“وجبة ….. إبداع وابتكار (120) “القيادة الموقفية مقابل التميز الموقفي “

من عقل القائد إلى ذاكرة مؤسسية، نحو بناء قدرة موقفية مؤسسية

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 07 فبراير 2026
لا تفشل كثير من المؤسسات لأنها تفتقر إلى قادة أذكياء، بل لأنها تبني نجاحها على ذكاء لا يمكن نقله ولا تراكمه، ففي كل مرة يتغيّر القائد، أو ينتقل صاحب الخبرة، أو يغيب من كان “يفهم الموقف”، تعود المؤسسة إلى نقطة البداية، وكأن كل ما تعلّمته لم يكن سوى ذاكرة فرد، لا معرفة مؤسسية.

في هذا النوع من المؤسسات، تنجح القرارات حين يكون القائد حاضراً، وتتعثر حين يغيب، تُدار المواقف بالحدس، وتُحتوى الأزمات بالاجتهاد، وتُحلّ المشكلات بالخبرة الشخصية، ومع أن النتائج قد تبدو مقبولة، إلا أن السؤال الأخطر يظل معلقاً، ماذا يحدث عندما تتكرر المواقف نفسها، لكن دون الشخص نفسه؟

هنا لا تكون المشكلة نقص قيادة، بل غياب قدرة مؤسسية على فهم الموقف ذاته، فالفرق كبير بين قائد يعرف كيف يتصرّف في لحظة معقّدة، ومؤسسة صُمّمت لتفهم التعقيد وتستجيب له باستمرار، ومن هذا الفرق تحديداً، ينطلق هذا المقال ليفكك المسافة بين القيادة الموقفية بوصفها مهارة فردية، والتميّز الموقفي بوصفه قدرة تنظيمية قابلة للتعلّم، والتراكم، والتوريث.

حين تصل المؤسسة إلى مرحلة تعتمد فيها على ذكاء أفرادها أكثر من اعتمادها على منطقها التنظيمي، تصبح المواقف اليومية اختبارات شخصية لا ممارسات مؤسسية، عندها لا يعود السؤال: هل نملك قادة أكفاء؟ بل: كيف نتصرف عندما تختلف الظروف، وتتغير الفرق، وتتبدل مستويات الجاهزية؟

في هذا السياق تحديداً، تبرز القيادة الموقفية كاستجابة طبيعية لهذا التعقيد، لأنها تنطلق من افتراض بسيط لكنه حاسم، لا يوجد أسلوب قيادي صالح لكل المواقف، فطريقة القيادة التي تنجح مع فريق مبتدئ قد تفشل مع فريق ناضج، والنهج الذي يُجدي في أزمة عاجلة قد يصبح عبئاً في مرحلة الاستقرار.

القيادة الموقفية، بهذا المعنى، لا تقدّم وصفة جاهزة، بل تمنح القائد قدرة على قراءة اللحظة، وفهم مستوى النضج، واختيار أسلوب التدخل الأنسب، وهي بذلك تمثل خطوة متقدمة مقارنة بالقيادة النمطية، التي تعتمد أسلوباً ثابتاً وتفترض قابلية تعميمه على مختلف المواقف، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدودها الخاصة، إذ تظل هذه القدرة مرهونة بوعي القائد نفسه وبحضوره المباشر في قلب الموقف.

غير أن هذه القدرة، على أهميتها، تظل محدودة ما لم تجد ما يحميها ويستوعبها على المستوى المؤسسي، فالقيادة الموقفية تمنح المؤسسة استجابة فعالة في اللحظة، لكنها لا تضمن بالضرورة تراكم الفهم ولا انتقال الخبرة عبر الزمن. ومع تكرار المواقف، وتعدد الوحدات، وتغيّر القيادات، يصبح الاعتماد على الذكاء الفردي وحده عبئاً تنظيمياً أكثر منه ميزة، من هنا لا يكون السؤال: هل القيادة الموقفية كافية؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا الوعي اللحظي إلى معرفة مؤسسية، وهذه الاستجابة الذكية إلى قدرة تنظيمية لا ترتبط بشخص، بل بطريقة عمل؟

هذا الافتراض، وإن كان ممكناً في بعض السياقات، لا يمكن ضمانه على الدوام داخل المؤسسات، خاصة تلك الكبيرة أو متعددة الوحدات، فحين تصبح جودة الاستجابة مرهونة بوجود قائد بعينه، تتحول القيادة الموقفية من نموذج تنظيمي إلى مهارة شخصية، قابلة للغياب أو التفاوت أو التآكل مع تغيّر الأشخاص والظروف.

من هذا المنطلق، لا يصبح السؤال المطروح هو مدى براعة القائد في قراءة الموقف، بل قدرة المؤسسة على عدم الارتهان لهذه البراعة وحدها، فالمشكلة لا تظهر عندما ينجح القائد الموقفي في لحظة معقّدة، بل عندما تتكرر المواقف، وتتعدد السياقات، وتختلف الوحدات، بينما تبقى الاستجابة مرهونة بذات الحس الفردي، هنا يتضح أن القيادة الموقفية، على أهميتها، تُدير اللحظة، لكنها لا تُنتج بالضرورة قدرة مؤسسية على التعامل مع اللحظات المتشابهة مستقبلاً.

عند هذه النقطة يبدأ التحول المفاهيمي من القيادة الموقفية إلى ما يمكن تسميته بالتميّز الموقفي، فالتميّز الموقفي لا ينطلق من افتراض وجود قائد استثنائي في كل موقف، بل من تصميم بنية تنظيمية قادرة على فهم الموقف، وتفسيره، وتوليد الاستجابة المناسبة بشكل متّسق، هنا لا يُلغى دور القائد، بل يُعاد تعريفه؛ من صانع للاستجابة إلى مُمكّن لنظام يعرف كيف يستجيب.

وبهذا المعنى، لا يعود التكيّف مهارة شخصية تُمارس عند الحاجة، بل يتحول إلى ممارسة مؤسسية يومية، تُترجم عبر السياسات، وآليات اتخاذ القرار، ونماذج التفويض، ومسارات التعلّم، فالتميّز الموقفي هو اللحظة التي تنتقل فيها قراءة الواقع من عقل القائد إلى عقل المؤسسة، ومن الاجتهاد اللحظي إلى القدرة القابلة للتكرار والاستدامة.

يتجلى هذا التحول بوضوح عند النظر إلى تجربة Toyota، الشركة اليابانية التي تأسست عام 1937 وتعمل في صناعة السيارات عالمياً، كثيراً ما يُختزل نجاحها في مفهوم Kaizen، غير أن هذا الاختزال يُغفل جوهر التجربة، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في التحسين المستمر بوصفه أداة، بل في بناء نظام يجعل المصنع نفسه قادراً على قراءة الموقف والتصرف بناءً عليه، والعامل في خط الإنتاج لا ينتظر توجيهاً من القائد عند اكتشاف خلل، بل يمتلك الصلاحية لإيقاف الخط فوراً. فالخطأ لا يُعاقَب عليه، بل يُفهم بوصفه معلومة، وهنا يتحول الموقف من تهديد إلى معرفة، ومن خلل إلى فرصة تعلّم.

في هذا النموذج، لا يُدار الموقف عبر تدخل القيادة، بل عبر نظام يفهم متى يتوقف، ومتى يغيّر مساره، وهذا هو التميّز الموقفي في صورته الناضجة، مؤسسة لا تعتمد على ذكاء شخصي، بل على بنية تنظيمية تجعل الاستجابة للموقف سلوكاً تلقائياً.

وفي سياق آخر مختلف شكلاً، لكن متقارب في الجوهر، تبرز تجربة Spotify، الشركة السويدية التي تأسست عام 2006 وتعمل في مجال بث المحتوى الصوتي عالمياً، منذ بداياتها، أدركت أن العمل في بيئة رقمية سريعة التغيّر لا يحتمل مركزية القرار ولا الجمود التنظيمي، لذلك صمّمت هيكلها على أساس فرق صغيرة مستقلة (Squads)، لكل منها صلاحيات واسعة لاتخاذ القرار ضمن إطار عام واضح.

في Spotify، لا تُفرض طريقة واحدة للقيادة أو العمل، بل يُسمح لكل فريق أن يكيّف أسلوبه بحسب نضجه وطبيعة مهمته وسرعة التغيّر في محيطه، وهنا لا تكون القيادة الموقفية مهارة شخص، بل ثقافة مؤسسية، فالمرونة ليست استجابة طارئة، بل جزءاً من التصميم التنظيمي، وبهذا تصبح الرشاقة قدرة مؤسسية لا اجتهاداً فردياً، ويغدو التكيّف نتيجة طبيعية لطريقة العمل نفسها.

تكشف هذه النماذج أن التميّز الموقفي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم المرونة التنظيمية، والرشاقة، واليقظة المؤسسية، والتعلّم التنظيمي، فالمؤسسة المتميزة موقفياً لا تنتظر الأزمة لتفهم واقعها، بل تملك حساسية عالية لأي تغيّر، وتعيد ضبط قراراتها بسرعة دون ارتباك، وهي لا تكتفي بردّ الفعل، بل تبني قدرتها على استشراف السيناريوهات المحتملة، والاستعداد لها قبل وقوعها.

ويكتمل فهم التميّز الموقفي عند ربطه بنظرية التعلّم التنظيمي، بوصفها الإطار الذي يحوّل الاستجابة اللحظية إلى معرفة متراكمة، فالمؤسسة التي تتعلّم لا تتعامل مع الموقف كحادثة منفصلة، بل كمدخل لفهم أعمق لأنماط السلوك، ومستويات النضج، ونقاط القوة والضعف في بنيتها القيادية، وهنا لا يقتصر دور القائد على اختيار الأسلوب المناسب، بل يمتد إلى تمكين المؤسسة من “تذكّر” ما تعلّمته، وتخزين هذا الفهم في السياسات، والإجراءات، ونماذج اتخاذ القرار، عندها يتحوّل التكيّف من ردّ فعل ذكي إلى قدرة مؤسسية واعية.

ومن هنا يصبح الربط بين التميّز الموقفي والحوكمة أمراً حتمياً، فالمرونة غير المحكومة قد تتحول إلى فوضى، والحوكمة الصلبة غير المرنة قد تتحول إلى جمود، أما التميّز الموقفي الحقيقي، فهو ذاك الذي يجعل المؤسسة قادرة على التكيّف ضمن أطر واضحة، تحكم القرار دون أن تخنقه، وتنظّم الاستجابة دون أن تقتل المبادرة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية بناء مختبرات الابتكار ومنصات التفكير المؤسسي، لا بوصفها أدوات تقنية، بل باعتبارها آليات تنظيمية تُسهم في تحويل قراءة الموقف من اجتهاد فردي إلى ممارسة جماعية، ومن عقل القائد إلى عقل المؤسسة، ومن حدث عابر إلى معرفة قابلة للتراكم، فالمختبر هنا يعمل كمساحة منظّمة تُفكَّك فيها المواقف المتغيّرة، وتُناقش التحديات الواقعية، وتُختبر الاستجابات المحتملة قبل تعميمها، وبهذا الدور، لا يخدم المختبر الابتكار بحد ذاته فقط، بل يدعم التميّز الموقفي، عبر تحويل الخبرة اللحظية إلى معرفة مؤسسية متراكمة، تجعل المؤسسة قادرة على التكيّف دون انتظار تدخل قيادي مباشر، ويصبح الموظف شريكاً في فهم الموقف وصناعة الاستجابة، لا منفّذاً للتوجيه فقط.

في المحصلة، تمنح القيادة الموقفية القائد قدرة ثمينة على النجاة في لحظة معقّدة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الاستدامة، فهي تعتمد على وعي الفرد، وحساسيته، وسرعة قراءته للمشهد، وتظل فاعليتها مرهونة بحضوره واستمراره. أما التميّز الموقفي، فينطلق من منطق مختلف، إذ يُبنى على وعي النظام لا وعي الشخص، ويحوّل فهم اللحظة من مهارة قيادية إلى قدرة مؤسسية راسخة.

وعندما تنجح المؤسسة في هذا الانتقال، لا يعود الموقف اختباراً لحنكة القائد، بل مؤشراً على نضج البنية التنظيمية نفسها، فالمؤسسة التي تمتلك قدرة موقفية مستدامة لا تُدار بردّ الفعل، ولا تُسيّر بالاجتهاد اللحظي، بل تتحرك بعقل مؤسسي يفهم التغيّر، ويتعلّم منه، ويحوّله إلى معرفة قابلة للتراكم والتوظيف.

هنا لا تصبح المرونة تنازلاً، ولا الحوكمة قيداً، بل إطاراً ذكياً يوازن بين الانضباط والتكيّف، ويتجاوز الأداء حدود اللحظة، ليغدو التكيّف ممارسة واعية، والتعلّم وظيفة تنظيمية، والاستجابة قراراً مبنياً على فهم لا ارتباك.

وبهذا المعنى، لا تقود المؤسسة بالموقف، ولا تُختبر بقيادتها في كل أزمة، بل تُدار بقدرة موقفية متكاملة، قادرة على الاستمرار، والتجدّد، والعمل بثقة داخل تعقيد الواقع، مهما تغيّرت الظروف وتبدّلت القيادات.

الكلمات المفتاحية:
القيادة الموقفية، التميز الموقفي، المرونة المؤسسية، الرشاقة التنظيمية، اليقظة المؤسسية، التعلم التنظيمي، استدامة القيادة، التكيف المؤسسي، حوكمة القرار، النضج المؤسسي، نماذج تطبيقية (Spotify، Toyota).

(*) الدكتور أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي متخصص في الجودة والتميز المؤسسي. عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

المراجع:
1. عبد الغني، محمد حسن (2017)، القيادة الإدارية: منظور كلي، القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع.
2. السلمي، علي (2018)، الإدارة الاستراتيجية للمؤسسات، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
3. توفيق، عبد الرحمن (2017)، القيادة الإبداعية وإدارة التغيير، عمّان: دار الراية للنشر والتوزيع.
4. الحارثي، ناصر بن عايض (2021)، المنظمات في عصر الاضطراب: كيف تقود في عالم متغير، الرياض: دار الرشد.
5. القحطاني، سالم بن سعيد (2017)، القيادة الإدارية: المفاهيم والتطبيقات المعاصرة، الرياض: مكتبة العبيكان.
6. هيرسي، بول، وبلانشارد، كينيث (2013)، القيادة الموقفية: إدارة السلوك التنظيمي، ترجمة المنظمة العربية للتنمية الإدارية. القاهرة.
7. سينج، بيتر (2010)، المنظمة المتعلّمة. ترجمة المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (121) “القيادة الرشيقة مقابل التميز الرشيق “

كيف تتحوّل الرشاقة من أسلوب قيادي إلى نبض مستدام؟ شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *