«تيراميد»… نحو عقد اجتماعي جديد حول الطاقة في جنوب المتوسط (02 – 05)

• مبادرة إقليمية بمشاركة ودعم «رائد» لإعادة ربط الطاقة بالتنمية والكرامة الاجتماعية، مع انتقال عادل يتجاوز الأرقام إلى الإنسان.

شبكة بيئة ابوظبي، عماد سعد، الإمارات العربية المتحدة، 14 فبراير 2026
انبثقت مبادرة «تيراميد» (TeraMed) في لحظة إقليمية دقيقة، تتقاطع فيها أزمات المناخ مع تحديات التنمية والعدالة الاجتماعية في منطقة جنوب المتوسط؛ وهي منطقة تختزن واحدة من أعلى إمكانات الطاقة المتجددة في العالم، وفي الوقت ذاته تعاني من هشاشة بنيوية في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية، واختلالات تاريخية في أنماط الاستثمار والتنمية، وتفاوت عميق في توزيع العوائد.

فعلى امتداد دول جنوب وشرق المتوسط، تتجلّى مفارقة صارخة يصعب تجاهلها:
شمس ساطعة ورياح دائمة وقدرات طبيعية قادرة على إنتاج طاقة نظيفة تنافس عالميًا، في مقابل ارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر الطاقي، وتهميش المجتمعات المحلية، وضعف استفادتها الفعلية من المشاريع الكبرى. وغالبًا ما جرى التعامل مع مشاريع الطاقة المتجددة في هذه الدول بوصفها التزامات مناخية أو فرصًا استثمارية عابرة، دون أن تنعكس بصورة ملموسة على تحسين سبل العيش، أو خلق فرص عمل لائقة، أو تعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي.

من سؤال تقني إلى سؤال عدالة
ويقول الدكتور عماد عدلي المنسق العام للشبكة العربية للبيئة والتنمية (رائد) في هذا السياق المعقّد، جاءت مبادرة «تيراميد» – التي تشارك فيها وتدعمها الشبكة الاقليمية للبيئة والتنمية (رائد) – استجابة واعية لحاجة ملحّة إلى إعادة صياغة سؤال الطاقة في جنوب المتوسط. لم تعد المسألة مقتصرة على كم ننتج من الطاقة؟ أو أي تقنيات نعتمد؟، بل تحوّلت إلى سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا:

من المستفيد من التحول الطاقي؟ ومن يتحمّل كلفته؟ وكيف يمكن للطاقة أن تكون رافعة للعدالة الاجتماعية لا سببًا لفجوات جديدة؟
واضاف دكتور عدلي من هذا المنطلق، سعت المبادرة إلى بناء مسار إقليمي جديد يربط التحول الطاقي بالتنمية والعدالة، عبر مجموعة من الأهداف المتكاملة، من أبرزها:
• تسريع الانتقال العادل للطاقة في حوض المتوسط، من خلال دعم السياسات الوطنية وتفعيل آليات التمويل الأخضر العادل.
• تعزيز دور المجتمع المدني بوصفه شريكًا في التخطيط والتنفيذ والرقابة، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
• العمل نحو هدف طموح يتمثل في الوصول إلى إنتاج تيراواط واحد من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030.
• ربط مشاريع الطاقة المتجددة بالاقتصاد المحلي وسلاسل القيمة الوطنية، بدل إبقائها جزرًا استثمارية معزولة.
• تمكين الدول والمجتمعات من الاستفادة الفعلية من مواردها الطبيعية عبر أطر تشريعية وتمويلية عادلة.
• تجاوز المقاربات الفوقية التي تكتفي بالأرقام والقدرات المركبة دون بناء قبول مجتمعي أو أثر اجتماعي مستدام.

«رائد»… من المبادرة إلى المنصة الإقليمية
ولا يمكن فهم مبادرة «تيراميد» بمعزل عن الدور التاريخي والفكري الذي لعبته الشبكة العربية للبيئة والتنمية (رائد)، بوصفها واحدة من أقدم وأهم أطر المجتمع المدني العربي المعنية بالربط بين البيئة والتنمية والعدالة الاجتماعية. فقد جاءت «تيراميد» امتدادًا طبيعيًا لمسار «رائد» الذي طالما دافع عن حق دول الجنوب في انتقال مناخي عادل، ورفض المقاربات التي تنقل أعباء التحول الطاقي من الشمال إلى الجنوب تحت شعارات خضراء براقة.

ومن خلال «تيراميد»، انتقلت «رائد» من دورها التقليدي كمنصة ضغط وتوعية، إلى دور أكثر تقدّمًا يتمثل في بناء إطار إقليمي تشاركي يجمع الحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأكاديميين، والإعلام، حول رؤية موحّدة للانتقال العادل للطاقة. كما عملت الشبكة على سد الفجوة بين الخطاب المناخي العالمي وواقع المجتمعات المتوسطية، عبر التأكيد على أن العدالة ليست ملحقًا أخلاقيًا للتحول الطاقي، بل شرطًا بنيويًا لنجاحه واستدامته.

ما الذي يميّز «تيراميد»؟ طموح التيراواط بروح العدالة
ويضيف اللمنسق العام لـ (رائد) ما يجعل مبادرة «تيراميد» مختلفة عن كثير من مبادرات الطاقة المتجددة الأخرى، ليس فقط حجم الهدف الذي تتبنّاه، بل المنهجية التي تقترحها لتحقيقه.

أولاً: تعتمد «تيراميد» مقاربة إقليمية متوسطية واعية، تنطلق من فهم عميق لخصوصيات دول جنوب المتوسط، وترفض إسقاط نماذج جاهزة من سياقات مغايرة. فهي تنظر إلى المنطقة كوحدة جيوطاقية مترابطة، تتقاطع فيها قضايا الطاقة والمياه والغذاء والنظم البيئية والأمن الاجتماعي، وتدعو إلى تعاون عابر للحدود وشراكات أكثر توازنًا بين الشمال والجنوب.

ثانياً: تضع المبادرة البعد الاجتماعي في صميم التحول الطاقي، معتبرة أن الطاقة المتجددة ليست مجرد بديل تقني للوقود الأحفوري، بل أداة لإعادة توزيع الفرص، وتمكين الفئات المهمشة، وخلق وظائف خضراء لائقة، لا سيما للشباب والنساء، في مجالات التصنيع، والصيانة، والخدمات، والابتكار.

ثالثاً: تعطي «تيراميد» للإعلام وبناء الوعي دورًا محوريًا، إدراكًا منها بأن أي انتقال طاقي لا يحظى بقبول مجتمعي ورأي عام واعٍ، يبقى هشًا وقابلًا للرفض. ومن هنا، استثمرت المبادرة في الصحافة البيئية وصناعة السرديات الجديدة التي تربط الطاقة بالعدالة وبالحياة اليومية للمواطنين.

رابعاً: لا تختزل «تيراميد» النجاح في خفض الانبعاثات فقط، بل تربطه بقدرتها على:
• خلق فرص عمل خضراء مستدامة.
• دعم الاقتصاد المحلي وسلاسل القيمة الوطنية.
• تعزيز القبول المجتمعي لمشاريع الطاقة المتجددة.
• بناء سياسات طاقة تشاركية تُصاغ بمشاركة المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والأكاديميين، والإعلام.

نحو عقد اجتماعي جديد حول الطاقة
في المحصلة، تمثل مبادرة «تيراميد» انتقالًا نوعيًا في التفكير الطاقي في جنوب المتوسط: من مشاريع معزولة إلى رؤية إقليمية، ومن أرقام وقدرات مركبة إلى أثر اجتماعي واقتصادي ملموس، ومن خطاب مناخي نخبوّي إلى مسار تشاركي ديمقراطي. وهي بذلك لا تطرح فقط سؤال كيف ننتج الطاقة؟ بل تطرح، وبقوة، سؤال لمن ننتجها؟ وبأي ثمن؟ ولأي مستقبل؟

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المناخ ليس محايدًا جندريًا..

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 2026 كيف تعيد الأزمة المناخية إنتاج عدم المساواة بين الجنسين • …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *