رحلة علمية مثيرة في تراث الأجداد، من تحنيط الملوك إلى تحليل المومياوات الحديثة
سلسلة “خواطر وراثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (03)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 19 أكتوبر 2025م
حين يلتقي العلم بالتاريخ
مصر القديمة ليست مجرد حجارة صامتة أو معابد شامخة؛ إنها مختبر مفتوح يحكي قصة الإنسان عبر آلاف السنين. لقد أدرك الفراعنة أن حفظ الجسد يعني حفظ الهوية، وأن سرّ الخلود يكمن في حماية ما هو أعمق من اللحم والعظم. واليوم، يكمل العلم الحديث ما بدأه الأجداد، في رحلة مثيرة من أسرار التحنيط إلى تحليل المومياوات بالجينات.
التحنيط… علم سبق عصره
أبدع المصريون القدماء في تقنيات التحنيط، مستخدمين الملح والنطرون والزيوت العطرية للحفاظ على الجسد. ورغم بساطة الأدوات، فقد استطاعوا وقف تحلل الخلايا لآلاف السنين، حتى أتيح لعلماء القرن الحادي والعشرين استخراج بقايا الحمض النووي DNA من المومياوات. إنها مفارقة مذهلة: ما فعله الكهنة قبل آلاف السنين جعل من الممكن للعلماء اليوم قراءة الجينات وكشف أسرار الأجداد.
بصمة الجينات في المومياوات
في العقدين الأخيرين، تمكنت فرق علمية دولية من تحليل جينات مومياوات ملكية مصرية مثل توت عنخ آمون، وكشفت النتائج عن أصوله العائلية ووجود أمراض وراثية مثل الملاريا وتشوهات العظام. لقد منحنا الحمض النووي قدرة على إعادة بناء شجرة العائلة الملكية، وتصحيح كثير من الفرضيات التاريخية. وهكذا تحولت المومياء من مجرد قطعة أثرية إلى وثيقة بيولوجية حيّة.
رجل النويرات الفرعوني
في الثاني من يوليو 2025، أعلن فريق دولي من الباحثين المتخصصين في علم الوراثة القديمة (ancient DNA) والأنثروبولوجيا والآثار عن إنجاز علمي بارز، تمثل في تحليل أول جينوم بشري كامل من أحد سكان مصر القديمة خلال فترة الدولة القديمة، وهو ما يمثل نقلة نوعية في فهم أصول المصريين القدماء.
الدراسة نُشرت في مجلة Nature المرموقة، وجاءت كثمرة تعاون بين معهد “فرانسيس كريك” بلندن، وجامعتي “ليفربول جون مورز” و”أبردين” بمشاركة 21 باحثًا. يعود الجينوم المكتشف لرجل دُفن داخل جرة فخارية ضخمة في موقع “نويرات” الأثري القريب من منطقة مقابر بني حسن الشروق بمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا. يعود تاريخ الرفات إلى الفترة ما بين 2855 و2570 ق.م، أي إلى زمن الأسرة الثالثة أو الرابعة – العصر الذي شُيّدت فيه الأهرامات.
المصريون والأصول الجينية
أظهرت الدراسات أن المصريين القدماء حملوا خليطًا من الجينات الإفريقية والشرق أوسطية، مع خصوصية واضحة لشمال إفريقيا. هذا المزيج يثبت أن مصر كانت دائمًا ملتقى للحضارات والشعوب، لكنها احتفظت ببصمتها الوراثية الفريدة عبر العصور. إنها “جينات مصر” التي عبرت آلاف السنين لتصل إلينا نحن أحفادهم.
من المعابد إلى المختبرات
لم يعد البحث في التاريخ المصري مقتصرًا على النصوص والجداريات، بل أصبح اليوم يعتمد على الطب الشرعي الجيني. تُستخدم أحدث تقنيات الـ Next Generation Sequencing لفك شيفرة المومياوات، في محاولة لفهم أنماط الأمراض القديمة، والهجرات البشرية، والتاريخ الصحي لشعب عاش قبل 3000 عام.
الدرس الإنساني
تكشف لنا جينات مصر القديمة عن شيء أبعد من المرض والنسب؛ إنها تذكير بأن الإنسان كائن واحد عبر الزمان والمكان. وأن ما نحمله من صفات وأمراض وقدرات اليوم، قد ورثناه من رحلة طويلة تعود إلى الفراعنة وما قبلهم.
كلمة ختامية
من التحنيط إلى الجينوم، ومن المعبد إلى المختبر، تبقى مصر القديمة حاضرة كجسر بين الماضي والمستقبل. لقد أراد الفراعنة أن يخلّدوا أجسادهم، فجاء العلم الحديث ليُخلّد جيناتهم، لتظل مصر شاهدة على عبقرية الأجداد ودهشة الوراثة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز