“وجبة ….. إبداع وابتكار (124) “القيادة بالأمان وصناعة الوفاء … قراءة في مدرسة القيادة الإماراتية “

هل يمكن للقيادة أن تصنع الوفاء؟ أم أن الوفاء لا يُصنع، بل يُستحق؟

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي، 05 مارس 2026
في أوقات الاستقرار تبدو القيم هادئة، تعيش في خلفية الحياة اليومية دون أن يلتفت إليها الناس كثيراً، لكن في أزمنة الاستثناء، حين تضطرب الجغرافيا وتعلو ضوضاء السياسة وتتشابك المصالح، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: ما معنى الأمان؟ وما معنى الانتماء؟ وهل يمكن للقيادة أن تبني علاقة مع المجتمع تتجاوز السلطة إلى الثقة؟

الأمان في جوهره ليس مجرد غياب الخطر، بل حضور الكرامة الإنسانية، وليس حماية الحدود فقط، بل حماية الإنسان في حياته وحقوقه ومستقبله، ولهذا فإن القيادة التي تبني الأمان لا تديره أمنياً فقط، بل تؤسسه قيمياً؛ فهي تدرك أن الإنسان لا يثبت مع من يخيفه، بل مع من يحفظ كرامته، ولا يلتزم بمن يضغط عليه، بل بمن يطمئنه.

الثقة هي الحلقة الفاصلة بين السلطة والوفاء؛ فالسلطة يمكن أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الوفاء، أما القيادة التي تبني الأمان وتحمي الكرامة فإنها تزرع في داخل الإنسان استجابة أخلاقية تتجاوز الالتزام الظاهري.
أن فهم القيادة بالأمان في الإمارات لا يمكن فصله عن المدرسة القيادية التي أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، وقد ناقشنا في مقالة سابقة مفهوم «القيادة بالمحبة» الذي ميّز تجربته القيادية، وهي فلسفة لم تُبنَ على السلطة وحدها، بل على علاقة إنسانية عميقة بين القائد وشعبه.

فالقيادة عند الشيخ زايد لم تكن سلطة تُمارس من أعلى، بل محبة تُبنى في القلب قبل أن تُكتب في القانون، وهذه المحبة لم تكن شعوراً عاطفياً مجرداً، بل تحولت إلى منهج في الحكم: مجالس مفتوحة، إنصات للناس، تنمية تضع الإنسان قبل الحجر، وتسامح يجعل التنوع مصدر قوة لا سبب انقسام، وفي مثل هذه البيئة لا يُفرض الولاء، بل ينشأ طبيعياً؛ لأن العلاقة بين القائد والمجتمع تقوم على الثقة قبل السلطة.

وواصل المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان (طيب الله ثراه) هذا النهج بروح الدولة الراسخة، ثم جاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (حفظه الله) ليمنحه بعداً جديداً يجمع بين إنسانية القيادة وعمق الاستشراف.
ومن هنا يمكن فهم فلسفة الأمان في الإمارات اليوم؛ فهي ليست سياسة مؤقتة، بل امتداد لمدرسة قيادية بدأت بالمحبة، وترسخت بالثقة، ثم تحولت إلى منظومة أمان يشعر بها كل من يعيش على أرض هذا الوطن.

في هذا السياق يمكن قراءة التجربة الإماراتية بوصفها نموذجاً قيادياً يستحق التأمل، فعندما اشتدت جائحة كورونا عالمياً واهتزت اقتصادات وأنظمة صحية في دول كثيرة، خرج صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (حفظه الله) بكلمته التي أصبحت علامة في الذاكرة الجماعية:

»لا تشلون هم«
لم تكن هذه العبارة مجرد خطاب تطميني، بل ممارسة قيادية تعلن أن الدولة تتحمل القلق نيابة عن المجتمع، فهي تعبير عن فلسفة قيادة ترى أن الاستقرار مسؤولية القيادة قبل أن يكون مسؤولية المجتمع، لم تبقِ هذه الطمأنة في إطار الكلمات، بل ترجمت إلى سياسات وإجراءات اقتصادية وصحية حافظت على استقرار المجتمع واستمرار الخدمات للجميع.

وفي سياق آخر عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (حفظه الله) عن فلسفة أعمق للعلاقة بين القيادة والمجتمع حين قال:
»إلى شعب الإمارات الكريم، إلى سند الوطن وقوته، إلى كل من يعتبر الإمارات وطناً، وكل من يسهم في أن نخطو خطوة أخرى من أجل الوطن… نحن محظوظون بكم«

هذه العبارة تختصر رؤية كاملة للحكم، فالانتماء هنا لا يُعرّف تعريفاً قانونياً ضيقاً، بل تعريفاً قيمياً يقوم على الاعتبار والمساهمة، كما أن قول «نحن محظوظون بكم» يعكس تحولاً في منطق السلطة، حيث ترى القيادة في المجتمع شريكاً في بناء الوطن لا مجرد متلقٍ للخدمات.
في هذه الرؤية تتحول العلاقة بين القيادة والمجتمع من علاقة رعاية إلى علاقة شراكة قائمة على الثقة المتبادلة، فالمواطن والمقيم كلاهما جزء من منظومة الاستقرار، وكلاهما عنصر في بناء المستقبل؛ لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على السلطة وحدها، بل على شعور المجتمع بأن القيادة تثق به كما يثق هو بقيادته.

ولعل ما يميز التجربة الإماراتية أن الأمان فيها لا يقتصر على الأمن بالمعنى التقليدي، بل يمتد إلى منظومة واسعة من الاهتمام والرعاية والكرامة الإنسانية، فقد ارتفع مستوى العناية بالإنسان في الدولة إلى درجة يشعر معها كثير من الناس بأن حياتهم وكرامتهم ورفاهيتهم جزء من أولويات الدولة.
ولا يقتصر هذا المستوى من الاهتمام على المواطنين، بل يشمل المقيمين أيضاً، الذين يعيشون ضمن منظومة قانونية واجتماعية تحترم إنسانيتهم وتتيح لهم فرص العمل والنجاح والمشاركة في بناء المجتمع.

هنا يتشكل الفرق الجوهري بين نماذج القيادة، فبعض القيادات تدير المجتمع عبر الخوف والقلق، حيث يُستخدم الخطر كوسيلة للضبط، وفي مثل هذه البيئات قد يوجد التزام ظاهري، لكن الثقة تبقى ضعيفة والوفاء هشاً.
أما القيادة التي تبني الأمان الحقيقي فإنها تختار طريقاً مختلفاً، فهي ترفع مستوى الكرامة، وتبني الاستقرار، وتتعامل مع المجتمع بوصفه شريكاً في المستقبل، وفي مثل هذه البيئة لا يُفرض الوفاء، بل ينشأ طبيعياً.
وبالعودة إلى السؤال الأساسي: هل يمكن للقيادة أن تصنع الوفاء؟

يمكن الإجابة عليه بأن القيادة لا تصنع الوفاء بقرار، لكنها تصنع شروط استحقاقه، فالوفاء لا يُفرض ولا يُنتزع ولا يُشترى بالمصالح؛ بل ينشأ حين يشعر الإنسان أن كرامته محفوظة، وأن الاستقرار الذي يعيشه لم يكن مصادفة، بل خياراً قيادياً واعياً.
القيادة التي تحفظ الكرامة في الرخاء، وتحمي المجتمع في الأزمات، وتساوي بين الناس في الحقوق، لا تطلب الوفاء… لكنها تجده.

في تجربة الإمارات لم يُبنَ الأمان كسياسة عابرة، بل كقيمة قيادية متجذرة، فمنذ تأسيس الدولة على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، وحتى مسيرتها اليوم بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (حفظه الله)، ظل الإنسان محور التنمية، وظلت الكرامة الإنسانية أساس الاستقرار.

ولهذا فإن الأمان الذي تعيشه الإمارات اليوم لم يُخلق في لحظة، بل بُني عبر عقود من القيادة التي اختارت طريق الحكمة والإنسانية والاستقرار.
هكذا تتشكل مدرسة القيادة الإماراتية: التي بدأت بالمحبة مع زايد، وترسخت بالمؤسسية مع خليفة، وتجلت بالأمان والثقة في عهد محمد بن زايد.

وعندما تعلن القيادة ثقتها بالمجتمع بقولها: «نحن محظوظون بكم»، فإنها لا تمارس خطاباً سياسياً، بل تؤسس لعلاقة أخلاقية متبادلة، وهنا يصبح الوفاء تعبيراً عن فهم عميق لمعنى الوطن؛ ليس وفاءً لسلطة، بل وفاءً لقيمة، وليس امتناناً لحظة، بل التزاماً أخلاقياً تجاه المكان الذي منح الإنسان الأمان والكرامة والفرصة.

وفي عالم يموج بالصراعات والانقسامات، يصبح الحفاظ على هذه القيم مسؤولية مشتركة بين القيادة والمجتمع، وهنا يتشكل السؤال الذي لا ينبغي أن يبقى نظرياً:
حين يمنحك وطن الأمان دون تفرقة، ويصون كرامتك دون شرط، ويفتح لك أبواب الحياة والعمل والمستقبل… هل يكون الوفاء مجرد خيار؟ أم يصبح موقفاً أخلاقياً يعبّر عن وعي الإنسان بقيمة ما عاشه؟
ربما هنا تكمن الحقيقة الأعمق في فلسفة القيادة:
الوفاء لا يُطلب من الشعوب… بل تولده القيادات التي تجعل الأمان والكرامة أسلوب حياة.

الكلمات المفتاحية:
القيادة بالأمان، الوفاء القيادي، مدرسة القيادة الاماراتية، القيادة بالمحبة، الثقة المجتمعية، القيادة التحويلية، القيادة التشاركية، القيادة التبادلية، الاستقرار المجتمعي.

(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

المراجع:
1. باس، برنارد م.، وأفوليو، بروس ج (1994)، القيادة التحويلية: تطوير الأداء القيادي، القاهرة: المنظمة العربية للتنمية الإدارية.
2. بوتنام، روبرت د (2007)، صناعة الديمقراطية: التقاليد المدنية في إيطاليا الحديثة، القاهرة: المركز القومي للترجمة.
3. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2016)، الحوكمة وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
4. السويدي، جمال سند (2012)، الآفاق المستقبلية للأمن والاستقرار في دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
5. السويدي، جمال سند (2017)، السراب. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
6. فوكوياما، فرانسيس (2012)، الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الرخاء (ترجمة معين الإمام)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
7. كوزس، جيمس م، وبوسنر، باري ز (2019)، تحدي القيادة: كيف ننجز أشياء استثنائية في المؤسسات، الرياض: مكتبة جرير.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (122) “القيادة الأخلاقية مقابل التميز القيمي “

هل يمكن للفضيلة أن تتحوّل من سلوك قائد… إلى نظام يحكم مؤسسة كاملة؟ شبكة بيئة …

6 تعليقات

  1. كفيت ووفيت يا دكتور

  2. استاذ انيس تحياتي الطيبة وشكري الجزيل لكم في طرحكم هذا الموضوع
    اشكرك على انك قد تحسست الوتر الحساس الذي تعاني منه معظم شعوبنا ودولنا العربية، للأسف ان اي سلطة في منطقتنا لم تجهد نفسها إلى العمل في ما طرحته في موضوعك المهم جدا في بناء الثقة للمواطن بالسلطة والذي نحن بأمس الحاجة لهكذا نهج يحفظ كرامة المواطن العربي.
    ان تجربة دولة الامارات العربية المتحدة 🇦🇪 والنهج الذي سار عليه المؤسسين الاوائل وسار على نهجهم الجيل الذي قاد هذه الدولة إلى ما وصلت اليه. كان بناء الانسان هدفهم الاول وجميعنا يستشهد بكلمات الشيخ زايد بيض الله ثراه مقولته:
    (إن بناء الإنسان في المرحلة المقبلة ضرورة وطنية وقومية تسبق بناء المصانع والمنشآت، لأنه من دون الإنسان الصالح، لا يمكن تحقيق الازدهار والخير لهذا الشعب.).
    كان دائما يحض على الانسان اولا” كرامته امانه راحته سعادته تامين كل متطلباته لان يعلم علم اليقين إذا ما تأمن للإنسان هذه الأساسيات سيكون مبدعا في عمله مفتخرا بوطنه مستبسلا في حماية ارضه يجاهد في سبيل ان يظل اسم وطنه دائما مرفوعا إلى عنان السماء، حتى ان هذا النهج انتقل الينا نحن المقيمين في هذا البلد الكريم وأصبح ولائنا للإمارات مماثلا وربما اكبر من ولائنا لاوطاننا الأصلية لاننا وجدنا في هذا البلد الكريم السعادة والاحترام والامان والبيئة الخصبة لتربية اولادنا على نهج صحي وسليم فكان منهم الإبداع في كل نواحي حياتهم ان دراسيا او في العمل.
    ان نهج الإمارات يجب ان يكون أسلوب حياة يعمم على سائر بلداننا العربية لكي نتخلص من عقدة السلطة المطلقة التي استراتجيتها التضيق على شعوبها في سبيل استمرار سيطرتها على السلطة. ان الإمارات من خلال الأزمات التي مرت بها من أزمة اقتصادية عام ٢٠٠٨ التي عصفت بمعظم دول العالم خرجت الامارات منها أقوى مما كانت عليه. ثم جائحة كورونا والتي أبدعت دولة الإمارات بكيفية ادارتها لهذه الأزمة والتي تميزت بها على كافة دول العالم وهذا النهج نتج عنه تقوية مكانتها دوليا مما جعلها من اكثر دول العالم نموا اقتصاديا وتجاريا وسياسيا
    وما تواجهه اليوم من تحديات بسبب العدوان الإيراني الجبان والغاشم اثبت مدى اللحمة بين السلطة والشعب من مواطنين والمقيمين على حد سواء اظهروا مدى حبهم لهذا الوطن ومدى استعداد الجميع لتقديم ما لديه وما يستطيع فعله في سبيل الحفاظ على سلامة وأمن هذا الوطن والزود عنه. وهذا هو نتاج السياسة الحكيمة التي اتّبعتها دولة الإمارات في الاستثمار بالإنسان اولا” وهي الان تقطف ثمار هذا النهج والذي يتجلى بالولاء للوطن والأرض والدولة والامان والاستقرار والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي وهي اللبنة الأساسية للتنمية المستدامة والشاملة.
    ادام الله على دولة الامارات شيوخا وحكام ومواطنين ومقيمين الامن والامان في ظل قيادته الرشيدة وعلى رأسها صاحب سمو الشيخ محمد بن زايد ال نهيان حفظه الله ورعاه واصحاب السمو الشيوخ حكام الامارات وأولياء عهودهم

    • استاذ حسن ، أشكرك على هذا التعليق العميق، وعلى استحضارك مقولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي تلخص جوهر فلسفة التنمية في دولة الإمارات، حيث كان الإنسان دائماً في قلب المشروع الوطني.
      ولعل ما تفضلت به يؤكد فكرة المقال الأساسية: أن الاستثمار في الإنسان وبناء كرامته وثقته بوطنه هو الطريق الحقيقي لبناء الاستقرار والوفاء.
      تقديري لك ولملاحظتك القيّمة.

  3. جزاك الله خير دكتور انيس رالتوفيق

    • أستاذ ربيع،
      جزاك الله خيراً،
      أشكرك على كلماتك الطيبة، وأسعدني مرورك وتعليقك الكريم.
      كل التقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *