مدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية في ظل أزمة مائية عالمية
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 22مارس 2026
تقديم عام
تُعد أزمة المياه من أبرز التحديات العالمية في القرن الحادي والعشرين، حيث تؤثر بشكل مباشر على الأمن الإنساني والتنمية المستدامة. غير أن هذه الأزمة لا تُصيب الجميع بنفس الدرجة؛ إذ تتقاطع مع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، لتُعمّق مظاهر عدم المساواة، خاصة بين الجنسين. ففي المناطق التي تعاني من ضعف الولوج إلى مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، تتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر، سواء من حيث الوقت أو الجهد أو المخاطر الصحية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يأتي الاحتفاء بـ اليوم العالمي للمياه لعام 2026 تحت شعار: “المياه والمساواة بين الجنسين” ليؤكد على أن تحقيق العدالة المائية هو مدخل أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأنه “حيثما يتدفق الماء، تنمو المساواة”.
أزمة مياه عالمية بأبعاد رقمية مقلقة
تشير التقارير الدولية إلى أن حوالي 2.1 مليار شخص حول العالم لا يحصلون على مياه شرب آمنة، في حين يفتقر أكثر من 3.6 مليار شخص إلى خدمات صرف صحي مُدارة بشكل آمن. كما أن نحو 80% من الأسر التي لا تتوفر على مصادر مياه داخل المنزل تعتمد على النساء والفتيات لجلب المياه، وهو ما يستهلك في بعض المناطق ما يصل إلى 200 مليون ساعة يومياً على المستوى العالمي. هذه الأرقام تعكس بوضوح أن أزمة المياه ليست فقط بيئية أو تقنية، بل هي أيضاً أزمة عدالة اجتماعية وجندرية.
وتُبرز دراسات منظمة الأمم المتحدة وUN-Water أن النساء في المناطق الريفية غالباً ما يقطعن مسافات تتجاوز 6 كيلومترات يومياً لجلب المياه، مما يؤثر سلباً على فرص تعليم الفتيات ومشاركة النساء في الأنشطة الاقتصادية. كما أن غياب مرافق الصرف الصحي الملائمة في المدارس يؤدي إلى انقطاع الفتيات عن الدراسة، خاصة خلال فترات معينة، وهو ما يعمّق الفجوة التعليمية.
اليوم العالمي للمياه: منصة للتحفيز والعمل
يُعتبر اليوم العالمي للمياه، الذي أُقرّ منذ سنة 1993، مناسبة سنوية لتسليط الضوء على أهمية المياه العذبة والدعوة إلى تدبير مستدام وعادل لهذا المورد الحيوي. ويهدف هذا اليوم إلى تسريع الجهود الدولية لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، الذي يسعى إلى ضمان توفر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع بحلول سنة 2030.
وقد عرفت مواضيع اليوم العالمي للمياه تنوعاً ملحوظاً عبر السنوات، بما يعكس تطور التحديات العالمية المرتبطة بالموارد المائية. فقد ركزت نسخة 2024 على “المياه من أجل السلام”، مبرزةً دور المياه كأداة للتعاون وتفادي النزاعات بين الدول والمجتمعات. أما نسخة 2025، فقد سلطت الضوء على “حماية الأنهار الجليدية” باعتبارها خزانات طبيعية حيوية للمياه العذبة ومؤشراً حساساً على تغير المناخ. وفي سنة 2026، يأتي التركيز على العلاقة الوثيقة بين المياه والمساواة بين الجنسين، انطلاقاً من كون الولوج العادل إلى المياه يشكل أساساً لتحقيق العدالة الاجتماعية. كما يؤكد هذا التوجه أن تمكين النساء والفتيات في تدبير الموارد المائية يعزز من فعالية السياسات التنموية واستدامتها. وبالتالي، فإن ربط قضايا الماء بالمساواة يفتح آفاقاً جديدة لبناء مجتمعات أكثر إنصافاً وتوازناً.
دور النساء والفتيات في حلول المياه
لا يقتصر دور النساء على كونهن متضررات من أزمة المياه، بل يُعدن أيضاً فاعلات رئيسيات في إيجاد الحلول. فبفضل خبرتهن اليومية في تدبير الموارد المائية داخل الأسر والمجتمعات، يمكن للنساء المساهمة بفعالية في تصميم وتنفيذ سياسات مائية أكثر استدامة وإنصافاً. وتشير التجارب الدولية إلى أن إشراك النساء في لجان تدبير المياه المحلية يُحسّن من كفاءة المشاريع بنسبة تصل إلى 20-30%، ويعزز من استدامتها على المدى الطويل.
كما أن الاستثمار في تعليم الفتيات وتمكين النساء في مجالات المياه والبيئة يُساهم في خلق جيل جديد من القيادات القادرة على مواجهة التحديات المناخية والمائية، خاصة في الدول النامية.
التجربة المغربية ودور المجتمع المدني
في المغرب، وعلى غرار العديد من الدول التي تواجه تحديات مائية متزايدة بفعل التغيرات المناخية، يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الحفاظ على الماء. وفي هذا الإطار، تساهم جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ في إذكاء الوعي البيئي، من خلال تنظيم حملات تحسيسية وبرامج تربوية تُبرز أهمية الماء والتحديات المرتبطة به.
وتنسجم هذه الجهود مع الاستراتيجية الوطنية للماء، التي تهدف إلى تقليص العجز المائي الذي يُتوقع أن يصل إلى أكثر من 5 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول 2030، في ظل تراجع التساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة. كما يُعد تعزيز مشاركة النساء في تدبير الموارد المائية المحلية أحد المحاور الأساسية لتحقيق النجاعة والاستدامة.
نحو عدالة مائية شاملة
إن تحقيق المساواة بين الجنسين في مجال المياه لا يقتصر على تحسين الولوج إلى الموارد، بل يشمل أيضاً ضمان مشاركة النساء في اتخاذ القرار، وتوفير بيئة داعمة لتمكينهن اقتصادياً واجتماعياً. ويتطلب ذلك اعتماد سياسات عمومية مندمجة، تستند إلى مقاربة حقوقية وتشاركية، وتُراعي خصوصيات الفئات الهشة.
وفي الختام، فإن أزمة المياه العالمية تُشكل اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمعات على تحقيق العدالة والإنصاف. وإذا كان الماء هو أساس الحياة، فإن ضمان توزيعه العادل هو أساس الكرامة الإنسانية. ومن هنا، فإن تمكين النساء والفتيات في مجال المياه ليس خياراً، بل ضرورة حتمية لبناء مستقبل مستدام وعادل للجميع.
المياه وتمكين المرأة القروية في الوسط الريفي: رافعة للتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية
تُشكل قضية الماء في الوسط القروي أحد أبرز التحديات التنموية، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية. غير أن هذا التحدي يتخذ بعداً أكثر عمقاً عندما يرتبط بوضعية المرأة القروية، التي تُعد الفاعل الأساسي في تدبير المياه داخل الأسرة والمجتمع المحلي. فالمياه ليست فقط مورداً حيوياً، بل هي أيضاً أداة لتمكين النساء وتعزيز أدوارهن الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل العلاقة بين الماء وتمكين المرأة القروية علاقة تكاملية لا يمكن فصلها.
• عبء يومي تتحمله النساء في الوسط القروي
في العديد من المناطق الريفية، خاصة في الدول النامية، تتحمل النساء والفتيات مسؤولية جلب المياه، حيث قد يقطعن مسافات طويلة يومياً تصل إلى عدة كيلومترات. ووفق معطيات منظمة الأمم المتحدة، فإن النساء والفتيات يقضين ما يقارب 200 مليون ساعة يومياً في جمع المياه على الصعيد العالمي. هذا العبء الزمني يؤثر بشكل مباشر على فرص التعليم لدى الفتيات، وعلى مشاركة النساء في الأنشطة المدرة للدخل، مما يكرّس دائرة الفقر والهشاشة.
• الماء كمدخل للتمكين الاقتصادي
يُعتبر تحسين الولوج إلى المياه عاملاً حاسماً في تمكين المرأة القروية اقتصادياً. فعندما تتوفر المياه بالقرب من المنازل أو عبر شبكات تزويد منتظمة، تتمكن النساء من استثمار وقتهن في أنشطة إنتاجية مثل الفلاحة المعيشية، تربية الماشية، الصناعات التقليدية، أو التعاونيات النسوية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن توفير خدمات المياه يمكن أن يرفع دخل الأسر القروية بنسبة تتراوح بين 10% و20%، خاصة عندما تكون النساء فاعلات في هذه الأنشطة.
كما أن إدماج النساء في مشاريع تدبير المياه، مثل جمعيات مستعملي المياه أو التعاونيات الفلاحية، يعزز من استقلاليتهن الاقتصادية، ويمكنهن من اكتساب مهارات في التسيير واتخاذ القرار.
• دور المياه في تحسين الصحة والتعليم
يساهم الولوج إلى مياه نظيفة وخدمات الصرف الصحي في تحسين الوضع الصحي للنساء والأطفال، والحد من الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تحسين خدمات المياه والصرف الصحي يمكن أن يقلل من الأمراض المنقولة بالمياه بنسبة تفوق 30%.
كما أن توفير مرافق صحية ملائمة في المدارس القروية يُشجع الفتيات على مواصلة التعليم، خاصة في مرحلة المراهقة، مما ينعكس إيجاباً على مسارهن التعليمي والمهني مستقبلاً.
• التجربة المغربية: تحديات وفرص
في المغرب، تُعد المرأة القروية عنصراً أساسياً في التنمية المحلية، خاصة في المناطق التي تعاني من ندرة المياه. وقد أطلقت الدولة عدة برامج لتعميم التزويد بالماء الصالح للشرب في العالم القروي، من خلال شراكات بين القطاع العام والمجتمع المدني.
وفي هذا السياق، تساهم جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ في نشر الوعي بأهمية الماء وتعزيز دور المرأة في الحفاظ عليه، عبر برامج تحسيسية ومشاريع ميدانية تستهدف الفئات الهشة. كما أن إشراك النساء في تدبير الموارد المائية المحلية يُعد عاملاً حاسماً في نجاح هذه المبادرات واستدامتها.
ورغم هذه الجهود، لا تزال بعض المناطق القروية تواجه خصاصاً مائياً متزايداً، حيث يُتوقع أن يعرف المغرب عجزاً مائياً يفوق 5 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول 2030، مما يستدعي اعتماد حلول مبتكرة تراعي البعد الاجتماعي والجندري.
• نحو مقاربة مندمجة لتمكين المرأة عبر الماء
إن تمكين المرأة القروية في مجال المياه يتطلب اعتماد مقاربة شمولية ترتكز على:
o تحسين البنيات التحتية المائية وتقريب الخدمات من الساكنة القروية.
o تعزيز مشاركة النساء في اتخاذ القرار داخل هيئات تدبير المياه.
o دعم التعليم والتكوين في مجالات الماء والبيئة.
o تشجيع المبادرات الاقتصادية النسوية المرتبطة بالموارد المائية.
o إدماج البعد الجندري في السياسات العمومية المرتبطة بالماء.
خاتمة
إن الماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو مدخل أساسي لتحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وفي الوسط القروي، يُشكل تمكين المرأة عبر تحسين الولوج إلى المياه خطوة استراتيجية نحو تحقيق تنمية مستدامة وشاملة. فكلما تم تخفيف عبء الماء عن كاهل النساء، كلما أُتيحت لهن فرص أكبر للإبداع والمشاركة في بناء مجتمعات أكثر إنصافاً وازدهاراً.
المراجع:
• منظمة الأمم المتحدة. (2023). تقرير أهداف التنمية المستدامة 2023. نيويورك: الأمم المتحدة.
• UN-Water. (2024) تقرير تنمية الموارد المائية في العالم: المياه من أجل السلام. باريس: اليونسكو.
• منظمة الصحة العالمية، & اليونيسف. (2023). التقدم في خدمات مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية: تحديث 2023. جنيف: WHO/UNICEF Joint Monitoring Programme.
• البنك الدولي. (2022). المرأة والمياه: تمكين المرأة من أجل تحقيق الأمن المائي. واشنطن العاصمة: البنك الدولي.
• برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2023). تقرير التنمية البشرية 2023. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
• منظمة الأمم المتحدة للمرأة. (2022). المساواة بين الجنسين والمياه: تمكين النساء والفتيات في إدارة الموارد المائية. نيويورك: UN Women.
• منظمة الأغذية والزراعة. (2021). وضع الموارد المائية والزراعة في العالم. روما: FAO.
• المجلس الأعلى للحسابات. (2022). تقرير حول تدبير الموارد المائية بالمغرب. الرباط: المملكة المغربية.
• وزارة التجهيز والماء. (2023). الاستراتيجية الوطنية للماء 2020-2050. الرباط: المملكة المغربية.
• جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ. (2024). تقارير وأنشطة التوعية البيئية والمائية. المغرب.
• منظمة الأمم المتحدة. (2023). تقرير أهداف التنمية المستدامة 2023. نيويورك: الأمم المتحدة.
• منظمة الصحة العالمية، & اليونيسف. (2023). التقدم في خدمات مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية (JMP Report 2023). جنيف: WHO/UNICEF.
• البنك الدولي. (2022). المياه والمساواة بين الجنسين: تمكين المرأة في إدارة الموارد المائية. واشنطن العاصمة: البنك الدولي.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز