سلسلة “خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (25)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 08 مارس 2026م
منذ فجر الحياة، كان الزمن هو الخيط الخفي الذي يحكم كل شيء. لكن العلماء اليوم يكتشفون أن داخل كل خلية من خلايانا، تدق ساعة دقيقة تضبط إيقاع الحياة من النوم إلى الاستيقاظ، ومن النمو إلى الشيخوخة، بل حتى في توقيت انقسام الخلايا وموتها. إنها الساعة الجينية أو ما يُعرف بـ الساعة البيولوجية الوراثية (Genetic Biological Clock)، التي تعمل بلا توقف منذ لحظة التكوين حتى آخر نبضة في الجسد.
الإيقاع الجيني للحياة:
تعيش خلايانا في نظام صارم يشبه أوركسترا كونية، حيث تتعاقب الجينات في فتح وإغلاق نشاطها بدقة زمنية مدهشة. فالجينات المسؤولة عن النوم، مثل PER و CLOCK و BMAL1، تتفاعل كعقارب ساعة وراثية تنظم دورات النهار والليل. كل خلية تعرف “الوقت” من خلال تذبذب مستويات البروتينات التي تنتجها هذه الجينات في دورات متكررة تدوم حوالي 24 ساعة. ولذلك، عندما نسهر أو نسافر عبر المناطق الزمنية، تتشوش هذه الساعة، فنشعر بالإرهاق والارتباك.
النوم، الطعام، والمزاج:
الساعة الوراثية لا تحدد فقط موعد نومنا، بل تؤثر على متى نشعر بالجوع، وكيف يتغير مزاجنا، وحتى على فعالية الأدوية التي نتناولها. فالخلايا الكبدية تزداد نشاطًا في أوقات محددة لمعالجة الطعام، بينما تنخفض المناعة في ساعات معينة من الليل. إنها منظومة مدهشة من الذكاء الوراثي، تتفاعل فيها الجينات مع الضوء والحرارة والهرمونات، لتصنع توازننا الحيوي اليومي.
الزمن الوراثي والشيخوخة:
لكن للزمن الوراثي وجهٌ آخر أكثر عمقًا، فهو أيضًا من يحدد إيقاع الشيخوخة. كل انقسام خلوي يُنقص شيئًا من “عمر” الكروموسوم عبر تقصير أطرافه المسماة التيلوميرات (Telomeres). ومع مرور السنوات، تبدأ هذه التيلوميرات في التآكل، فيتراجع نشاط الجينات المسؤولة عن الإصلاح والنمو، وتبدأ أعراض التقدم في العمر بالظهور. وهكذا، يمكن القول إن كل خلية تحمل داخلها ساعة موتها، تسير بهدوء منذ يوم الميلاد.
هل يمكن إبطاء الساعة؟
يحاول العلماء اليوم إعادة ضبط الزمن الوراثي، سواء عبر التحكم في نشاط الجينات أو إطالة عمر التيلوميرات أو تعديل أنماط الحياة التي تسرّع الشيخوخة. الدراسات على حيوانات المختبر أثبتت أن تعطيل بعض الجينات مثل mTOR أو تنشيط أخرى مثل SIRT1 يمكن أن يمدّد عمر الكائن الحي ويبطئ تدهور الخلايا. لكن التحدي الأكبر أن الزمن ليس عدواً يمكن هزيمته، بل هو جزء من المعادلة التي تحفظ استقرار الحياة.
فلسفة الزمن في الجينوم:
الزمن الوراثي ليس مجرد إيقاع فيزيائي، بل رمز لانسجام الحياة مع الكون. فكما تدور الأرض حول الشمس في دورةٍ كاملة، تدور الجينات في خلايانا في دوراتٍ دقيقة، تُعيد خلق التوازن بين النشاط والراحة، بين البناء والانحلال. ومن هنا، يصبح الإنسان كائنًا زمنياً بامتياز، يعيش بين دوران الكواكب ودوران الجينات، في تناغمٍ يربط الميكروكوزم (الخلية) بالـ ماكروكوزم (الكون).
الخاتمة:
كل خلية فينا تحمل ساعةً وراثيةً دقيقة، تعدّ نبضات الحياة دون توقف، وتذكّرنا أن الزمن ليس خارجنا، بل يسكن في أعماقنا. إنها معجزة الوراثة التي تُحوّل مرور الوقت من صدفة إلى نظام، ومن فناءٍ إلى استمرار. ففي كل ثانية تمرّ، هناك ملايين الجينات التي تعرف بالضبط… أن الوقت قد حان.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ مصر، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز