حين تكتب الجينات التاريخ… الأوبئة والنجاة عبر العصور

من سلسلة “خواطر وراثية” الجينات والوعي الإنساني، الحلقة رقم (28)

شبكة بيئة أبو ظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 01 ابريل 2026م
التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل يُكتب أيضًا في الحمض النووي. فكل وباء، وكل مجاعة، وكل حرب، تترك بصمتها في جينات البشر، كأن الجينوم دفتر أسرارٍ يسجّل قصص النجاة والخوف والأمل منذ بداية الخليقة. لقد واجه الإنسان عبر العصور فيروساتٍ قاتلةً وأمراضًا فتاكة، ومع كل كارثة بيولوجية، كانت الوراثة تُعيد تشكيل نفسها لتضمن استمرار الحياة.

الأوبئة التي غيّرت الجينات:
حين اجتاح «الطاعون الأسود» أوروبا في القرن الرابع عشر، لم ينجُ إلا من كان يمتلك جينات مقاومة للاستجابة المناعية الزائدة. واليوم، ما زال العلماء يجدون آثار تلك الجينات في شعوب أوروبا الحديثة، خاصة في الجين المعروف باسم CCR5-Δ32 الذي يمنح مقاومة جزئية لبعض الفيروسات، بينها فيروس نقص المناعة المكتسب (HIV). لقد كانت النجاة يومها بيولوجية بقدر ما كانت قدرًا إلهيًا.
وفي قارات أخرى، تركت الملاريا أثرها في جينات الملايين؛ فقد ولّدت طفرات مثل جين الخلية المنجلية (HbS) التي تحمي من الملاريا القاتلة رغم ما تسببه من فقر دم. وهكذا، تُظهر الطبيعة أن كل مرض قاتل قد يخلق مقاومة من رحم المعاناة.

ذاكرة الجينات:
كل جيلٍ يورّث أبناءه أكثر من الملامح؛ يورّثهم أيضًا ذكريات مناعية، مبرمجة في الشيفرة الوراثية. حين يتعرض الجسم لوباء أو فيروس، تُفعَّل جينات المناعة، ويُعاد تنظيم عملها بطرق تبقى مطبوعة في الخلايا. وفي بعض الحالات، تنتقل هذه العلامات عبر ما يسمى الوراثة فوق الجينية (Epigenetic Inheritance) إلى الأبناء والأحفاد، فيرثون استجابة أسرع أو أضعف للأمراض نفسها التي أصابت أجدادهم.

النجاة ليست دائمًا رحمة:
لكن النجاة الجينية ليست دائمًا نعمة. فبعض الجينات التي ساعدت أسلافنا على النجاة من الأوبئة القديمة أصبحت اليوم عبئًا في عالم مختلف. فالجينات التي خزّنت الطاقة في أوقات المجاعة، مثلاً، صارت سببًا في السمنة والسكري في زمن الوفرة. والجينات التي كانت ترفع ضغط الدم للحفاظ على الدورة الدموية في بيئات حارة، صارت اليوم تُهدد القلوب في حياةٍ راكدة. إنها مفارقة الإنسان الحديث الذي يعيش في سلامٍ مع بيولوجيا صنعتها الحروب والمجاعات.

حين تتحدث الجينات بلغة التاريخ:
العلماء اليوم يقرأون الماضي من خلال تحليل الحمض النووي القديم المستخرج من العظام والمومياوات. وقد كشف تحليل مومياوات مصر القديمة عن آثارٍ لجينات مقاومة لأمراض الطفيل «البلهارسيا» و«الملاريا»، مما يؤكد أن المصريين القدماء خاضوا معارك بيولوجية طويلة ضد أوبئة النيل والحرارة والمستنقعات. تلك المقاومة الوراثية جزء من تاريخ الصمود المصري الذي لم يُكتب في النقوش فحسب، بل في الجينوم ذاته.

الجائحة الحديثة… ودرس البقاء:
جائحة «كوفيد-19» أعادت إلى الواجهة فكرة أن النجاة لا تُوزَّع بالتساوي. فقد أظهرت الدراسات أن شدة الإصابة تختلف بين الأفراد بحسب تركيبهم الجيني، وخاصة في جينات ACE2 و HLA التي تتحكم في دخول الفيروس واستجابة المناعة. وهكذا، نرى التاريخ يتكرر: فكل جيلٍ يواجه وباءه، ويترك وراءه بصمته الوراثية للأجيال القادمة.

الخاتمة:
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يكتب تاريخه بلغتين: لغة الوعي ولغة الجينات. وإذا كانت الكتب تحفظ سيرة الأمم، فإن الجينات تحفظ سيرة البقاء. في كل خلية منّا، صفحات من قصةٍ قديمة عنوانها: “كيف نجونا… وكيف تغيّرنا”
وهكذا تبقى الأوبئة دروسًا في التكيّف، لا في الهزيمة، وتبقى الوراثة سجلّ الحياة الذي لا يمحوه الزمن.

(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

غذاء من هواء… حين تغدو الزراعة بلا تربة

• تأمل في الزراعة المائية والهوائية كفلسفة جديدة لإعادة تعريف المفهوم التقليدي للحقل • سلسلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *