطات والغلاف الجوي، نظرًا للتكلفة الحاسوبية الباهظة لمحاكاتها بشكل مباشر. هنا، يقدم الذكاء الاصطناعي حلولاً واعدة من خلال تطوير “نماذج مقلدة” (Emulators) و”توائم رقمية” (Digital Twins).
تستطيع النماذج المقلدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي محاكاة هذه العمليات المعقدة بكفاءة حسابية أعلى بكثير من النماذج التقليدية. على سبيل المثال، يُعد تمثيل السحب أحد أكبر مصادر عدم اليقين في النماذج المناخية. يعمل الذكاء الاصطناعي على استبدال المعلمات التجريبية للسحب بمعادلات مستمدة من البيانات، مما يقلل من الأخطاء المنهجية في النماذج. ويُعد نموذج “المحاكي المناخي لمعهد ألين” (Ai2 Climate Emulator – ACE) مثالاً بارزًا، حيث يمكنه محاكاة تقلبات الطقس اليومية، بما في ذلك هطول الأمطار الغزيرة، بتكلفة حسابية أقل بمقدار 100 إلى 1000 مرة مقارنة بالنماذج الفيزيائية التقليدية ذات الدقة الشبكية المماثلة.
وفي مجال المحيطات، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة التيارات البحرية، حيث تقوم شركات ناشئة مثل “أمفيتريت” (Amphitrite) باستخدام الذكاء الاصطناعي وبيانات الأقمار الصناعية للتنبؤ بالتيارات بهدف تحسين مسارات الشحن وتقليل الانبعاثات، كما يعزز الذكاء الاصطناعي التنبؤات المحيطية المتعلقة بتغيرات مستوى سطح البحر.
أما التوائم الرقمية، مثل منصة “إيرث-2” من إنفيديا ومشروع “ديستني” (DestinE) التابع للمفوضية الأوروبية، فتهدف إلى إنشاء نسخ افتراضية متكاملة لنظام الأرض. تسمح هذه التوائم بإجراء عمليات محاكاة وتنبؤات مناخية على نطاق عالمي بدقة كيلومترية، مع تصورات تفاعلية وكفاءة محسنة في استهلاك الطاقة، مما يقلل بشكل كبير من الوقت الحاسوبي المطلوب مقارنة بالطرق التقليدية. إن تطوير توائم رقمية عالية الدقة ونماذج مقلدة للذكاء الاصطناعي يمكن أن يحدث ثورة ليس فقط في التنبؤ، ولكن أيضًا في إسناد تغير المناخ واختبار سيناريوهات التخفيف/التكيف بسرعة وتفاصيل غير مسبوقة، مما يؤدي إلى صنع سياسات أكثر ديناميكية واستجابة. فالكفاءة الحاسوبية المكتسبة من مقلدات الذكاء الاصطناعي (مثل قدرة نموذج ACE على تشغيل 1600 سنة محاكاة يوميًا على وحدة معالجة رسومات واحدة) تتيح مباشرة إجراء المزيد من عمليات التشغيل الجماعي واستكشاف حالات عدم اليقين، وهو أمر بالغ الأهمية للتوقعات المناخية القوية.
د. الذكاء الاصطناعي من أجل إسقاطات مناخية محلية عالية الدقة
تُنتج نماذج المناخ العالمية (GCMs) عادةً مخرجات ذات دقة مكانية منخفضة (عشرات إلى مئات الكيلومترات)، وهي غير كافية لتقييم التأثيرات المناخية على المستوى المحلي أو لتخطيط استراتيجيات التكيف الإقليمية. لذا، تُعد عملية “خفض المستوى” (Downscaling) – أي تحويل مخرجات النماذج العالمية إلى نطاقات إقليمية ومحلية أدق – خطوة حاسمة. يقدم الذكاء الاصطناعي تقنيات جديدة وفعالة لخفض المستوى، مكملاً أو متفوقًا في بعض الحالات على الطرق الديناميكية والإحصائية التقليدية. تشمل هذه التقنيات نماذج شجرة القرار، والشبكات التوليدية التنافسية (GANs)، والشبكات العصبونية الالتفافية (CNNs) .
وقد اقترحت دراسة حديثة نُشرت في PNAS إطارًا لخفض المستوى يجمع بين النمذجة الديناميكية والذكاء الاصطناعي التوليدي (باستخدام نماذج الانتشار)، مما يقلل بشكل كبير من التكاليف الحاسوبية ويحسن تقديرات عدم اليقين لمجموعات كبيرة من النماذج. يمكن لهذا النهج أن يكون أسرع وأكثر كفاءة بشكل ملحوظ، حيث يستطيع نموذج R2-D2 المذكور في الدراسة توليد أكثر من 800 عينة مخفضة المستوى في الساعة باستخدام 16 وحدة معالجة رسومات.
يوفر خفض المستوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي معلومات مناخية أكثر محلية وقابلة للتنفيذ. إن خفض المستوى الفعال الذي يحركه الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية لترجمة التوقعات المناخية العالمية إلى استراتيجيات تكيف محلية قابلة للتنفيذ، مما يؤثر بشكل مباشر على التخطيط الحضري والزراعة ومرونة البنية التحتية. ومع ذلك، فإن نجاح الذكاء الاصطناعي التوليدي في خفض المستوى يعتمد على جودة البيانات متوسطة الدقة من نماذج المناخ الإقليمية (RCMs) وبيانات التدريب من نماذج نظام الأرض (ESMs) الفردية؛ وأي تحيزات أو قيود في هذه المدخلات يمكن أن تنتشر أو حتى تتضخم بواسطة النموذج التوليدي.
هـ. النماذج الهجينة: دمج قوة الذكاء الاصطناعي مع الأسس الفيزيائية
يشهد مجال النمذجة المناخية اتجاهًا متزايدًا نحو تطوير “نماذج هجينة” تدمج مكونات الذكاء الاصطناعي ضمن أطر النماذج المناخية التقليدية القائمة على الفيزياء. يهدف هذا النهج إلى الجمع بين نقاط القوة لكلا العالمين: قدرة الذكاء الاصطناعي على التعلم من البيانات، والتعرف على الأنماط المعقدة، والكفاءة الحاسوبية، مع الحفاظ على الأساس الفيزيائي السليم وقابلية التفسير التي توفرها النماذج التقليدية.1 يمكن للذكاء الاصطناعي في هذه النماذج الهجينة أن يتولى مهامًا محددة مثل محاكاة العمليات الفيزيائية المعقدة (Process Emulation)، أو تحسين تمثيل العمليات دون الشبكية (Parameterization)، أو استيعاب البيانات (Data Assimilation).
ويُعد الذكاء الاصطناعي مفيدًا بشكل خاص في تحسين المعلمات حيث تكون الفيزياء معقدة أو غير مفهومة جيدًا. ومن الأمثلة على ذلك الشبكات العصبونية المستنيرة بالفيزياء (Physics-Informed Neural Networks – PINNs)، التي تدمج القوانين الفيزيائية مباشرة في عملية التعلم الخاصة بالشبكة. ومن خلال تضمين القيود المادية، من المرجح أن تُعمم النماذج الهجينة بشكل أفضل على الظروف الخارجة عن العينة (مثل سيناريوهات المناخ المستقبلية ذات التركيزات الأعلى لغازات الدفيئة) مقارنة بنماذج الذكاء الاصطناعي القائمة على البيانات البحتة، والتي قد تواجه صعوبة في الاستقراء خارج بيانات التدريب الخاصة بها.
الفوائد متعددة الأوجه للنماذج المناخية المعززة بالذكاء الاصطناعي
إن دمج الذكاء الاصطناعي في النماذج المناخية لا يقتصر على كونه إنجازًا تقنيًا فحسب، بل يترجم إلى مجموعة واسعة من الفوائد الملموسة التي تمس جوهر البحث العلمي، وصنع السياسات، والإدارة الاقتصادية للموارد في مواجهة تغير المناخ.
أ. دقة غير مسبوقة وتقليل حالة عدم اليقين
أظهرت النماذج المناخية المعززة بالذكاء الاصطناعي تحسنًا ملحوظًا في دقة التنبؤات المتعلقة بمتغيرات مناخية رئيسية مثل درجات الحرارة، وأنماط هطول الأمطار، وتواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة. على سبيل المثال، يُشار إلى أن نموذج “غراف كاست” من جوجل يحقق دقة تصل إلى 90% عبر مجموعة واسعة من المقاييس الجوية. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تقليل حالة عدم اليقين الكامنة في النماذج المناخية من خلال تحسين عمليات استيعاب البيانات ومحاكاة العمليات الفيزيائية المعقدة. وقد أظهر نهج خفض المستوى الديناميكي-التوليدي قدرته على توفير حدود عدم يقين أكثر دقة للتوقعات المناخية الإقليمية.
وتشير بعض الدراسات إلى أن النماذج المدعومة بالذكاء الاصطناعي قللت الأخطاء في توقعات هطول الأمطار بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالنماذج التقليدية. هذه الزيادة في الدقة ليست مجرد إنجاز علمي، بل هي عامل تمكين حاسم لتقييمات مخاطر أكثر موثوقية وتخطيط تكيف أكثر استهدافًا وفعالية، مما يؤدي إلى إجراءات مناخية أكثر تأثيرًا.
ب. تسريع وتيرة البحث العلمي والكفاءة الحاسوبية
يُعدّ التخفيض الكبير في الوقت الحاسوبي اللازم لإجراء عمليات المحاكاة المناخية أحد أبرز فوائد الذكاء الاصطناعي. فكما ذُكر سابقًا، يمكن لنموذج ACE من معهد ألين أن يعمل بسرعة تزيد بمقدار 100 إلى 1000 مرة عن النماذج الفيزيائية التقليدية، بينما يُقال إن نموذج FourCastNet من إنفيديا أسرع بحوالي 45,000 مرة. كما أن تقنيات خفض المستوى المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي تتسم بكفاءة عالية. هذا التسريع الهائل يسمح للباحثين بإجراء عدد أكبر من عمليات المحاكاة، واستكشاف نطاق أوسع من السيناريوهات المناخية المحتملة، وتسريع دورة تطوير النماذج وتحسينها.
ويستخدم مختبر أوك ريدج الوطني نماذج تأسيسية للذكاء الاصطناعي لتهيئة التنبؤات المناخية، مما يوفر وقتًا حسابيًا ثمينًا. إن الكفاءة الحاسوبية المعززة تحرر الموارد (الوقت وقوة الحوسبة) التي يمكن إعادة توجيهها نحو أسئلة بحثية أكثر تعقيدًا، أو نمذجة ذات دقة أعلى، أو دراسات جماعية أوسع، مما يعمق الفهم العلمي.
ج. دعم السياسات المناخية وتوجيه العمل المناخي الفعال
توفر التنبؤات المناخية الدقيقة والموثوقة الناتجة عن النماذج المعززة بالذكاء الاصطناعي أساسًا علميًا متينًا لصياغة السياسات المناخية، ووضع استراتيجيات التخفيف (مثل تخفيض الانبعاثات)، وتخطيط تدابير التكيف. تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي صانعي السياسات على تقييم الآثار طويلة الأجل للسياسات البيئية المختلفة، ويمكن للتوائم الرقمية محاكاة تأثيرات هذه السياسات قبل تطبيقها على أرض الواقع.26 وتعمل مبادرات الأمم المتحدة، مثل “مصنع ابتكار الذكاء الاصطناعي للعمل المناخي”، على تسخير الذكاء الاصطناعي لتطوير حلول ذات صلة بالسياسات. إن توافر معلومات مناخية أكثر دقة وتوطينًا وقائمة على السيناريوهات من نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمكّن الحكومات دون الوطنية والمجتمعات المحلية من تطوير خطط عمل مناخية مخصصة وفعالة، تتجاوز السياسات الوطنية ذات المقاس الواحد الذي يناسب الجميع.
د. المزايا الاقتصادية وتحسين إدارة الموارد
يترجم تقليل الوقت الحاسوبي إلى وفورات كبيرة في التكاليف، حيث تشير بعض التقديرات إلى توفير ملايين الدولارات سنويًا للمختبرات الوطنية. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة الموارد في قطاعات حيوية متعددة، مثل قطاع الطاقة من خلال تحسين كفاءة شبكات الطاقة المتجددة والشبكات الذكية، وقطاع الزراعة من خلال الزراعة الدقيقة وتحسين المحاصيل، وقطاع المياه من خلال الإدارة المثلى للموارد المائية. علاوة على ذلك، فإن تحسين التنبؤات بالظواهر الجوية المتطرفة يقلل من الخسائر الاقتصادية الناجمة عنها. ويؤدي تحسين سلاسل التوريد بواسطة الذكاء الاصطناعي إلى خفض التكاليف والانبعاثات، بينما تستخدم المؤسسات المالية الذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر المناخية ودعم الاستثمارات المستدامة.
ومن المتوقع أن يشهد سوق النمذجة المناخية القائمة على الذكاء الاصطناعي نموًا كبيرًا، حيث يتوقع أن يرتفع من 280.9 مليون دولار أمريكي في عام 2024 إلى 2,473.2 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 24.30%.إن الفوائد الاقتصادية المستمدة من الذكاء الاصطناعي في النمذجة المناخية والتكيف (مثل شبكات الطاقة المحسنة، والزراعة المرنة، وسلاسل التوريد الفعالة) يمكن أن تخلق حلقة ردود فعل إيجابية، مما يحفز المزيد من الاستثمار في كل من تقنيات الذكاء الاصطناعي المناخية والعمل المناخي الأوسع، وربما يسرع الانتقال إلى اقتصاد أخضر.
اجتياز المسارات الوعرة: التحديات الجوهرية والاعتبارات الأخلاقية
على الرغم من الإمكانات الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لتعزيز النماذج المناخية، فإن رحلة دمج هذه التقنيات محفوفة بالتحديات الجوهرية والاعتبارات الأخلاقية التي يجب معالجتها بعناية لضمان تحقيق فوائد مستدامة وعادلة.
أ. معضلة البيانات: الجودة، التحيز، والتمثيل العادل
تعتمد دقة وموثوقية نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل حاسم على جودة وشمولية ونزاهة البيانات التي يتم تدريبها عليها. يمكن أن تؤدي فجوات البيانات، أو عدم دقتها، أو وجود تحيزات فيها (سواء كانت جغرافية أو زمنية أو متعلقة بالمتغيرات نفسها) إلى تنبؤات غير موثوقة ونتائج مضللة. على سبيل المثال، يُعد “التحيز الجغرافي” مشكلة شائعة، حيث تكون البيانات المناخية أكثر كثافة وتفصيلاً في مناطق مثل أمريكا الشمالية وأوروبا مقارنة بمناطق أخرى مثل أجزاء من إفريقيا أو القطب الشمالي.
هذا الخلل يمكن أن يؤدي إلى ضعف أداء النماذج في المناطق ذات البيانات الشحيحة، حيث قد تُعمم الأنماط السائدة في المناطق الغنية بالبيانات بشكل غير صحيح. ولا يقتصر الأمر على الجانب التقني، بل يمتد إلى “الظلم التوزيعي”، حيث يمكن أن يؤدي هذا التحيز إلى سوء تخصيص موارد التكيف مع تغير المناخ، مما يلحق الضرر بالدول النامية التي غالبًا ما تكون الأكثر عرضة للتأثيرات المناخية. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر “الظلم التمثيلي” المتمثل في إعطاء الأولوية للمعرفة العلمية الغربية على حساب المعارف الأصلية والمحلية في عمليات صنع القرار المناخي. ولمواجهة هذه التحديات، هناك حاجة ماسة لمبادرات تهدف إلى تحسين جمع البيانات، خاصة من الدول النامية، وتعزيز الوصول المفتوح إليها، مثل مبادرة “كلايمت تريس” (Climate TRACE)، والشراكة بين الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) وشركة Brightband. كما تعمل منظمة “الذكاء الاصطناعي لتغير المناخ” (Climate Change AI) على تحديد ومعالجة فجوات البيانات الحرجة.
إن تحيز البيانات في نماذج الذكاء الاصطناعي المناخية ليس مجرد قضية فنية، بل هو مصدر قلق أخلاقي وقضائي عميق؛ فهو يهدد بتفاقم التفاوتات العالمية القائمة من خلال التقليل المنهجي من تمثيل نقاط ضعف تلك المجتمعات (غالبًا في الجنوب العالمي) الأكثر تضررًا بالفعل من تغير المناخ والأقل مسؤولية عنه، وتحويل الموارد عنها.6 ويؤدي نقص البيانات المحلية عالية الجودة في البلدان النامية بشكل مباشر إلى إعاقة قدرتها على تطوير ونشر استراتيجيات فعالة للتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره باستخدام الذكاء الاصطناعي، مما يخلق حلقة مفرغة من الضعف.
ب. إشكالية “الصندوق الأسود”: الشفافية، القابلية للتفسير وبناء الثقة
تُعرف العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وخاصة شبكات التعلم العميق، بأنها “صناديق سوداء”، مما يعني أن عمليات اتخاذ القرار الداخلية الخاصة بها غالبًا ما تكون غامضة ويصعب على البشر فهمها أو تفسيرها. هذا النقص في الشفافية يقوض الثقة في مخرجات هذه النماذج، لا سيما عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات سياسية حاسمة بناءً على هذه المخرجات. ولمعالجة هذه الإشكالية، ظهر مجال “الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير” (Explainable AI – XAI)، الذي يهدف إلى جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للفهم والتفسير. تحاول أساليب XAI، مثل LIME وSHAP، إلقاء الضوء على الأسباب التي تجعل النموذج يتوصل إلى تنبؤ معين. ومع ذلك، تواجه أساليب XAI الحالية تحديات خاصة بها؛ فقد لا تفسر عملية صنع القرار الفعلية للشبكة، ويمكن أن تكون متضاربة (حيث تقدم أساليب XAI المختلفة تفسيرات مختلفة لنفس مخرجات النموذج)، وقد تركز على الارتباطات بدلاً من السببية الحقيقية.
تشمل الحلول المقترحة بناء نماذج “قابلة للتفسير حسب التصميم” منذ البداية، بالاعتماد على خبرة المجال، والتركيز على تحقيق “فهم على مستوى المكونات” – أي فهم كيفية مساهمة الوحدات الوظيفية المحددة في بنية النموذج في سلوكه العام، بشكل مشابه لكيفية اكتساب النماذج الفيزيائية للثقة. كما يمكن للنماذج الهجينة التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والفيزياء أن تعزز قابلية التفسير. إن السعي نحو الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير في علوم المناخ ليس مجرد ممارسة تقنية، بل هو خطوة حاسمة نحو ضمان المساءلة الديمقراطية والشرعية العامة للسياسات المناخية التي يحركها الذكاء الاصطناعي؛ فبدون فهم كيفية توصل الذكاء الاصطناعي إلى استنتاجات تؤثر على المجتمع، يستحيل الحصول على تأييد حقيقي من أصحاب المصلحة. ويمكن أن تتقاطع مشكلة “الصندوق الأسود” مع تحيز البيانات؛ فإذا كان النموذج متحيزًا بسبب بيانات التدريب الخاصة به، فإن النموذج غير الشفاف يجعل اكتشاف هذا التحيز وتشخيصه وتصحيحه أكثر صعوبة بكثير مقارنة بالنموذج القابل للتفسير.
ج. البصمة الكربونية: التكلفة البيئية للذكاء الاصطناعي
يستهلك تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة كميات هائلة من الطاقة، مما يساهم في انبعاثات غازات الدفيئة. وتشير إحدى الدراسات إلى أن تدريب نموذج ذكاء اصطناعي كبير واحد يمكن أن يبعث كمية من الكربون تعادل ما تبعثه خمس سيارات على مدار عمرها الافتراضي بالكامل. كما أن مراكز البيانات، التي تُعد العمود الفقري لعمليات الذكاء الاصطناعي، تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء (حوالي 1-2% من الكهرباء العالمية في عام 2022، ومن المتوقع أن تصل إلى 10% من كهرباء الولايات المتحدة بحلول عام 2030، والمياه لأغراض التبريد.
ولا يزال العديد من هذه المراكز يعتمد على الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تصنيع الأجهزة المتخصصة للذكاء الاصطناعي (مثل وحدات معالجة الرسومات GPUs ووحدات معالجة الموترات TPUs) له بصمة كربونية كبيرة، تشمل تعدين المعادن الأرضية النادرة، كما أن النفايات الإلكترونية الناتجة عن تقادم أجهزة الذكاء الاصطناعي تمثل مصدر قلق متزايد.
ومع ذلك، يجب الموازنة بين هذه التكاليف البيئية والفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة استخدام الطاقة في قطاعات أخرى، وتحسين سلاسل التوريد، وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة، مما قد يؤدي إلى تخفيضات صافية في الانبعاثات إذا تم تطبيقه بشكل استراتيجي. وتشير تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلل من استهلاك الطاقة في الموقع بنسبة 30% أو أكثر.
تشمل الحلول المقترحة استخدام الطاقة المتجددة لتشغيل مراكز البيانات، وتطوير خوارزميات وأجهزة أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، وتطبيق أنظمة ذكاء اصطناعي “واعية بالكربون” تقوم بتعديل عملياتها بناءً على كثافة الكربون في الشبكة، وإجراء تقييمات دورة الحياة (LCA) لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتهدف جوجل إلى تشغيل مراكز بياناتها بالطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بحلول عام 2030. إن الخطاب حول البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي يتطور من مجرد الاعتراف باستخدام الطاقة إلى منظور تقييم دورة الحياة (LCA) الأكثر تطوراً، مع الأخذ في الاعتبار الانبعاثات الناجمة عن تصنيع الأجهزة، والطاقة التشغيلية، ونهاية العمر الافتراضي، وهو أمر ضروري لاستراتيجية “الذكاء الاصطناعي الأخضر” الحقيقية. وهناك مفارقة محتملة حيث أن السباق لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة (وغالبًا أكبر) لحلول المناخ يمكن أن يؤدي، على المدى القصير، إلى تفاقم أزمة الطاقة والانبعاثات إذا لم يقترن بتخضير قوي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وعملياته.
د. العقبات التقنية والحاجة إلى بنية تحتية قوية
تظل هناك عقبات تقنية كبيرة أمام التطبيق الواسع النطاق للذكاء الاصطناعي في النمذجة المناخية. فخوارزميات الذكاء الاصطناعي ليست أفضل من البيانات والافتراضات التي تستند إليها. ويتطلب تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي استثمارات كبيرة في البنية التحتية الحاسوبية والخبرات المتخصصة، وهو ما يمكن أن يشكل حاجزًا، خاصة بالنسبة للدول النامية.
كما أن الافتقار إلى نماذج ذكاء اصطناعي موحدة ومخصصة لأبحاث المناخ، وصعوبة دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي الجديدة مع الأنظمة القديمة القائمة، يمثلان تحديات إضافية. يمكن أن تؤدي “الفجوة الرقمية” إلى تفاقم المشكلة إذا أصبح الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والبنية التحتية الحاسوبية القوية، والخبرة المتخصصة في النمذجة المناخية، مركزًا في الدول الأكثر ثراءً أو الشركات الكبرى، مما يعيق جهود التعاون العالمية. وتُعد المبادرات مفتوحة المصدر والتعاون الدولي تدابير مضادة حاسمة.
نحو مستقبل مستدام: الموازنة بين الفرص وتخفيف المخاطر
إن تحقيق الاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي في مواجهة تغير المناخ يتطلب نهجًا استراتيجيًا يوازن بين الفرص الواعدة والمخاطر الكامنة. ويتضمن ذلك تعزيز التعاون الدولي، وتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي أكثر شفافية وموثوقية، وضمان استدامة عمليات الذكاء الاصطناعي نفسها، وتعميق التكامل بين الذكاء الاصطناعي والعلوم الفيزيائية.
أ. تعزيز التعاون الدولي ومبادرات البيانات المفتوحة
يُعد التعاون الدولي وتبادل المعرفة والبيانات بشكل مفتوح أمرًا ضروريًا لمواجهة تحدي عالمي بحجم تغير المناخ. يمكن لمبادرات البيانات المفتوحة، مثل الشراكة بين الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) وشركة Brightband لتوفير بيانات رصدية جاهزة للاستخدام في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أن تساهم بشكل كبير في تسريع وتيرة البحث والابتكار.
كما أن منصات المجتمع والشبكات التي توفرها منظمات مثل “الذكاء الاصطناعي لتغير المناخ” CCAI))، والمبادرات التعاونية مثل مبادرة AICE بجامعة شيكاغو، وتحالفClimate TRACE ، تلعب دورًا هامًا في تجميع الخبرات وتنسيق الجهود. إن توفير البرمجيات والنماذج مفتوحة المصدر، مثل نموذج ACE من معهد ألين وحل شل لمراقبة الميثان بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوسع نطاق الوصول إلى هذه الأدوات ويسرع من اعتمادها وتطويرها. إن التقدم العالمي الحقيقي في تسخير الذكاء الاصطناعي للعمل المناخي يتوقف على التغلب على الميول القومية أو الاحتكارية في تطوير التكنولوجيا وتبادل البيانات، وتعزيز المشاعات العالمية للمعرفة والأدوات.
ب. تطوير الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير والموثوق
لمعالجة إشكالية “الصندوق الأسود” وبناء الثقة في النماذج المناخية المعززة بالذكاء الاصطناعي، هناك حاجة ملحة لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي أكثر شفافية وقابلية للتفسير.5 يتجاوز ذلك مجرد تطبيق أساليب XAI بعد بناء النموذج، ليشمل بناء نماذج “قابلة للتفسير حسب التصميم” منذ البداية، والسعي نحو تحقيق “فهم على مستوى المكونات” الذي يوضح كيف تساهم الأجزاء المختلفة من النموذج في سلوكه العام.5 يمكن للنماذج الهجينة، التي تدمج الذكاء الاصطناعي مع المبادئ الفيزيائية، أن تلعب دورًا هامًا في تعزيز قابلية التفسير.
كما أن دمج تقييمات أخلاقيات واستدامة الذكاء الاصطناعي في عملية التطوير أمر بالغ الأهمية. إن زيادة الشفافية وقابلية التفسير تؤدي مباشرة إلى قدر أكبر من الثقة من جانب العلماء وصانعي السياسات والجمهور، وهو ما يسهل بدوره اعتماد واستخدام الرؤى والحلول المناخية التي يحركها الذكاء الاصطناعي بفعالية.
ج. نحو ذكاء اصطناعي أخضر: التنمية والتشغيل المستدام لمراكز البيانات والخوارزميات
تتطلب مواجهة البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي استراتيجيات متعددة الجوانب لضمان استدامة تطويره وتشغيله. يشمل ذلك تشغيل مراكز البيانات بالطاقة المتجددة، وهو هدف تسعى إليه شركات كبرى مثل جوجل ومايكروسوفت. كما أن تطوير خوارزميات وأجهزة ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة في استخدام الطاقة يُعد أمرًا حيويًا؛ فتقنيات مثل التكميم (quantization) التي تطبقها جوجل أدت إلى تحسين كفاءة تدريب نماذج اللغة الكبيرة، ويُقال إن نموذج FourCastNet من إنفيديا يستهلك طاقة أقل بكثير من الطرق التقليدية للتنبؤات الجوية.
وتشمل الابتكارات الأخرى أساليب تبريد متقدمة لمراكز البيانات (مثل التبريد بالهواء، والتبريد بالغمر السائل، واستخدام المياه المعاد تدويرها)، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي “واعية بالكربون” تقوم بجدولة العمليات الحاسوبية بناءً على توفر الطاقة المتجددة أو كثافة الكربون في الشبكة. وأخيرًا، فإن إجراء تقييمات دورة الحياة (LCAs) الشاملة لأنظمة وأجهزة الذكاء الاصطناعي يساعد في فهم وتخفيف تأثيرها البيئي الكلي. إن الدفع نحو “الذكاء الاصطناعي الأخضر” يمكن أن يقود إلى ابتكارات كبيرة في الحوسبة الموفرة للطاقة، وتكامل الطاقة المتجددة، وتصميم البنية التحتية المستدامة، مع فوائد تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه، مما قد يسرع جهود إزالة الكربون الأوسع في صناعة التكنولوجيا.
د. بناء جسور بين الذكاء الاصطناعي والعلوم الفيزيائية
من المهم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي هو أداة لتعزيز الفهم والنمذجة القائمة على الفيزياء، وليس لاستبدالها بالكامل. إن نجاح النماذج الهجينة يسلط الضوء على قوة الجمع بين رؤى الذكاء الاصطناعي المستمدة من البيانات والقوانين الفيزيائية الأساسية. ويُعد التعلم الآلي المستنير بالفيزياء (PIML) اتجاهًا بحثيًا رئيسيًا في هذا الصدد. ويتطلب هذا التكامل حوارًا وتعاونًا مستمرين بين خبراء الذكاء الاصطناعي وعلماء المناخ لضمان أن تكون النماذج الناتجة قوية علميًا وقابلة للتطبيق عمليًا. من المرجح أن تنشأ أهم الإنجازات في النمذجة المناخية من الاندماج التآزري بين قدرات التفكير الاستقرائي للذكاء الاصطناعي والنهج الاستنتاجي القائم على النظرية للفيزياء التقليدية، مما يؤدي إلى نماذج قوية وراسخة في الفهم العلمي.
الذكاء الاصطناعي كحليف استراتيجي في مواجهة تغير المناخ
في ختام هذا الاستعراض الشامل، يتضح أن الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته إمكانات تحويلية هائلة لتعزيز فهمنا لنظام المناخ المعقد وتحسين قدرتنا على التنبؤ بتغيراته المستقبلية ومواجهة تحدياته المتزايدة. فمن خلال قدرته على معالجة البيانات الضخمة، ومحاكاة العمليات الدقيقة، وتحسين دقة التنبؤات، وتوفير رؤى محلية، يقدم الذكاء الاصطناعي أدوات قوية يمكن أن تحدث نقلة نوعية في علوم المناخ والعمل المناخي.
ومع ذلك، فإن هذه الفرص الواعدة لا تأتي دون تحديات كبيرة. فقضايا جودة البيانات وتحيزها، وغموض “الصندوق الأسود” لبعض نماذج الذكاء الاصطناعي، والبصمة الكربونية لهذه التقنيات، والاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بالعدالة والإنصاف، كلها عوامل يجب أخذها في الاعتبار ومعالجتها بجدية. إن تحقيق التوازن بين فوائد الذكاء الاصطناعي وتكاليفه البيئية والأخلاقية هو أمر حاسم.
إن الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سحريًا لحل أزمة المناخ، ولكنه، إذا ما أُحسن توظيفه بحكمة ومسؤولية، يمكن أن يكون حليفًا استراتيجيًا لا غنى عنه في معركة البشرية ضد تغير المناخ. ولكن يتطلب نجاحه جهدًا جماعيًا عالميًا لتعزيز الشفافية، وتحسين البنية التحتية للبيانات، وتطوير أطر أخلاقية وتنظيمية قوية، وضمان وصول عادل ومنصف إلى هذه التقنيات وفوائدها. وفي نهاية المطاف، يكمن مفتاح تسخير قوة الذكاء الاصطناعي في قدرتنا على توجيهه نحو تحقيق مستقبل أكثر استدامة ومرونة وإنصافًا للجميع، مع إدراك دائم بأن التكنولوجيا هي وسيلة لغاية، وليست غاية في حد ذاتها.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز