من سلسلة «خواطر وراثية” الجينات والهوية الإنسانية)، الحلقة رقم (31)
شبكة بيئة أبو ظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، الأحد 19 ابريل 2026م
بين رحم الطبيعة ومختبرات العلم، تمضي الوراثة في رحلةٍ مذهلة من الفطرة إلى التقنية. كانت الجينات في الماضي رمزًا للأمومة والامتداد الطبيعي للحياة، أما اليوم فقد أصبحت أيضًا أداة هندسية في يد الإنسان يعيد بها صياغة الخلق ذاته. وهكذا، تتأرجح الوراثة بين الحنان والغموض، بين البويضة الأولى في رحم الأم، والخلايا المستنسخة في أنبوب زجاجي.
الفطرة الأولى:
الوراثة في أصلها حكاية أمومة. حين تندمج نطفة الأب ببويضة الأم، يبدأ أعظم برنامج بيولوجي على وجه الأرض، تُقرأ فيه ملايين التعليمات من الجينات لتصنع إنسانًا جديدًا. تبدأ هذه الرحلة بلمسة حبٍّ فيزيولوجية، وتنتهي بميلاد كائن يحمل مزيجًا من صفات والديه، لكنه فريد في بصماته، في صوته، في ملامحه، وفي طريقه إلى الحياة. تلك هي عبقرية الفطرة الوراثية التي صاغتها الطبيعة على مدى ملايين السنين.
من رحم الأم إلى رحم التقنية:
لكن مع تطور العلم، بدأت الوراثة تخرج من رحم الأم إلى رحمٍ صناعي من أنابيب وأجهزة. زراعة الأجنة، تجميد البويضات، التخصيب المجهري، والاستنساخ – كلها محاولات لامتلاك أدوات الخلق والتحكم في الميراث الوراثي. ففي العام 1996م، وُلدت النعجة الشهيرة دولّي، أول مخلوق مستنسخ من خلية جسدية، ففتحت الباب أمام سؤالٍ لم يتوقف صداه:
هل ما زالت الأمومة فعلاً بيولوجيًا فطريًا، أم أصبحت عملية تقنية قابلة للتكرار؟
الوراثة والأخلاق:
حين يتحكم الإنسان في الجينات، يقترب من حدود الخط الأحمر للأخلاق. فالتقنيات الحديثة مثل الاستنساخ البشري أو تصميم الأجنة أو اختيار الصفات الموروثة تثير قضايا فلسفية عميقة: هل يحق للعلم أن يعيد كتابة كتاب الخلق؟
أين تقف حدود التقدّم وأين يبدأ العبث؟
لقد صار من الممكن اليوم تعديل جينات الجنين لتفادي الأمراض، لكن أيضًا لاختيار لون العين أو الذكاء أو الطول.
إنها وراثة خرجت من دائرة الطبيعة إلى مختبرات القرار الإنساني.
من الأمومة إلى “الهندسة الأبوية”:
في المجتمعات القديمة، كانت الأم رمزًا للحياة، والوراثة امتدادًا للحب. أما في العصر الجيني، فقد أصبح الأب الروحي للوراثة هو الباحث الجيني الذي يجلس أمام الحاسوب، لا أمام المهد. استبدلنا غريزة الأمومة بذكاء التقنية، ودفء الحبل السري بخيوط DNA تُحرّر في أنبوب. لكن مهما بلغت قدرة العلم، سيبقى السر الإنساني في الولادة الطبيعية لا يُعاد إنتاجه.
التوازن بين الفطرة والعلم:
الوراثة الحديثة لا تعني نهاية الفطرة، بل مرحلة جديدة في فهمها. العلم لا يناقض الأمومة، بل يكشف عمقها المدهش، ويمنح الأمل لمن حُرم منها. لكن الخطر حين تتحول التقنية من وسيلة للرحمة إلى وسيلة للهيمنة. إن التقدم الحقيقي هو أن يظل العلم في خدمة الإنسان، لا أن يحلّ محله.
الخاتمة:
من رحم الأم إلى رحم المختبر، سارت الجينات في رحلةٍ طويلة، لكنها لم تفقد بوصلتها بعد. فالوراثة، مهما تقدمت، تظل لغة الحياة التي تتحدثها الطبيعة بلسان الفطرة، ويترجمها الإنسان بأدوات العلم. ولعل التحدي الأكبر في هذا القرن هو أن نحافظ على إنسانية الوراثة في زمنٍ أصبحت فيه الجينات تُصمَّم كما تُبرمج الآلات. إنها دعوة لأن يبقى العلم ابنًا للحياة… لا بديلاً عنها.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز