البحيرات المصرية.. ثروات مائية ورأس مال طبيعي للأجيال القادمة
كيف يمكن للتقنية الحيوية والاقتصاد الدائري تحويل مشكلة تلوث البحيرات إلى مورد؟
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 27 أغسطس 2026
في صباح هادئ قد تبدو البحيرة للناظر مجرد صفحة من الماء تستريح بين اليابسة والسماء، لكن هذا المشهد البسيط يخفي وراءه عالمًا بالغ التعقيد، تتحرك داخله المياه والرواسب والكائنات الدقيقة والنباتات والأسماك والطيور والعناصر الكيميائية في شبكة دقيقة من العلاقات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. ومن هنا فإن البحيرة ليست مجرد خزان للمياه، ولا مجرد مساحة جغرافية يمكن قياسها بالكيلومترات المربعة، وإنما نظام بيئي حي تتقاطع فيه قضايا الماء والغذاء والتنوع البيولوجي والاقتصاد وصحة الإنسان والحيوان.
وقد اكتسبت هذه الحقيقة أهمية عالمية متزايدة مع تصاعد الضغوط الواقعة على النظم المائية العذبة، من التلوث والاستنزاف إلى تغير المناخ وتغير أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. ولهذا أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2024 يوم 27 أغسطس من كل عام يومًا عالميًا للبحيرات، بهدف رفع الوعي بأهمية هذه النظم البيئية وتعزيز جهود حمايتها واستعادتها وإدارتها بصورة مستدامة. وكان عام 2025 أول احتفاء عالمي بهذه المناسبة.
وتكتسب المناسبة خصوصية أكبر في مصر، حيث تمثل البحيرات الشمالية والساحلية والداخلية، إلى جانب بحيرة ناصر وغيرها من المسطحات المائية، جزءًا مهمًا من رأس المال الطبيعي للبلاد. فهي تدعم المصايد والثروة السمكية، وتوفر موائل للطيور والكائنات المائية، وترتبط بموارد الغذاء وسبل معيشة المجتمعات المحلية، كما تؤدي وظائف بيئية لا يمكن تعويضها بسهولة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي في اليوم العالمي للبحيرات لا ينبغي أن يكون فقط: كم تبلغ مساحة بحيراتنا؟ أو كم تنتج من الأسماك؟ وإنما يجب أن يكون أكثر عمقًا: ما الحالة الصحية لهذه النظم البيئية، وما الذي يحدث لها تحت سطح الماء، وكيف يمكن للعلم أن يتنبأ بالمخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات؟
البحيرة نظام حي لا يمكن اختزاله في جودة المياه
توضح علوم البحيرات، أن حالة البحيرة لا تحددها خصائص المياه وحدها. فالرواسب الموجودة في القاع، وتركيز المغذيات، ودرجة الحرارة، ومستويات الأكسجين الذائب، والعوالق النباتية والحيوانية، والنباتات المائية، والأسماك والكائنات الدقيقة، جميعها مكونات متداخلة في منظومة واحدة. وأي تغير جوهري في أحد هذه المكونات يمكن أن يمتد تأثيره إلى بقية أجزاء النظام، خصوصًا عندما تتراكم الضغوط البيئية على مدى سنوات.
وتتباين البحيرات المصرية بصورة كبيرة في طبيعتها وخصائصها. فالبحيرات الشمالية والساحلية، مثل المنزلة والبرلس وإدكو ومريوط والبردويل، ترتبط بدرجات مختلفة بالبحر المتوسط وتتعرض لضغوط تختلف عن تلك التي تواجهها البحيرات الداخلية مثل قارون ووادي الريان. أما بحيرة ناصر، فتحتل موقعًا مختلفًا تمامًا باعتبارها خزانًا مائيًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، بينما تمثل بعض المنخفضات والمسطحات الملحية والبحيرات الفرعية نظمًا أكثر خصوصية من الناحية الهيدرولوجية والبيئية.
وهذا التنوع يعني أن التعامل مع «البحيرات المصرية» باعتبارها وحدة بيئية واحدة قد يقود إلى تبسيط مخل. فلكل بحيرة تاريخها الهيدرولوجي، ومصادر تغذيتها، ودرجة اتصالها بالبحر أو بالمصارف، وخصائصها الكيميائية والبيولوجية، وأنماط استخدام الإنسان للمناطق المحيطة بها. ومن ثم فإن الإدارة العلمية الناجحة تحتاج إلى رؤية وطنية مشتركة، ولكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تراعي خصوصية كل نظام مائي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن البحيرات تؤدي وظائف متعددة تتجاوز تخزين المياه، فهي تدعم إمدادات المياه والزراعة والصيد والتنوع البيولوجي، كما تسهم في توفير خدمات بيئية واقتصادية واجتماعية مهمة للمجتمعات. وفي الوقت نفسه، تواجه هذه النظم ضغوطًا متزايدة من التلوث والإفراط في الاستخدام وتغير المناخ.
من الإثراء الغذائي إلى التلوث الخفي
ربما كان التلوث الكيميائي والعضوي هو أكثر المخاطر وضوحًا أمام العين، لكنه ليس بالضرورة أكثرها تعقيدًا. فالمياه التي تستقبل أحمالًا زائدة من النيتروجين والفسفور، سواء عبر الصرف الزراعي أو مصادر أخرى، قد تدخل في سلسلة من التغيرات البيئية تبدأ بالإثراء الغذائي، وقد تنتهي في الحالات الشديدة إلى اختلالات في الأكسجين والتوازن البيولوجي.
ولا يعني ذلك أن كل زيادة في المغذيات تؤدي بالضرورة إلى سيناريو كارثي، فاستجابة البحيرة تعتمد على طبيعتها وعمقها ومعدل تجدد المياه ودرجة حرارتها وحمولتها العضوية وعوامل أخرى. لكن عندما تتجاوز الأحمال قدرة النظام على الاستيعاب، يمكن أن تتغير بنية المجتمعات الميكروبية والطحلبية، وقد تزداد فرص حدوث ازدهارات طحلبية ضارة في بعض الظروف، ثم يؤدي تحلل الكتلة الحيوية المتراكمة إلى استهلاك الأكسجين، بما قد يخلق مناطق منخفضة الأكسجين تؤثر في الكائنات المائية.
وتزداد الصورة تعقيدًا عندما تصل إلى البحيرات ملوثات أخرى مثل العناصر الثقيلة والمركبات العضوية والزيوت والمخلفات الصلبة والبلاستيكية. وقد تتراكم بعض الملوثات في الرواسب، ثم تعود إلى النظام المائي تحت ظروف بيئية معينة، كما يمكن لبعضها أن يتراكم في أنسجة الكائنات الحية. ولذلك لا يكفي في تقييم البحيرة أن نسأل عن جودة المياه في لحظة معينة؛ إذ ينبغي النظر أيضًا إلى الرواسب والكائنات الحية ومصادر التلوث والاتجاهات الزمنية للتغير.
ومن المخاطر التي تحظى باهتمام علمي متزايد كذلك تلوث النظم المائية باللدائن الدقيقة (الميكروبلاستيك).. وقد أصبحت هذه الجزيئات موضوعًا واسعًا للبحث العلمي بسبب انتشارها في البيئات المائية وقدرتها على التفاعل مع الملوثات والكائنات الدقيقة، إلا أن حجم المخاطر الصحية المباشرة على الإنسان من وجودها في كل نظام مائي لا يزال مجالًا نشطًا للبحث، ولذلك ينبغي تجنب الانتقال من إثبات وجود الميكروبلاستيك إلى افتراض نتائج صحية مؤكدة من دون تقييم للتعرض والجرعة والمسار.
وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى تجاوز فكرة «قياس التلوث» إلى فهم ديناميكياته؛ أي معرفة مصدر الملوث، وكيف ينتقل، وأين يتراكم، وكيف يتغير بمرور الوقت، وما الكائنات التي قد تتعرض له، وما إذا كان يمثل خطرًا فعليًا على النظام البيئي أو الصحة العامة.
مقاومة المضادات الحيوية.. الخطر الذي لا يُرى بالعين
خلال السنوات الأخيرة، اتسع مفهوم التلوث البيئي ليشمل بُعدًا بيولوجيًا وجزيئيًا أكثر تعقيدًا، هو مقاومة مضادات الميكروبات. ولم تعد مقاومة المضادات الحيوية قضية تخص المستشفيات والعيادات فقط، إذ أصبح واضحًا أن البيئة المائية يمكن أن تكون جزءًا من دورة المقاومة، خصوصًا عندما تتلقى مياهًا ملوثة ببقايا المضادات أو البكتيريا المقاومة أو جينات المقاومة.
وقد تأتي هذه المكونات من مصادر مختلفة، من بينها مياه الصرف الصحي، وبعض الأنشطة الطبية والبيطرية، والإنتاج الحيواني، والزراعة، ومصادر أخرى. وتكمن أهمية البيئة هنا في أنها قد توفر ظروفًا تسمح ببقاء بعض البكتيريا المقاومة أو جينات المقاومة وانتقالها بين مجموعات ميكروبية مختلفة. كما يمكن لبعض الملوثات، ومنها بعض المعادن الثقيلة، أن تشكل ضغوطًا بيئية قد ترتبط بانتقاء ميكروبات تحمل صفات مقاومة، وإن كانت العلاقة بين هذه العوامل معقدة ولا ينبغي اختزالها في علاقة سببية بسيطة.
وتلعب الأغشية الحيوية «Biofilms» دورًا مهمًا في هذا السياق. فهذه التجمعات الميكروبية التي تستقر على الأسطح والرواسب والنباتات المائية توفر بيئة مختلفة عن المياه المفتوحة، ويمكن أن تسهم في حماية المجتمعات الميكروبية وتسهيل التفاعلات بينها. ومن الناحية الوراثية، يمكن أن يحدث انتقال أفقي لبعض جينات المقاومة بين البكتيريا عبر عناصر وراثية متحركة، لكن معدل حدوث ذلك وأهميته الفعلية يختلفان باختلاف الظروف البيئية وتركيب المجتمع الميكروبي.
وتشير الدراسات إلي رصد بكتيريا مقاومة أو متعددة المقاومة في بعض البحيرات المصرية، ولا سيما قارون والمنزلة، كما تطرح الدراسات الحاجة إلى توسيع الدراسات الميكروبية والجزيئية في بحيرات أخرى. وهذه نقطة مهمة، لكن الأهم علميًا هو عدم تفسير وجود جين مقاومة أو بكتيريا مقاومة في المياه باعتباره دليلًا مباشرًا على حدوث مرض بشري. وجود المقاومة في البيئة مؤشر يستحق الرصد والتحقيق، لكنه ليس وحده دليلًا على انتقالها إلى الإنسان أو على عدم صلاحية الأسماك للاستهلاك.
وهذا التمييز ضروري؛ لأن العلم لا يبني تقييم المخاطر على وجود الميكروب فقط، وإنما ينظر إلى سلسلة كاملة تبدأ بالمصدر، ثم بقاء العامل الميكروبي أو الجيني وانتقاله، ثم التعرض، ثم احتمال إحداث الضرر. ولذلك فإن غياب البيانات الكافية عن مقاومة المضادات الحيوية في بحيرة معينة لا يمكن اعتباره دليلًا على غياب الخطر، لكنه في الوقت نفسه لا يبرر افتراض وجود خطر صحي مؤكد.
والاتجاه العالمي الحديث يسير بالفعل نحو إدماج البعد البيئي في مكافحة مقاومة المضادات الحيوية. ففي مايو 2026 اعتمدت جمعية الصحة العالمية خطة العمل العالمية المحدثة بشأن مقاومة مضادات الميكروبات للفترة 2026–2036، مؤكدة الطبيعة متعددة القطاعات للمشكلة، بما يشمل الإنسان والحيوان والغذاء والنبات والبيئة. كما تؤكد الأطر الدولية الصادرة عن المنظمات الأربع الشريكة في «الصحة الواحدة» أهمية الرصد المتكامل للمقاومة عبر القطاعات المختلفة.
نهج «الصحة الواحدة»
من هنا يكتسب نهج «الصحة الواحدة» أهميته. فهذا النهج لا ينظر إلى صحة الإنسان والحيوان والبيئة باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما باعتبارها مكونات مترابطة لنظام واحد. وقد طورت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية لصحة الحيوان إطارًا مشتركًا لهذا النهج، انطلاقًا من الاعتراف بأن المخاطر الصحية المعاصرة كثيرًا ما تتحرك عند الحدود الفاصلة بين الإنسان والحيوان والنظم البيئية.
وفي حالة البحيرات، يصبح هذا الترابط واضحًا بصورة خاصة. فمياه الصرف يمكن أن تحمل ملوثات إلى البيئة المائية، والأسماك والكائنات المائية تتفاعل مع تلك البيئة، والإنسان قد يتعرض بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال الصيد أو العمل أو استخدام المياه أو السلسلة الغذائية. لكن وجود هذه المسارات المحتملة لا يعني أن كل تعرض يؤدي إلى مرض؛ إذ يعتمد الخطر الحقيقي على طبيعة الملوث وتركيزه ومدة التعرض وطريقته وحساسية الكائن المتعرض وعوامل أخرى كثيرة.
ومن هنا يجب أن يتغير مفهوم الرصد نفسه. فبدل أن تقتصر برامج المراقبة على درجة الحرارة والملوحة والأكسجين والمواد الصلبة والمغذيات، يمكن أن تتطور تدريجيًا نحو منظومات أكثر تكاملًا تشمل الملوثات الكيميائية والميكروبية، ومؤشرات التلوث البرازي، وبقايا مضادات الميكروبات حيثما كان ذلك ذا صلة، والبكتيريا المقاومة وجينات المقاومة، إلى جانب دراسة المياه والرواسب والكائنات المائية ومصادر الصرف ومسارات التعرض.
ولا يعني هذا بالضرورة أن تُجرى كل الاختبارات في كل بحيرة وبالكثافة نفسها، بل إن الرصد الذكي ينبغي أن يعتمد على تقييم المخاطر والأولويات المحلية، بحيث تتناسب طبيعة القياسات مع خصائص كل بحيرة ومصادر الضغط الواقعة عليها.
من الرصد إلى التنبؤ.. التكنولوجيا تعيد تعريف حماية البحيرات
تتغير أدوات دراسة البحيرات بسرعة مع تطور الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية وتحليل البيانات. فصور الأقمار الصناعية أصبحت توفر قدرة غير مسبوقة على متابعة التغيرات المكانية والزمانية في المسطحات المائية، ويمكن دمجها مع القياسات الميدانية والبيانات المعملية للحصول على صورة أكثر شمولًا.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات في التكامل بينها، لا في استبدال القياسات الميدانية بها. فالقمر الصناعي يستطيع أن يكشف نمطًا مكانيًا أو تغيرًا في خصائص سطح المياه، لكن تفسير ذلك التغير يحتاج إلى قياسات ميدانية ومعرفة بالظروف الهيدرولوجية والبيئية للبحيرة. وعندما تندمج هذه البيانات مع نظم المعلومات الجغرافية وقواعد البيانات التاريخية، يصبح من الممكن الانتقال من صورة ثابتة للبحيرة إلى فهم مسار التغير الذي يحدث فيها.
ويأتي الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في مرحلة تالية من هذا التطور. فكلما تراكمت البيانات الميدانية والفضائية والمخبرية، أصبحت هناك فرصة لبناء نماذج تتعرف إلى الأنماط غير المعتادة وتساعد على التنبؤ ببعض الظواهر، مثل تغيرات جودة المياه أو انتشار بعض الظواهر الطحلبية. لكن هذه النماذج لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها بديلًا عن الخبرة العلمية، وإنما أدوات مساعدة لصنع القرار، تعتمد دقتها على جودة البيانات التي دُربت عليها وعلى اختبارها المستقل في الظروف الحقيقية.
وبذلك يمكن أن تتحول منظومة الرصد من نظام يكتشف المشكلة بعد وقوعها إلى نظام قادر على تقديم إشارات مبكرة تساعد على التدخل في الوقت المناسب. وهذه النقلة من «الرصد» إلى «الإنذار المبكر» قد تكون واحدة من أهم التحولات المستقبلية في إدارة البحيرات المصرية.
التقنية الحيوية والاقتصاد الدائري.. هل يمكن تحويل المشكلة إلى مورد؟
لا يتوقف دور العلم عند التشخيص والرصد. ففي بعض الحالات يمكن للتقنيات الحيوية والحلول القائمة على الطبيعة أن تكون جزءًا من منظومة معالجة مصادر التلوث، خصوصًا عندما تستخدم النباتات أو الطحالب أو المجتمعات الميكروبية في أنظمة معالجة مصممة هندسيًا. وقد أظهرت البحوث إمكانات مختلفة للأنظمة النباتية والطحلبية والأراضي الرطبة المنشأة في إزالة بعض المغذيات والملوثات من المياه، لكن كفاءة هذه الحلول تختلف باختلاف النوع والظروف وتصميم النظام، ولذلك ينبغي تقييمها محليًا قبل التوسع في استخدامها.
وتفتح هذه التطبيقات الباب أمام مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يحاول النظر إلى المخلفات ليس فقط باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، وإنما باعتبارها موردًا يمكن استرداد جزء من قيمته. ويمكن في بعض النظم استغلال الكتلة الحيوية الناتجة من عمليات المعالجة في إنتاج منتجات حيوية أو مواد أولية، وفقًا لتركيبها ومستوى تلوثها وطريقة معالجتها.
أما الحديث عن إنتاج الهيدروجين أو الوقود الحيوي من الكتلة الحيوية الطحلبية أو المواد العضوية، فهو مجال بحثي واعد، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فليس كل طحلب أو كل مياه صرف مصدرًا جاهزًا لإنتاج وقود اقتصادي، كما أن وصف الهيدروجين الناتج من عمليات التخمر الحيوي بأنه «أخضر» يتطلب النظر إلى مصدر الطاقة ومدخلات العملية ودورة حياتها كاملة. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذه الأفكار تكمن في تطويرها عبر البحث والتجارب التجريبية وتحليل الجدوى الاقتصادية والبيئية، لا في تقديمها باعتبارها حلولًا مكتملة وجاهزة للتطبيق على نطاق واسع.
وهنا يمكن أن تتحول التقنية الحيوية من مجرد أداة لمعالجة التلوث إلى جزء من استراتيجية أوسع لاستعادة الموارد، بحيث يجري تقليل الملوثات، واسترداد المواد ذات القيمة، وخفض الفاقد، وربط معالجة المياه بمسارات إنتاجية أكثر استدامة.
العلم المصري.. من توثيق البحيرة إلى بناء ذاكرتها البيئية
في هذا السياق تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات البحثية المصرية، ومن بينها شعبة المياه العذبة والبحيرات بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، في دراسة النظم المائية المصرية ورصد تغيراتها وتوثيق المعرفة العلمية المتراكمة عنها. وتوضح المعلومات المنشورة على صفحة المعهد أن جهود الشعبة لا تقتصر على المسوح الميدانية، وإنما تشمل دراسة المياه والرواسب والتنوع البيولوجي ومصادر التلوث، إلى جانب استخدام التقنيات الحديثة في متابعة التغيرات المكانية والزمانية.
وتكتسب عملية توثيق الدراسات القديمة أهمية لا تقل عن أهمية إجراء الدراسات الجديدة. فالبحيرة التي ندرسها اليوم ليست البحيرة نفسها التي كانت موجودة قبل عقود، ولذلك فإن وجود سجلات علمية طويلة المدى يسمح للباحثين بمقارنة التغيرات، وفهم الاتجاهات، وربطها بمشروعات التطوير أو التغيرات المناخية أو تغير استخدامات الأراضي ومصادر الصرف. وهناك دراسات يجب تجميعها وتوثيقها تناولت بحيرات ناصر والمنزلة وقارون ووادي الريان والبحيرات الشمالية، وهو مسار مهم لبناء «ذاكرة علمية» للنظم المائية المصرية.
والتحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو تحويل هذه المعرفة المتراكمة إلى منظومات بيانات مترابطة وقابلة للتحليل، بحيث لا تظل نتائج الدراسات منفصلة في تقارير أو أبحاث متفرقة، وإنما تصبح جزءًا من قواعد بيانات وطنية يمكن تحديثها والاستفادة منها في التخطيط وصنع القرار.
حماية البحيرات تبدأ قبل وصول الملوث إليها
ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من التطور العلمي في مجال حماية البحيرات أن المعالجة الأكثر كفاءة تبدأ خارج البحيرة. فإذا دخلت الملوثات إلى النظام المائي بكميات كبيرة، يصبح التخلص منها أكثر صعوبة وكلفة، بينما يمكن للسياسات الوقائية أن تقلل المشكلة عند مصدرها.
وهذا يعني تحسين معالجة مياه الصرف، وتشديد الرقابة على التصريفات الصناعية، وتحسين إدارة المغذيات والأسمدة والمبيدات، والحد من وصول المخلفات الصلبة والبلاستيكية إلى المجاري المائية، وترشيد استخدام المضادات الحيوية في القطاعات المختلفة، مع تطوير منظومات رصد قادرة على التقاط التغيرات المهمة قبل تفاقمها.
لكن الإدارة المستدامة لا يمكن أن تعتمد على جهة واحدة. فحماية البحيرة تحتاج إلى تعاون بين مؤسسات البحث العلمي والجامعات والجهات البيئية والمائية والزراعية والصحية، إلى جانب المجتمعات المحلية والصيادين والقطاع الخاص. كما أن المجتمع نفسه لا يمكن أن يبقى مجرد متلقٍ للتوعية؛ فالمجتمعات التي تعيش حول البحيرات تمتلك معرفة ميدانية متراكمة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للباحثين وصانعي القرار إذا جرى دمجها في منظومة الرصد والمشاركة المجتمعية.
وهنا تتضح قيمة اليوم العالمي للبحيرات: فهو ليس مناسبة للاحتفاء بالمياه أو الطبيعة فحسب، وإنما فرصة لإعادة تعريف علاقتنا بالبحيرة. فحماية البحيرة ليست مهمة تبدأ عند حافتها، وإنما تبدأ من الحوض الذي يغذيها، ومن المدينة والمزرعة والمصنع والمستشفى والمنزل الذي قد تصل منه الملوثات إليها.
البحيرات المصرية.. رأس مال طبيعي للأجيال القادمة
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى البحيرات المصرية بوصفها مجرد مسطحات مائية تحتاج إلى التطهير أو زيادة الإنتاج السمكي، وإنما باعتبارها رأس مال طبيعيًا يؤدي مجموعة متشابكة من الوظائف البيئية والاقتصادية والاجتماعية. وتختلف قيمة كل بحيرة باختلاف خصائصها، لكن القاسم المشترك بينها هو أن تدهور النظام البيئي لا يظل محصورًا داخل الماء، بل يمكن أن يمتد أثره إلى الغذاء والتنوع البيولوجي وسبل المعيشة والصحة العامة.
ولذلك فإن حماية البحيرات في المستقبل تحتاج إلى مزيج من العلم طويل المدى، والرصد المتكامل، والتكنولوجيا الحديثة، والسياسات الوقائية، والتعاون المؤسسي، والمشاركة المجتمعية. ويأتي إدماج البعد البيئي لمقاومة المضادات الحيوية ضمن هذا التحول، لا باعتباره تهويلًا لخطر جديد، وإنما باعتباره توسيعًا ضروريًا لنطاق الرؤية. فالمقاومة الميكروبية أصبحت قضية عالمية متعددة القطاعات، والاستجابة لها تتجه بصورة متزايدة إلى نهج «الصحة الواحدة» الذي يربط صحة الإنسان والحيوان والنبات والبيئة.
ولعل أهم ما يميز المرحلة الجديدة في علوم البحيرات هو الانتقال من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «لماذا حدث؟»، ثم إلى السؤال الأكثر أهمية: «كيف يمكن أن نعرف ما سيحدث قبل وقوعه؟». وبين هذه الأسئلة الثلاثة يتحرك العلم من الوصف إلى الفهم، ومن الفهم إلى التنبؤ، ومن التنبؤ إلى الوقاية.
إن بحيرات مصر ليست مجرد مياه محاطة باليابسة؛ إنها أنظمة حية تحمل جزءًا من ذاكرتنا البيئية واقتصادنا وغذائنا وتنوعنا الحيوي. وحمايتها لا تعني فقط إنقاذ مورد طبيعي من التلوث، وإنما تعني الحفاظ على منظومة كاملة من الحياة والخدمات البيئية والفرص الاقتصادية. وفي اليوم العالمي للبحيرات، تبدو الرسالة الأهم واضحة: إذا كان الماء أساس الحياة، فإن حماية النظم التي تحتضن هذا الماء هي استثمار مباشر في مستقبل الإنسان. والعلم هو الوسيلة التي تمكننا من الانتقال من مجرد مراقبة تدهور البحيرات إلى فهمه والوقاية منه واستعادة قدرتها على الاستمرار.
هاشتاجات:
#ثروات_مائية_مصرية – #اليوم_العالمي_للبحيرات – #حماية_البحيرات – #نهج_الصحة_الواحدة – #المقاومة_الميكروبية_AMR – #تلوث_المياه – #الاقتصاد_الدائري – #التقنية_الحيوية_البيئية – #البحيرات_الشمالية – #بحيرة_ناصر – #بحيرة_قارون – #الوعي_البيئي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
***
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز