دراسة حول حرائق الواحات والغابات في المغرب (01 – 05)

بين الاستراتيجيات الحكومية القطاعية وتداعيات التغيرات المناخية: دراسة تحليلية مقارنة مع فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 23 يوليو 2026

المقدمة العامة
أصبحت حرائق الغابات خلال العقود الأخيرة من أبرز المخاطر البيئية التي تواجه العديد من دول العالم، خاصة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط التي تعد من أكثر الأقاليم هشاشة أمام تأثيرات التغيرات المناخية. فقد ساهمت الزيادة المستمرة في درجات الحرارة، وتواتر موجات الحر، وتراجع التساقطات المطرية، واشتداد فترات الجفاف، في خلق ظروف بيئية مواتية لاندلاع الحرائق واتساع رقعتها الجغرافية، الأمر الذي أدى إلى خسائر جسيمة في الموارد الغابوية والتنوع البيولوجي، فضلاً عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية والصحية. ولم تعد حرائق الغابات مجرد ظاهرة طبيعية أو موسمية، بل أصبحت تعكس التفاعل المعقد بين العوامل المناخية والأنشطة البشرية، مما جعلها إحدى القضايا المركزية في سياسات التكيف مع التغيرات المناخية وإدارة المخاطر البيئية (IPCC, 2023).

ويُعد المغرب من بين الدول المتوسطية التي تشهد تزايداً ملحوظاً في مخاطر حرائق الغابات نتيجة موقعه الجغرافي وخصائصه المناخية، حيث تمتد غاباته على مساحات واسعة تتميز بتنوعها البيولوجي واحتضانها لأنواع نباتية وحيوانية ذات قيمة إيكولوجية واقتصادية كبيرة. غير أن هذه المنظومات الطبيعية أصبحت أكثر عرضة للحرائق بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب الضغوط البشرية المرتبطة بالتوسع العمراني والرعي الجائر والاستغلال غير المستدام للموارد الغابوية، وهو ما يفرض تحديات متزايدة أمام المؤسسات المكلفة بتدبير المجال الغابوي والوقاية من الحرائق (FAO, 2023).

وقد أولت الدولة المغربية خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بمكافحة حرائق الغابات من خلال تطوير منظومة وطنية تعتمد على التنسيق بين الوكالة الوطنية للمياه والغابات، والمديرية العامة للوقاية المدنية، والقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والسلطات الترابية، إلى جانب اعتماد وسائل حديثة للمراقبة والإنذار المبكر، واستخدام الطائرات المتخصصة في إخماد الحرائق، وتعزيز برامج التحسيس والوقاية. كما انخرط المغرب في عدد من المبادرات الدولية المتعلقة بالتكيف مع التغيرات المناخية وحماية النظم البيئية، في إطار تنفيذ التزاماته المرتبطة باتفاق باريس للتغير المناخي وأهداف التنمية المستدامة (United Nations, 2015).

ورغم هذه الجهود، ما تزال حرائق الغابات تشكل تحدياً حقيقياً بالنظر إلى تزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، مما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية الاستراتيجيات القطاعية الحالية، وقدرتها على الحد من آثار الحرائق في ظل السيناريوهات المناخية المستقبلية. كما يبرز الاهتمام بتجارب عدد من الدول المتوسطية، مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا، التي طورت خلال السنوات الأخيرة نماذج متقدمة في الوقاية والتدخل السريع وإعادة تأهيل الغابات، وهو ما يجعل المقارنة معها مدخلاً علمياً لاستخلاص الدروس وتطوير السياسات الوطنية.

وانطلاقاً من ذلك، يسعى هذا البحث إلى تحليل تطور حرائق الغابات بالمغرب خلال الفترة 2021–2025، وتقييم فعالية الاستراتيجية الحكومية في مجال الوقاية والتدخل، مع دراسة تأثير التغيرات المناخية في تصاعد مخاطر الحرائق، وإجراء مقارنة علمية مع أبرز التجارب المتوسطية، بهدف تقديم توصيات عملية لتعزيز الحكامة البيئية وتحقيق إدارة مستدامة للمجال الغابوي.

أولاً: الإطار المنهجي
إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية الرئيسة للدراسة في التساؤل الآتي: “إلى أي حد استطاعت الاستراتيجيات الحكومية بالمغرب الحد من آثار حرائق الغابات في ظل تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية، وما مدى إمكانية الاستفادة من التجارب الرائدة لدول حوض البحر الأبيض المتوسط لتطوير منظومة وطنية أكثر فعالية للوقاية والتدخل؟”
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:
• ما أبرز العوامل الطبيعية والبشرية المفسرة لتزايد حرائق الغابات بالمغرب؟
• كيف تطورت مؤشرات حرائق الغابات بالمغرب خلال الفترة 2021–2025؟
• ما مدى فعالية الاستراتيجية الوطنية في الوقاية والإنذار المبكر والتدخل؟
• كيف أثرت التغيرات المناخية في ارتفاع مخاطر الحرائق؟
• ما أوجه التشابه والاختلاف بين التجربة المغربية وتجارب فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان وتركيا؟
• ما السياسات الكفيلة بتعزيز صمود الغابات المغربية أمام المخاطر المناخية؟

فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من الفرضيات الآتية:
• توجد علاقة طردية بين ارتفاع درجات الحرارة وتزايد عدد ومساحة حرائق الغابات بالمغرب.
• أسهمت الاستراتيجية الحكومية في تحسين سرعة التدخل والحد من اتساع بعض الحرائق، لكنها ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالوقاية الاستباقية والتكيف المناخي.
• تمثل التجارب الأوروبية المتوسطية نماذج يمكن الاستفادة منها في تطوير منظومة مغربية أكثر تكاملاً تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والحكامة متعددة الفاعلين.

أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى:
• تحليل واقع حرائق الغابات بالمغرب خلال الفترة 2021–2025.
• تقييم فعالية السياسات العمومية في مجال الوقاية والتدخل.
• إبراز العلاقة بين التغيرات المناخية وتزايد مخاطر الحرائق، مقارنة التجربة المغربية بتجارب متوسطية رائدة.
• اقتراح سياسات عملية لتعزيز الوقاية والتكيف.

منهج الدراسة
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لرصد تطور حرائق الغابات وتحليل خصائصها، إلى جانب المنهج المقارن لمقارنة التجربة المغربية بنماذج متوسطية مختارة، كما تم توظيف المنهج الإحصائي لتحليل المؤشرات الرقمية المتعلقة بعدد الحرائق والمساحات المحترقة والخسائر البيئية، والاستفادة من منهج دراسة الحالة لتحليل بعض الحرائق الكبرى التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

أدوات جمع البيانات
اعتمد الدراسة على:
• التقارير الرسمية للوكالة الوطنية للمياه والغابات.
• تقارير النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات (EFFIS).
• بيانات خدمة كوبرنيكوس (Copernicus).
• تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).
• تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
• الأدبيات العلمية المحكمة المنشورة في الدوريات الدولية.
• الإحصاءات الوطنية والدولية المتعلقة بحرائق الغابات.

ثانياً: الإطار النظري والمفاهيمي
مفهوم حرائق الغابات
تُعرف حرائق الغابات بأنها حرائق غير مسيطر عليها تندلع في النظم البيئية الغابوية أو الشبه غابوية، وتؤدي إلى احتراق الغطاء النباتي والأشجار والأعشاب، وقد تمتد إلى التجمعات السكانية والبنيات التحتية المجاورة. وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن حرائق الغابات تعد من أهم الاضطرابات البيئية التي تؤثر في بنية النظم الإيكولوجية ووظائفها، إذ يمكن أن تكون جزءاً من الدينامية الطبيعية لبعض الغابات، لكنها تتحول إلى كارثة بيئية عندما تتجاوز قدرة النظام البيئي على التعافي أو عندما ترتبط بالأنشطة البشرية والتغيرات المناخية (FAO, 2023).
ومن منظور إدارة الكوارث، تُصنف حرائق الغابات ضمن الكوارث الطبيعية ذات المنشأ المركب، لأنها تنتج عن تفاعل عوامل مناخية وطبيعية مع ممارسات بشرية، مثل الإهمال، وإشعال النيران، والتوسع العمراني، واستعمال الأراضي بطرق غير مستدامة، وهو ما يجعل الوقاية منها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.

مفهوم التغيرات المناخية
يشير مفهوم التغيرات المناخية إلى التحولات طويلة الأمد في معدلات درجات الحرارة وأنماط الهطول والظواهر المناخية، سواء كانت ناتجة عن التغيرات الطبيعية أو عن الأنشطة البشرية، خاصة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري وإزالة الغابات. وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تعد من أكثر المناطق تعرضاً لآثار الاحترار العالمي، حيث تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة يفوق المتوسط العالمي، مع تراجع الموارد المائية وزيادة تكرار موجات الحر والجفاف، وهي عوامل ترفع بشكل مباشر قابلية الغطاء النباتي للاشتعال (IPCC, 2023).

العلاقة بين التغيرات المناخية وحرائق الغابات
تشكل العلاقة بين التغيرات المناخية وحرائق الغابات إحدى القضايا الأساسية في الأدبيات البيئية الحديثة، إذ تؤكد الدراسات أن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الرطوبة وتزايد موجات الحر يؤدي إلى جفاف الغطاء النباتي، مما يزيد من احتمالية اندلاع الحرائق وسرعة انتشارها. كما أن تغير أنماط الرياح والبرق الجاف يسهم في تعقيد عمليات الإخماد، ويؤدي إلى امتداد الحرائق لمساحات أوسع خلال فترات زمنية قصيرة (UNEP, 2022).
وفي السياق المغربي، تتجلى هذه العلاقة من خلال تزايد تواتر موجات الحر خلال فصل الصيف، وارتفاع عدد الأيام ذات الخطورة القصوى، وهو ما دفع المؤسسات المختصة إلى تطوير خرائط يومية للتنبؤ بمخاطر الحرائق اعتماداً على المؤشرات المناخية والغطاء النباتي.

مفهوم الاستراتيجية الحكومية في إدارة حرائق الغابات
يقصد بالاستراتيجية الحكومية لمكافحة حرائق الغابات مجموع السياسات والتشريعات والإجراءات التنظيمية والتقنية التي تعتمدها الدولة للحد من مخاطر الحرائق قبل وقوعها وأثناء اندلاعها وبعد إخمادها. وتشمل هذه الاستراتيجية التخطيط الوقائي، وإدارة الوقود الغابوي، وأنظمة الإنذار المبكر، والمراقبة الجوية والفضائية، والتدخل السريع، وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، فضلاً عن برامج التوعية وإشراك السكان المحليين. وتؤكد الأدبيات الحديثة أن نجاح هذه الاستراتيجيات يرتبط بتكامل الأبعاد البيئية والمؤسساتية والتكنولوجية، وبقدرة الحكومات على تبني مقاربات استباقية قائمة على تقييم المخاطر والتكيف مع التغيرات المناخية (OECD, 2023).

الإطار النظري للدراسة
ترتكز الدراسة على نظرية إدارة المخاطر التي تنظر إلى حرائق الغابات باعتبارها مخاطر مركبة تتطلب الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منطق الوقاية والاستعداد المسبق، كما تستند إلى نظرية المرونة البيئية التي تؤكد أهمية تعزيز قدرة النظم الإيكولوجية على مقاومة الاضطرابات والتعافي منها، وإلى مقاربة التكيف مع التغيرات المناخية التي تدعو إلى دمج الاعتبارات المناخية في التخطيط الغابوي والسياسات العمومية. ويسمح هذا الإطار النظري بفهم العلاقة بين التغيرات المناخية، والضغوط البشرية، والسياسات الحكومية، باعتبارها عناصر مترابطة تحدد مستوى تعرض الغابات للحرائق وفعالية الاستجابة المؤسسية لها.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الغسيل الأخضر كأداة لغسيل الوعي (01 – 04)

دراسة تحليلية نقدية مقارنة (عالمياً، عربياً، ومغربياً) شبكة بيئة ابوظبي، بقلم مصطفى بنرامل، الخبير البيئي، …

اترك تعليقاً