“قراءة تحليلية مقارنة بالتشريعات الأوروبية والعربية”
“خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (20)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 08 فبراير 2026
أثار ملف الأغذية المعدلة وراثيًا، منذ ظهوره عالميًا في تسعينيات القرن الماضي، جدلًا مركبًا تجاوز النقاش العلمي إلى دوائر السياسة، والاقتصاد، والأخلاق، وحق المستهلك في المعرفة. وفي مصر ظل هذا الملف لسنوات طويلة يتأرجح بين التحفظ غير المُعلن، والتداول الفعلي لمنتجات مستوردة تحتوي – كليًا أو جزئيًا – على مكونات معدلة وراثيًا، دون إطار تشريعي متخصص وواضح.
في هذا السياق يأتي قرار مجلس إدارة الهيئة القومية لسلامة الغذاء رقم 1 لسنة 2025 بشأن قواعد تنظيم تداول الأغذية المعدلة وراثيًا أو مكوناتها، ليشكّل نقطة تحول تشريعية مهمة، إذ لا يعلن حظرًا مطلقًا، ولا يترك الباب مشرعًا دون ضوابط، بل يختار طريقًا وسطًا قائمًا على التنظيم، والرقابة، والإفصاح، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين حماية المستهلك، ومتطلبات السوق، والالتزامات الدولية (ملحوظة نشر هذا القرار في جريدة الوقائع المصرية الرسمية في العدد 3
يوم الأحد 4 يناير 2026م، على أن يعمل بيه من البوم التالي للنشر).
أولًا: أهمية القرار وسياقه العام
تأتي أهمية القرار من كونه أول إطار تنظيمي متخصص يتعامل مباشرة مع الأغذية المعدلة وراثيًا في السوق المصري، بعد سنوات من الاعتماد على تشريعات عامة لسلامة الغذاء لا تتناول هذه الفئة الحساسة بالنص الصريح. فالقرار يعترف صراحة بوجود هذه المنتجات، لكنه يربط تداولها بالحصول على ترخيص مسبق، والالتزام بالتوسيم، وتقديم مستندات تثبت مأمونيتها، ويمنح الهيئة سلطة المنع أو السحب أو الإتلاف عند ثبوت الخطر أو انعدام الجودة.
بهذا المعنى، ينتقل الموقف الرسمي من “الصمت التنظيمي” إلى “الإدارة الواعية للمخاطر”، وهو تحول يُحسب للمشرّع الغذائي المصري، خاصة في ظل تشابك سلاسل الإمداد العالمية.
ثانيًا: التعريفات… ضبط المفاهيم قبل ضبط السوق
تميّز القرار بدقة واضحة في صياغة التعريفات، حيث فرّق بين:
• الكائن المعدل وراثيًا،
• المنتج الذي يحتوي على مكوّن معدل وراثيًا،
• المنتج المشتق من كائن معدل وراثيًا دون أن يحتوي على مادته الجينية،
• والنظير التقليدي.
هذه الدقة ليست شكلية، بل أساسية لتجنب خلط متعمد أو غير متعمد بين منتجات تختلف جذريًا من حيث الأثر الصحي وطبيعة المخاطر. وهي مقاربة تتوافق في جوهرها مع المعايير الدولية المعمول بها في أوروبا ومنظمة الأغذية والزراعة.
ثالثًا: نسبة الـ 1%… عتبة تنظيمية ذات دلالة
حدد القرار نطاق تطبيقه على المنتجات التي تحتوي على مكوّن معدل وراثيًا بنسبة تتجاوز 1% من المنتج النهائي، بشرط الإفصاح عن المصدر. هذه النسبة تعكس نهجًا واقعيًا يأخذ في الاعتبار احتمالات التلوث العرضي في سلاسل الإمداد، دون التفريط في حق المستهلك في المعرفة.
وعند المقارنة، نجد أن الاتحاد الأوروبي يطبق عتبة قريبة جدًا وهي 0.9% لكل مكوّن، بشرط أن يكون الوجود عرضيًا وغير متعمد تقنيًا. الفارق العددي محدود، لكنه قد يكون جوهريًا عند التطبيق المعملي، ويثير تساؤلات حول: هل يُحتسب الحد في مصر على مستوى المنتج النهائي ككل، أم على مستوى كل مكوّن منفصل؟ وهي مسألة فنية تستحق توضيحًا إجرائيًا لاحقًا.
أما عربيًا، فتتبنى السعودية — وفق المعايير الخليجية — نهجًا قريبًا من مصر بحدود 1%، ما يسهل التوافق التجاري الإقليمي ويخفف من تضارب الاشتراطات بين الأسواق.
رابعًا: التوسيم وحق المستهلك
ألزم القرار بوضوح تدوين عبارة «معدل وراثيًا» مباشرة ضمن بطاقة البيان في حال استخدام مكوّن معدل وراثيًا كمكون أساسي. هذا النص يمثل أحد أكثر جوانب القرار تقدمًا، إذ يرسّخ مبدأ الشفافية، ويمنح المستهلك حق الاختيار الواعي دون حظر أو وصاية.
بالمقارنة، يفرض الاتحاد الأوروبي التزامًا صارمًا بالتوسيم، ويعتبره جزءًا من منظومة التتبع الممتدة من المزرعة إلى المائدة. غير أن نجاح التوسيم في أي دولة لا يتوقف على النص وحده، بل على وعي المستهلك، ومنع استغلال العبارة في حملات تخويف أو تضليل غير علمي.
خامسًا: التتبع والرقابة… من النص إلى التنفيذ
أشار القرار إلى مفهوم التتبع، وربطه بمتطلبات سابقة أصدرتها الهيئة، ومنحها سلطات رصد وتفتيش معلن وغير معلن. وهذه الصلاحيات تضع عبئًا كبيرًا على كفاءة التنفيذ؛ فالتشريعات الأوروبية، على سبيل المثال، تقرن التتبع بإلزام المنشآت بالاحتفاظ بسجلات دقيقة تحدد حركة المنتج “من وإلى” في كل مرحلة.
التحدي في الحالة المصرية ليس في النص، بل في البنية التحتية: هل توجد معامل كافية قادرة على القياس الدقيق؟ هل يتوفر عدد كافٍ من المفتشين المدرَّبين على تقنيات البيولوجيا الجزيئية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان القرار أداة حماية فعالة، أم عبئًا إداريًا يربك السوق.
سادسًا: الاستيراد والوثائق… بين الوقاية والبيروقراطية
فرض القرار حزمة من الوثائق على الرسائل الواردة من الأغذية المعدلة وراثيًا، تشمل شهادة حرية تداول من بلد المنشأ، وشهادة بنسبة المكوّن المعدل وراثيًا، وشهادة صحية، مع إمكانية طلب تقارير تقييم المأمونية وطرق التحليل عند الضرورة. هذا النهج الوقائي يتماشى مع الممارسات الدولية، لكنه يتطلب سرعة في الإجراءات وتوحيدًا في المرجعيات، حتى لا يتحول التنظيم إلى عائق تجاري غير مقصود.
في الاتحاد الأوروبي، يرتبط الاستيراد مباشرة بقرار الترخيص المسبق على مستوى الاتحاد، بينما في مصر يُترك التقييم إلى الجهة الوطنية مع الاستعانة بمراجع دولية، وهو حل عملي في مرحلة انتقالية.
سابعًا: مقارنة عربية أوسع… حالة الإمارات
تمثل الإمارات نموذجًا عربيًا مختلفًا، حيث تنظم الكائنات المعدلة وراثيًا ضمن إطار أوسع للسلامة الأحيائية، لا يقتصر على التوسيم الغذائي، بل يمتد إلى حماية البيئة والموارد الوراثية. ويُظهر هذا الاختلاف أن القرار المصري يركز أساسًا على سلامة الغذاء وتداوله، لا على السلامة الأحيائية الشاملة، ما قد يفتح المجال مستقبلًا لتكامل تشريعي أوسع إذا اتجهت الدولة للتوسع في استخدامات التكنولوجيا الحيوية محليًا.
خاتمة
يمثل قرار تنظيم تداول الأغذية المعدلة وراثيًا خطوة تشريعية ناضجة تنقل مصر من منطقة الغموض إلى إدارة واعية للمخاطر. وهو قرار لا يحظر العلم، ولا يترك السوق بلا ضوابط، بل يسعى إلى تحقيق توازن بين حماية المستهلك، ومتطلبات التجارة، والانفتاح على التكنولوجيا الحديثة.
غير أن نجاح هذا القرار لن يُقاس بنصوصه وحدها، بل بمدى قدرته على التطبيق العادل والعلمي، وبمدى تطوير البنية المعملية والرقابية، وفتح نقاش مجتمعي هادئ بعيدًا عن التخويف أو التهوين. ويبقى السؤال الاستراتيجي الأهم: هل ستظل مصر في موقع “المُنظِّم والمستهلك”، أم تنتقل تدريجيًا إلى موقع “المُقيِّم والمُنتِج للمعرفة” في مجال التكنولوجيا الحيوية الغذائية؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد موقعها الحقيقي في خريطة الغذاء العالمية خلال السنوات القادمة.
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا، مصر، الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين؛ وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز