جينات المرض والعبقرية… وجهان لعملة واحدة

سلسلة “خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (24)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 02 مارس 2026م

يبدو أن الخط الفاصل بين العبقرية والمرض النفسي أدقّ مما نتصور. فكثير من العقول التي غيّرت وجه العالم كانت تحمل في طياتها بذور اضطرابٍ ما، وكأن الخلل الجيني الذي يصنع الألم هو نفسه الذي يفتح أبواب الإبداع. إنها مفارقة مذهلة في عالم الوراثة: الجين الواحد يمكن أن يمنح صاحبه نعمة العبقرية أو لعنة الجنون.

الجينات التي تُرهق وتُلهم:
أظهرت دراسات حديثة أن بعض الجينات المرتبطة بالاضطراب ثنائي القطب (Bipolar disorder) أو الفصام (Schizophrenia) توجد بنسب أعلى لدى المبدعين والفنانين والعلماء الكبار. فجينات مثل CACNA1C و ANK3، التي تؤثر في نشاط الخلايا العصبية، تبيّن أنها تسهم في اتساع دوائر التفكير والتخيل، لكنها في الوقت نفسه قد تُخلّ بتوازن الإشارات في الدماغ. بمعنى آخر، إن الجرعة الزائدة من النشاط العصبي التي تصنع ومضة العبقرية، قد تنقلب بسهولة إلى ومضة اضطراب.

الدماغ بين النار والنور:
في حالات كثيرة، يبدو أن الدماغ العبقري يعيش على حافة الخطر. الدوائر العصبية التي تشتعل أثناء نوبات الإبداع هي ذاتها التي تشتعل في نوبات الهوس أو القلق أو الوسواس القهري. لقد وصف الأطباء رسامي النهضة، وشعراء العصر الرومانسي، وحتى بعض علماء الفيزياء المحدثين، بأنهم يعانون من تذبذب كيميائي في الدماغ بين السمو والانهيار.
وربما لهذا كان الإبداع عند بعضهم ضربًا من الجنون الجميل… شرارة تتقد في منطقة مظلمة من الجينوم.

الجينات ليست قدرًا… بل احتمالات:
لكن الوراثة لا تحكم بالمطلق. فوجود جين “خطِر” لا يعني أن صاحبه مريض، بل أنه يحمل استعدادًا، مثل بذرة تنتظر بيئة مناسبة لتزدهر أو لتتعفن. هنا تتدخل البيئة والتربية والثقافة والتجارب في توجيه الطاقة الجينية. فما قد يتحول إلى انهيار عند إنسان، يمكن أن يتحول إلى عبقرية عند آخر، إذا وجد دعمًا وفهمًا ورعاية علمية أو نفسية مناسبة.

أمثلة من التاريخ والواقع:
كم من عبقري دفع ثمن تفوقه ألمًا نفسيًا أو عزلة روحية. الرسام فان جوخ، الذي أضاء العالم بلوحاته، كان يعاني نوبات اكتئاب حادة. والموسيقار بيتهوفن عاش صراعًا مريرًا مع الصمم. أما الرياضيون والعلماء الذين يمتلكون ما يسمى “جين الدوبامين العالي” (DRD4-7R)، فهم أكثر ميلًا للمغامرة والإبداع، ولكن أيضًا أكثر عرضة للسلوك المندفع والمخاطرة. إنها معادلة دقيقة بين القوة والضعف، بين الوهج والاحتراق.

عندما يتحول المرض إلى مصدر إلهام:
من منظور علم الوراثة، يمكن القول إن الاختلاف الجيني هو أساس التنوع الإنساني. فبدون الطفرات التي تُحدث بعض الاختلالات، لما وُجد التنوع، ولا وُلدت الأفكار الخارجة عن المألوف. أحيانًا يكون “الخلل” هو محرك التقدم. فالطبيعة لا تفرّق بين الجين النافع والضار، بل تجرّب وتختبر، لتُبقي على ما يمنح الحياة قدرةً على التجدد والابتكار.

نحو رؤية إنسانية جديدة:
ربما آن الأوان لننظر إلى الاضطرابات النفسية والعصبية بعينٍ أخرى. فوراء كثيرٍ من معاناة هؤلاء، تكمن طاقة خلاقة تحتاج فقط إلى الفهم والتوجيه، لا إلى الوصم أو العزل. العلم الحديث يفتح أبوابًا لعلاج هذه الحالات بالتحكم في الجينات أو تعديلها بتقنيات مثل CRISPR، لكن التحدي الحقيقي ليس في إزالة “الخلل”، بل في فهم وظيفته في منظومة الإبداع البشري.

الخاتمة:
الجينات التي تصنع الألم قد تصنع أيضًا الجمال. وفي قلب كل مرض وراثي، ربما يكمن بريق عبقرية ينتظر أن يُكتشف. فالطبيعة لا تعرف الخير والشر كما نعرفهما، بل تعرف فقط التوازن. وما نسميه “خللًا” قد يكون هو الثمن الذي تدفعه الحياة لتظل قادرة على التجدد والتفوق.

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ مصر، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الروبوت الذي يتعلّم من الفلاح

حين تتوارث الآلة حكمة الحقول التي صنعها البشر عبر آلاف السنين سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *