فيروسات مصممة حاسوبيًا لمواجهة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية
من سلسلة «خواطر وراثية» (الجينات والوعي الإنساني)، الحلقة رقم (48)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*) جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، الإثنين 10 اغسطس 2026م
لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بكتابة النصوص، أو رسم الصور، أو تحليل البيانات؛ بل بدأ يقترب من أكثر لغات الطبيعة دقة وتعقيدًا: لغة المادة الوراثية. ففي إنجاز علمي لافت، أعلن باحثون من جامعة ستانفورد الأمريكية (في الأسبوع الأول من أغسطس 2026م ) نجاحهم في استخدام نماذج للذكاء الاصطناعي التوليدي في تصميم جينومات كاملة لفيروسات جديدة، ثم تصنيعها واختبارها في المختبر، ليتبين أن عددًا منها قادر بالفعل على التكاثر والقضاء على البكتيريا.
وقد يبدو عنوان الخبر مخيفًا للوهلة الأولى؛ فالحديث عن «فيروسات صممها الذكاء الاصطناعي» يوقظ في الأذهان صور الأوبئة والمختبرات الخطرة. غير أن الفيروسات التي أُنتجت في هذه التجربة ليست فيروسات بشرية، ولا تستطيع إصابة الإنسان أو الحيوان أو النبات، وإنما تنتمي إلى مجموعة تُسمى العاثيات البكتيرية، وهي فيروسات متخصصة في إصابة البكتيريا والقضاء عليها. فماذا فعل العلماء بالضبط؟ وما أهمية هذا الإنجاز؟ وأين تكمن مخاطره؟
العاثيات.. فيروسات تلتهم البكتيريا
العاثية البكتيرية، أو «البكتيريوفاج»، فيروس صغير لا يستطيع التكاثر منفردًا، ولذلك يلتصق بخلية بكتيرية ويحقن مادته الوراثية داخلها. وبعد ذلك يستولي على الآليات الحيوية للبكتيريا، ويوجهها إلى إنتاج نسخ جديدة منه، حتى تنفجر الخلية البكتيرية وتتحرر العاثيات الجديدة لتهاجم خلايا أخرى.
وتوجد العاثيات طبيعيًا بأعداد هائلة في التربة والمياه والمحيطات، بل وفي أمعاء الإنسان. وهي تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم أعداد البكتيريا في الطبيعة. وقد بدأ التفكير في استخدامها طبيًا منذ أكثر من قرن، إلا أن اكتشاف المضادات الحيوية في القرن العشرين صرف الأنظار عنها في كثير من البلدان.
واليوم تعود العاثيات إلى دائرة الاهتمام بقوة، بسبب الانتشار المتزايد للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. فحين تفشل الأدوية المعتادة في قتل البكتيريا، قد يصبح من الممكن استخدام عاثية متخصصة تتعرف عليها وتدمرها.
كيف تعلّم الحاسوب لغة الجينات؟
اعتمد فريق جامعة ستانفورد على نموذجين للذكاء الاصطناعي يحملان اسمي Evo 1 وEvo 2. ويمكن تشبيه هذين النموذجين ببرامج الذكاء الاصطناعي اللغوية التي تتعلم من ملايين الكتب والنصوص، ثم تتوقع الكلمة التالية أو تكتب فقرات جديدة.
لكن بدلًا من الكلمات والجمل، جرى تدريب النموذجين على تسلسلات المادة الوراثية المكونة من أربعة أحرف كيميائية هي: الأدينين والثايمين والجوانين والسيتوزين، ويرمز إليها بالحروف A وT وG وC. وهذه الحروف هي الأبجدية التي تُكتب بها تعليمات بناء الكائنات الحية وكثير من الفيروسات.
تعلّم النموذجان الأنماط المتكررة في ملايين الجينومات والتسلسلات الوراثية، والعلاقات بين الجينات، وترتيب مناطق التنظيم، والمسافات المناسبة بينها. وبذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي يتنبأ بجزء صغير من جين، بل أصبح قادرًا على اقتراح تسلسل وراثي متكامل يُحتمل أن يعمل بوصفه جينومًا فيروسيًا كاملًا.
واتخذ الباحثون إجراءات وقائية مهمة، من بينها استبعاد جينومات الفيروسات القادرة على إصابة الإنسان أو الحيوان أو النبات من بيانات التدريب المخصصة للتجربة، والتركيز على العاثيات التي لا تستهدف سوى البكتيريا.
من آلاف التصاميم إلى 16 فيروسًا ناجحًا
ولّد الذكاء الاصطناعي آلاف التسلسلات الوراثية المحتملة، ثم اختار الباحثون منها 302 تصميم بدت أكثر قابلية للعمل. وصُنعت هذه التسلسلات الوراثية وأُدخلت إلى خلايا بكتيرية داخل المختبر، لمعرفة ما إذا كانت تستطيع توجيه البكتيريا إلى إنتاج فيروسات مكتملة وقادرة على التكاثر.
نجح 16 تصميمًا فقط في إنتاج عاثيات نشطة. وقد تبدو هذه النسبة محدودة، لكنها تحمل دلالة علمية كبيرة؛ لأن المطلوب لم يكن تصميم بروتين واحد أو تعديل جين موجود، وإنما كتابة منظومة وراثية كاملة، تتعاون أجزاؤها في توقيت دقيق حتى يتكون الفيروس ويصيب البكتيريا ويتكاثر داخلها.
والأهم أن خليطًا من العاثيات المصممة استطاع القضاء على سلالات من بكتيريا الإشريكية القولونية، أو إي كولاي، كانت قد اكتسبت مقاومة للعاثيات الطبيعية. ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يكتف بتقليد ما صنعه التطور الطبيعي، بل ساعد في ابتكار تنوع وراثي جديد يمكن أن يتجاوز بعض وسائل دفاع البكتيريا.
ومع ذلك، لا تعني النتيجة أن الحاسوب أصبح يصنع الحياة بمجرد الضغط على زر. فقد فشلت غالبية التصاميم، وظل تصنيع الحمض النووي، وإدخاله إلى الخلايا، واختبار وظائفه، وتفسير النتائج من مهام العلماء والمختبرات. فالذكاء الاصطناعي اقترح الشفرة، لكن التجربة الحيوية هي التي حكمت عليها بالنجاح أو الفشل.
هل صمّم العلماء كائنًا حيًا كاملًا؟
من الضروري هنا تجنب المبالغة. فالفيروسات لا تُعد كائنات حية مستقلة بالمعنى الكامل؛ لأنها لا تمتلك خلية ولا تستطيع إنتاج الطاقة أو التكاثر من دون عائل. كما أن جينوم العاثية المستخدمة في الدراسة صغير جدًا، إذ يبلغ طوله نحو 5400 زوج قاعدي.
وللمقارنة، يقترب جينوم أصغر الخلايا القادرة على الحياة المستقلة من نصف مليون زوج قاعدي، بينما يحتوي الجينوم البشري على نحو ثلاثة مليارات زوج قاعدي. ومن ثم، فإن الانتقال من تصميم عاثية صغيرة إلى تصميم خلية حية كاملة يمثل قفزة هائلة لا تزال بعيدة المنال.
ومع ذلك، تكمن أهمية التجربة في إثبات المبدأ: لقد أصبح في مقدور نموذج حاسوبي كتابة جينوم فيروسي كامل يحمل قدرًا كافيًا من الاتساق الداخلي لكي يؤدي وظائفه ويتكاثر.
سلاح جديد ضد مقاومة المضادات
تُعد مقاومة المضادات الحيوية من أخطر التحديات الصحية في العصر الحديث. فالإفراط في استخدام المضادات، سواء في الطب البشري أو الإنتاج الحيواني، أدى إلى ظهور سلالات بكتيرية لا تستجيب لعدد متزايد من الأدوية.
وقد يساعد تصميم العاثيات بالذكاء الاصطناعي على اختصار الوقت اللازم للعثور على فيروس مناسب لكل بكتيريا. وبدلًا من البحث في الطبيعة عن عاثية قادرة على مهاجمة سلالة بعينها، قد يتمكن العلماء مستقبلًا من تصميم عاثية موجهة نحو تلك السلالة، أو إعداد خليط من العاثيات يقلل احتمال تطور المقاومة.
وقد تمتد التطبيقات إلى الصناعات الغذائية، وحماية المحاصيل، وتشخيص البكتيريا، والتحكم في بعض الميكروبات الضارة. لكن الانتقال من أطباق المختبر إلى علاج المرضى يحتاج إلى اختبارات طويلة للتأكد من الفاعلية والأمان وعدم حدوث تأثيرات غير مقصودة.
الوجه الآخر للإنجاز
كل تقنية قادرة على إنتاج الخير يمكن أن تُساءَ الاستفادة منها. فإذا استطاعت نماذج الذكاء الاصطناعي كتابة جينومات فيروسية نافعة، فإن السؤال المشروع هو: هل يمكن توجيهها يومًا إلى تصميم فيروسات ضارة؟
ولهذا حذر خبراء الأمن الحيوي من أن القدرة العلمية تتقدم أحيانًا أسرع من قواعد الحوكمة والرقابة. ولا يكفي الاطمئنان إلى أن التجربة الحالية أجريت على عاثيات غير مؤذية للإنسان؛ بل يجب وضع منظومة متعددة الطبقات تشمل التحكم المسؤول في النماذج والبيانات، والمراجعة الأخلاقية للمشروعات، وفحص طلبات تصنيع الحمض النووي، وتأمين المختبرات، ومنع تصميم مسببات أمراض جديدة.
فالخطر لا يوجد في برنامج الذكاء الاصطناعي وحده، بل في التقاء القدرة الحاسوبية مع تصنيع المادة الوراثية وإمكان استخدامها داخل المختبر. ولذلك يجب أن تسير الابتكارات العلمية جنبًا إلى جنب مع الأمن الحيوي والمسؤولية الدولية.
من قراءة كتاب الحياة إلى كتابة صفحاته
ظل الإنسان قرونًا يراقب الكائنات الحية ويحاول فهمها، ثم تعلم في القرن العشرين قراءة المادة الوراثية، وفي العقود الأخيرة أصبح قادرًا على تعديل بعض حروفها. أما اليوم، فنحن نشهد بداية مرحلة جديدة يحاول فيها العلم كتابة مقاطع وجينومات كاملة بلغة الحياة.
إن نجاح 16 عاثية من بين مئات التصاميم لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح خالقًا للحياة، لكنه يدل على تحوّل عميق في علوم الوراثة والبيولوجيا التركيبية. لقد بدأ الحاسوب ينتقل من تحليل ما أبدعه التطور الطبيعي إلى اقتراح تراكيب وراثية لم توجد من قبل.
ويبقى السؤال الأكبر ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصمم؟ بل: ماذا ينبغي لنا أن نسمح له بتصميمه، ولأي غرض، وتحت أي رقابة؟ فالمستقبل العلمي لا تصنعه القدرة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا الحكمة التي توجه هذه القدرة.
المصادر الأساسية: الدراسة المنشورة في مجلة Science، خبر BBC News عربي، وعرض جامعة ستانفورد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الاكتشاف العلمي.
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا؛ والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل؛ وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ وعضو اتحاد كتاب مصر، واتحاد الآثاريين المصريين، والرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز