“خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (21)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 15 فبراير 2026
حين تأمل الإنسان في البذرة التي تنمو، وفي الحيوان الذي يستأنس، لم يكن يعلم أنه يُطلق شرارة التحوّل الأعظم في مسيرة البشرية: من الصيد إلى الزراعة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن العزلة إلى الحضارة. لكن خلف هذه التحوّلات الاجتماعية الكبرى، كانت هناك قوة صامتة تعمل في الخفاء: الوراثة.
الزراعة… أول مشروع وراثي بشري
منذ أكثر من عشرة آلاف عام، بدأ الإنسان القديم – في وادي النيل وبلاد الرافدين والهلال الخصيب – أول تجربة “تحسين وراثي” دون أن يعرف هذا المصطلح. حين اختار المزارع الأوّل حبوب القمح الأكبر، أو الثمار الأكثر حلاوة، كان يمارس ببساطة انتخابًا صناعيا موجهًا سيقود إلى استقرار السلالات النباتية وتكوين المجتمعات الزراعية. ومع استقرار الزراعة، استقر الإنسان، وبدأت المدينة الأولى تنبض بالحياة.
جينات التكيّف والبقاء
الحضارة لم تُبنَ بالحجر فقط، بل بجيناتٍ تكيفت مع العمل الجماعي والمناخ والمرض. في وادي النيل مثلًا، ساعدت الطفرات الوراثية في خلايا الدم على مقاومة الملاريا، فكانت الحياة ممكنة وسط المستنقعات. وفي مناطق الجفاف، نشأت صفات فسيولوجية تُمكّن الأجسام من الاحتفاظ بالماء والملح. إنها وراثة البقاء الجماعي، لا بقاء الفرد فقط.
من الجين إلى الجينالوجيا
مع نشوء المجتمعات، بدأ الناس يتتبعون الأنساب والقرابات – ليس بدافع الفخر فقط، بل للحفاظ على “نقاء السلالة” في الماشية والنبات والإنسان. هكذا تحوّل مفهوم “الدم” إلى رمز للهوية والانتماء، قبل أن يدرك العلم الحديث أن كل البشر يحملون أكثر من 99% من الجينات المشتركة. الاختلاف إذن ليس في الجين نفسه، بل في كيف تعزف البيئةُ نغمتَه.
الحضارة ككائن حي
إذا نظرنا إلى الحضارة كما لو كانت كائنًا حيًا، سنجد أنها تنمو، تمرض، تشيخ، وتتجدد. المدن القديمة كانت أشبه بخلايا ضخمة تتبادل الطاقة والمعلومات. ومع كل اكتشاف أو اختراع، كانت “الطفرات الحضارية” تظهر، فينشأ فنّ جديد أو علم جديد. إنها وراثة على مستوى الوعي الجمعي، لا الجسد الفردي.
من وادي النيل إلى وادي السيليكون
بين المزارع المصري القديم الذي انتخب أجود سنابل القمح، والعالم المعاصر الذي يعدّل الجينوم بتقنية CRISPR، خيط واحد ممتد من الرغبة في السيطرة على الوراثة لصالح الحياة. كل حضارة هي فصل جديد من كتاب الجينات؛ يكتبه الإنسان كلما فهم أكثر كيف تعمل الطبيعة.
خاتمة:
الحضارة لم تُبنَ بالحروب ولا بالمعابد وحدها، بل بعلاقةٍ سرّية بين الوراثة والعقل والإرادة. لقد شيدت الجينات مدننا قبل أن نشيدها نحن، وحدها التي علّمتنا كيف نحلم بالاستقرار، وكيف نحول الأرض إلى بيت، والبيت إلى وطن، والوطن إلى حضارة.
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا، مصر، الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين؛ وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز