تكنولوجيا السعادة والابتكار الأخضر: قراءة في رحلة الفائزين بجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية

 

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 04 فبراير 2026
في سلسلة مقالاتنا عبر نافذة “بيئة أبوظبي” الغرّاء، طالما أبحرنا سوياً في عوالم العلم الذي لا ينفصل عن الحياة، العلم الذي لا يكتفي برصد الظواهر، بل يسعى لترويضها من أجل سعادة الإنسان وعمارة الأرض. واليوم، تحطُّ بنا الرحال في محطة حضارية استثنائية، في الإسكندرية، تلك المدينة المصرية التي كانت –ولا تزال– سُرَّة العالم القديم ومنارة المعرفة التي أضاءت ظلمات العصور الوسطى.

إننا اليوم بصدد حدث جلل، لا تكمن أهميته في قيمته المادية فحسب، بل في دلالته الرمزية العميقة؛ حيث أعلنت مكتبة الإسكندرية، تحت الرعاية الكريمة لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، عن الفائزين في الدورة الأولى لجائزتها العالمية، لعام 2025. إنها لحظة تاريخية تعيد فيها مصر وصل ما انقطع، مؤكدةً دورها الريادي في احتضان الإبداع الإنساني الخلّاق. وأعلنت مكتبة الإسكندرية عن ميلاد حقبة جديدة من التقدير العلمي العالمي. لم تكن “جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية 2025” في دورتها الأولى مجرد تكريم مادي، بل كانت رسالة حضارية تؤكد أن العلم ليس حبيس المختبرات، بل هو الأداة الأسمى لتحقيق “الرفاهية والسعادة” للبشرية.

لقد وقع اختيار اللجنة العليا للجائزة، برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد عبد الله زايد، على مجال “تطبيقات التكنولوجيا الخضراء” ليكون عنوان التنافس هذا العام. وهو اختيار ذكي يتقاطع مع التحديات المناخية الراهنة، حيث فاز بالجائزة مناصفةً قامتان علميتان استثنائيتان: الأستاذ الدكتور حسن شفيق عبد الله (المصري البريطاني) والسيد جلين باناجواس من الفلبين.

فلسفة الجائزة: أنسنة التكنولوجيا الخضراء
لعلَّ أبلغ ما في هذه الجائزة هو عنوان دورتها الأولى الذي اختارته اللجنة العليا بعناية فائقة :”تطبيقات التكنولوجيا الخضراء لتحقيق الرفاهية والسعادة للإنسانية”.
تأمل معي -أيها القارئ العزيز- هذا الربط العجيب بين “التكنولوجيا” التي قد تبدو جامدة، و”السعادة” التي هي غاية المنى الإنساني. لقد أدرك القائمون على الجائزة، أن العلم في القرن الحادي والعشرين لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل صار طوق النجاة الوحيد في مواجهة تحديات وجودية، أبرزها التغير المناخي الذي يهدد كوكبنا الأزرق.

إن اختيار “التكنولوجيا الخضراء” محوراً للتنافس هو رسالة وعي عميقة؛ مفادها أن الابتكار الحقيقي هو الذي يمسح دمعة، ويغرس شجرة، ويضمن هواءً نقياً للأجيال القادمة. وقد جاءت هذه الجائزة لتكرم عقلين فذين استطاعا تحويل هذه الفلسفة إلى واقع ملموس، وهما: الأستاذ الدكتور حسن شفيق عبد الله، العالم المصري البريطاني، والسيد جلين باناجواس، العالم الفلبيني، اللذان تقاسما الجائزة عن جدارة واستحقاق.

لماذا التكنولوجيا الخضراء الآن؟
في ظل التقارير العلمية الحديثة لعامي 2025 و2026، يواجه العالم ضرورة حتمية للوصول إلى “صافي الانبعاثات الصفري” بحلول عام 2050. تشير أحدث الأبحاث المنشورة في دوريات مثل “نيتشر” و “ساينس” إلى أن التكنولوجيا الخضراء لم تعد خياراً رفاهياً، بل هي المحرك الجديد للاقتصاد العالمي.
الاتجاهات الحديثة التي غطتها أعمال الفائزين:
الهيدروجين الأخضر: كوقود نظيف للمستقبل.
الذكاء الاصطناعي البيئي: استخدام الخوارزميات لتحسين استهلاك الطاقة في المنازل والمصانع.
العمارة الخضراء: بناء منازل تتنفس طبيعياً وتقلل الحاجة للتكييف الكهربائي.
معايير الجائزة.. الدقة والأمانة العلمية
أوضح الأستاذ الدكتور أحمد زايد أن اختيار الفائزين لم يكن وليد الصدفة، بل خضع لمعايير صارمة تضمن استحقاق الأفضل، ومن أهمها:
1. المعالجة الابتكارية: مدى جدة الفكرة وقدرتها على حل مشكلات حقيقية.
2. قابلية التطبيق: هل يمكن تنفيذ هذه الأبحاث على أرض الواقع أم أنها تظل حبيسة الأوراق؟
3. الأثر المجتمعي: عدد المستفيدين من هذه الابتكارات ومدى مساهمتها في “سعادة الإنسان”.

الدكتور حسن شفيق.. مهندس المدن الذكية والاقتصاد الدائري
نقف أولاً أمام قامة علمية شامخة تجمع بين أصالة الجذور المصرية وخبرة المدارس الغربية، إنه الأستاذ الدكتور حسن شفيق عبد الله. إن المتأمل في مسيرة هذا الرجل يجد نموذجاً للعالم الذي لم يسجن نفسه بين جدران المختبرات، بل انطلق لهندسة الواقع.

يُمثل الدكتور حسن شفيق نموذجاً للمؤسس الأكاديمي الذي نقل العلم من الكتب إلى “أرض الواقع”. بصفته نائباً لرئيس جامعة “إيست لندن” ورئيساً للجنة البحث والتطوير للاقتصاد الدائري في المملكة المتحدة، ركزت أبحاثه على كيفية تحويل مدننا الإسمنتية إلى كائنات حية مستدامة.

لقد استحق الدكتور شفيق هذا التكريم لإسهاماته الرائدة في مجال “الاقتصاد الدائري” ولتقريب هذا المفهوم للأذهان، نقول إنه فلسفة اقتصادية تحاكي الطبيعة؛ فالطبيعة لا تعرف الهدر، كل شيء فيها يُعاد تدويره واستخدامه. لقد عمل الدكتور شفيق، من خلال موقعه كرئيس للجنة البحث والتطوير لهذا المجال في المملكة المتحدة ونائباً لرئيس جامعة إيست لندن، على نقل هذا المفهوم من النظرية إلى التطبيق في البنية التحتية لمدننا.

إن إنجازاته تتحدث عن نفسها؛ فقد طوّر مفاهيم “المدن الذكية المستدامة”، وهي ليست مجرد مدن تعج بالشاشات والإنترنت، بل مدن تمتلك “صموداً حضرياً”، أي قدرة على امتصاص الصدمات البيئية والمناخية والتعافي منها. كما لم يغفل الجانب الرقمي، فابتكر حلولاً لـ “مراكز البيانات الخضراء”، تلك الخوادم العملاقة التي تدير عالمنا الرقمي وتستهلك طاقة مهولة، فجعلها أقل استهلاكاً للطاقة وأقل نفثاً للكربون.

ولأنه يدرك أن الاستدامة تبدأ من العقول، فقد أسس لنموذج “الجامعات الذكية المستدامة”، غارساً قيم الحفاظ على البيئة في نفوس الطلاب، ليكونوا هم بُناة المستقبل الأخضر.
1. ابتكار المدن الذكية
لم تعد “المدينة الذكية” مجرد مدينة تتوفر فيها شبكة إنترنت سريعة، بل هي المدينة التي تستخدم التكنولوجيا لتقليل الهدر. طوّر الدكتور شفيق حلولاً تزيد من “الصمود الحضري” ويقصد به قدرة المدن على امتصاص الصدمات البيئية والمناخية والتعافي منها بسرعة-.
2. الاقتصاد الدائري
هذا المصطلح الذي برع فيه الدكتور شفيق يعني ببساطة: “نظام اقتصادي يهدف إلى القضاء على الهدر والاستخدام المستمر للموارد”. بدلاً من “صنع، استخدام، ارمي”، يعتمد الاقتصاد الدائري على “إعادة التدوير، وإعادة الاستخدام”.
الإنجاز: تطوير مراكز بيانات خضراء (Green Data Centers) تستهلك طاقة أقل بنسب هائلة، مما يقلل من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تدفق البيانات الرقمي.
3. رقمنة التعليم الأخضر
أسهم الدكتور شفيق في إنشاء “جامعات ذكية مستدامة”، حيث لا يقتصر الأمر على المباني الصديقة للبيئة، بل يمتد لدمج “قيم البيئة” في المناهج الدراسية، مما يضمن تخرج أجيال تؤمن بالاستدامة كمنهج حياة.

جلين باناجواس.. “دبلوماسية العلم” في خدمة الفقراء
إذا كان الدكتور شفيق قد ركز على البنية التحتية، فإن العالم الفلبيني جلين باناجواس، الذي يمثل وجهاً آخر مشرقاً للعلم؛ “العلم المقترن بالرحمة والتعاطف”، والذي وجّه بوصلته نحو “الإنسان المهمش”.
يُعد باناجواس واحداً من أبرز علماء المناخ في آسيا، وقد اشتهر بلقب “رجل العلم والرحمة”. ولقد نذر باناجواس حياته العلمية لخدمة الفئات التي غالباً ما تسقط من حسابات التنمية التقليدية؛ الفقراء، والمزارعون، والصيادون، والشعوب الأصلية التي تجد نفسها في الخطوط الأمامية لمواجهة غضب الطبيعة الناتج عن التغير المناخي. لم يقدم لهم باناجواس نظريات معقدة، بل قدم حلولاً تلامس جراحهم اليومية: أجهزة استشعار وتنبؤ مبكر بالفيضانات والجفاف، تحميهم قبل وقوع الكارثة. لقد وظف ما نسميه “الدبلوماسية العلمية” ليجمع صناع القرار حول العالم على طاولة واحدة، من أجل حماية مناطق كاملة من الكوارث الطبيعية كما فعل في مبادرة “الفلبين الذكية مناخياً”.

ولم يتوقف طموحه عند الأرض، بل حلق في السماء، مساهماً في تطوير “وقود طيران مستدام”، في محاولة جادة لتقليل البصمة الكربونية لقطاع الطيران العالمي. إن باناجواس يُعلمنا درساً بليغاً: إن قمة الابتكار هي أن تخدم أضعف حلقة في المجتمع.

معايير صارمة لرسالة سامية
إن فوز هذين العالمين لم يكن محض صدفة، بل جاء نتاج عملية تحكيم دقيقة خضعت لمعايير علمية صارمة، لقد بحثت اللجنة عن العمق التحليلي، والأثر البيئي الملموس، والقدرة على الابتكار، والأهم: مدى مساهمة هذه الأبحاث في تحقيق السعادة والرفاهية للبشر. إن هذه المعايير المنضبطة هي التي تمنح جائزة مكتبة الإسكندرية مصداقيتها الدولية منذ دورتها الأولى، وتجعلها قبلة للعلماء الجادين من كل حدب وصوب.

1. حماية الفئات الأكثر تضرراً
ركزت مجهودات باناجواس على المزارعين والصيادين والشعوب الأصلية في الفلبين، وهي فئات تعيش على خط المواجهة الأول ضد التغير المناخي. قدم لهم حلولاً عملية مثل: أجهزة تنبؤ مبكر بالفيضانات والجفاف، أنظمة طاقة وصحة مستدامة تناسب البيئات الفقيرة.
2. وقود الطيران المستدام
أحد أعظم إنجازاته هو تطوير وقود حيوي للطائرات يقلل من الانبعاثات الكربونية لقطاع الطيران، وهو قطاع يصعب عادةً تقليل بصمته الكربونية (أي مجموع الانبعاثات التي يتركها نشاط ما).
3. مبادرة “الفلبين الذكية مناخيًا”
قاد باناجواس هذه المبادرة التي لا تعتمد فقط على الآلات، بل على “الدبلوماسية العلمية”؛ أي استخدام العلم لبناء جسور تواصل بين صناع القرار والفقراء لضمان وصول الدعم لمن يستحقه فعلياً.

الإسكندرية.. منارة الماضي وأمل المستقبل
إن احتفاءنا اليوم بالدكتور حسن شفيق والسيد جلين باناجواس، هو احتفاء بالعقل البشري حينما يستشعر مسؤوليته الأخلاقية تجاه هذا الكوكب. وإن الرعاية الرئاسية الكريمة لهذه الجائزة تؤكد أن مصر، وهي تبني جمهوريتها الجديدة، تضع العلم والابتكار الأخضر في صدارة أولوياتها، ليس فقط من أجل مصر، بل من أجل الإنسانية جمعاء، واحتضان مكتبة الإسكندرية لها، يعيد التأكيد على دور مصر التاريخي كمركز للإشعاع الحضاري.

إن فوز الدكتور حسن شفيق والسيد جلين باناجواس هو انتصار للعلم الذي لا يعرف الحدود، وللتكنولوجيا التي تضع “سعادة الإنسان” هدفاً أسمى لها. نحن اليوم لا نحتفل بفائزين بجائزة، بل نحتفل بمستقبل أكثر خضرة وأماناً لأبنائنا. ونحن نشارك العالم هذا الاحتفاء، نجدد العهد على مواصلة التوعية ونشر ثقافة الاستدامة، مؤمنين بأن الكلمة الطيبة الصادقة، والمعلومة العلمية الدقيقة، هما اللبنة الأولى في بناء مستقبل آمن ومزدهر لنا ولأجيال لم تولد بعد.

الكلمات المفتاحية:
#مكتبة_الإسكندرية – #جائزة_مكتبة_الإسكندرية_العالمية_2025 – التكنولوجيا_الخضراء – #الاستدامة – #الاقتصاد_الدائري #التغير_المناخي – #مدن_ذكية_مستدامة – #الابتكار_الأخضر – #القوى_الخضراء – #البيئة – #الاستدامة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
***
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

ثورة “المقص الجزيئي”.. كيف يعيد “كريسبر” صياغة مستقبل البشرية في 2026؟

  “كريسبر” يضع حجر الأساس لعصر ما بعد الأمراض الوراثية والمجاعات البيئية شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *