حين يتحول العمل المشترك من مبادرة قائد إلى بنية تجعل التعاون ضرورة لا خياراً
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 2 مايو 2026
تبدو كثير من المؤسسات وكأنها تعمل بروح الفريق، لكنها في الواقع تعمل بمجموعة من الأفراد الذين يجتمعون دون أن يتحولوا إلى فريق حقيقي، يتحدثون بلغة التعاون، ويتشاركون في الاجتماعات، ويبدون منسجمين في الظاهر، لكن كل فرد يحتفظ بمعرفته، ويتحرك ضمن حدوده، وكأن الفريق إطار شكلي لا يغيّر من طبيعة الأداء الفردي شيئاً، وهنا لا يكون غياب التعاون هو المشكلة، بل غياب الفريق بوصفه وحدة عمل حقيقية، قادرة على تحويل الجهود الفردية إلى نتيجة مشتركة.
في هذا المستوى، لا يمكن النظر إلى الفريق بوصفه تجمّعاً تنظيمياً، بل بوصفه البنية الأساسية التي يتشكل داخلها العمل، فالفريق الحقيقي لا يُقاس بعدد أفراده، بل بدرجة الترابط بين أدوارهم، وبمدى اعتماد كل مهمة على مهمة أخرى، وعندما يُصمم العمل بحيث يستطيع الفرد أن ينجز دون الحاجة إلى الآخرين، فإن ما يُسمى تعاوناً يبقى سلوكاً اختيارياً، لا ضرورة تشغيلية، أما عندما يُبنى العمل على أساس الاعتماد المتبادل، فإن التعاون يتحول من خيار إلى شرط، ومن سلوك إلى نظام، وهو ما تؤكده نظرية الاعتماد المتبادل الاجتماعي التي ترى أن ترابط الأهداف هو العامل الحاسم في تحديد نمط العلاقة بين الأفراد، سواء كانت تعاونية أو تنافسية.
وفي هذا الإطار، لا يكون التعاون ناتجاً عن القيم فقط، بل عن تصميم العمل نفسه، كما تدعم ذلك أدبيات الذكاء الجمعي، التي تشير إلى أن الأداء الجماعي لا يعتمد على مجموع قدرات الأفراد، بل على جودة التفاعل بينهم وقدرتهم على التنسيق وتبادل المعرفة، بحيث يصبح الفريق وحدة لإنتاج الفهم لا مجرد تجمّع للمهارات، ومن هنا، يصبح الفريق ليس تجمّع مهارات، بل نظاماً لإنتاج المعرفة.
تظهر القيادة التعاونية بوصفها استجابة واعية من القائد لهذا التعقيد، فهي تعيد توزيع الفهم قبل أن تعيد توزيع المهام، وتفتح المجال للحوار، وتدفع نحو مشاركة المعرفة، وتجعل القرار نتيجة تفاعل لا نتيجة توجيه، وهو ما يتقاطع مع ما طرحته أدبيات القيادة التشاركية التي تؤكد أن إشراك الأفراد في القرار يعزز جودة النتائج ويزيد من التزام الفرق، غير أن هذا النمط، رغم أهميته، يظل محدوداً بحدود القائد نفسه، وبقدرته على خلق هذه البيئة، وباستعداده للتنازل عن مركزية القرار.
وهنا تبدأ المفارقة التي لا تظهر في الخطاب، بل في الممارسة، فالقائد قد ينجح في خلق فريق متعاون داخل نطاقه، لكنه يعمل داخل مؤسسة لا تحتاج هذا التعاون فعلياً، أو لا تبني عليه، أو لا تكافئه، وفي هذه الحالة، يصبح التعاون تجربة مؤقتة، تنتهي بانتهاء القائد، لأن المؤسسة لم تتحول، بل بقيت تعمل بمنطق فردي مغلف بلغة جماعية.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في تجارب مؤسسية لم تعجز عن العمل الجماعي، لكنها عجزت عن تحويله إلى بنية، فقد واجهت (Boeing)، التي تأسست في الولايات المتحدة عام 1916 وتعد من أكبر شركات صناعة الطائرات في العالم، أزمة عميقة في برنامج (737MAX)، لم تكن تقنية في جوهرها بقدر ما كانت نتيجة خلل في بنية التعاون بين الفرق.
فقد تبين أن المعلومات المتعلقة بنظام التحكم في الطائرة (MCAS) لم تكن متداولة بشكل متكامل بين الفرق الهندسية، ولم تصل بالصورة الكافية إلى جهات الاختبار والتنظيم، كما لم يكن هناك إطار يفرض دمج هذه المعرفة في صورة واحدة تُبنى عليها القرارات، وهنا لم يكن الأفراد يعملون بمعزل، لكن العمل لم يكن مصمماً ليجعلهم يعتمدون على بعضهم البعض بشكل حقيقي.
وكانت النتيجة مباشرة: قرارات غير مكتملة، فهم جزئي للمخاطر، واختلال في التقدير، انتهى بحوادث مأساوية، وخسائر بشرية، وإيقاف الطائرات عالمياً، وتكلفة مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، إضافة إلى تضرر الثقة المؤسسية بشكل حاد.
وهنا لا يكون غياب التعاون هو المشكلة، بل غياب البنية التي تجعل التعاون شرطاً لاتخاذ القرار، فالمعرفة كانت موجودة، لكن غياب ترابطها حوّلها من قوة إلى خطر.
في المقابل، يظهر التميز التعاوني عندما تتحول هذه البنية إلى أساس للعمل، كما يتجلى في تجربة (Spotify)، التي تأسست في السويد عام 2006، حيث لم تكتفِ بتشجيع التعاون، بل أعادت تصميم العمل بحيث لا يمكن إنجازه دون هذا التعاون، فقد اعتمدت الشركة نموذجاً تنظيمياً يقوم على فرق صغيرة تُعرف بـ “Squads”، تعمل بشكل مستقل، لكنها في الوقت نفسه مترابطة ضمن إطار أوسع يفرض التنسيق المستمر، كل فريق مسؤول عن جزء من المنتج، لكن هذا الجزء لا يعمل بكفاءة إلا إذا تكامل مع بقية الأجزاء، مما يجعل تبادل المعرفة والتنسيق اليومي ضرورة تشغيلية، لا خياراً تنظيمياً.
وكانت النتيجة واضحة: قدرة عالية على الابتكار السريع، إطلاق مستمر للتحديثات، تقليل زمن اتخاذ القرار، ومرونة في التكيف مع التغيرات، دون الاعتماد على مركزية إدارية، وهنا لا يكون النجاح نتيجة تعاون شكلي، بل نتيجة نظام يجعل العمل الجماعي هو الطريق الوحيد للإنجاز.
في هذا النموذج، لا يحتاج القائد إلى أن يطلب من الأفراد التعاون، لأن العمل نفسه لا يكتمل دون هذا التعاون، والفريق هنا ليس إطاراً تنظيمياً، بل وحدة إنتاج حقيقية، والمعرفة ليست مورداً فردياً، بل ناتجاً جماعياً يتشكل من خلال التفاعل، وهنا يتحول التعاون من قيمة يُنادى بها، إلى آلية يعمل بها النظام.
وبين نموذج (Boeing) الذي أدى فيه ضعف ترابط المعرفة إلى قرارات ناقصة ونتائج مكلفة، ونموذج (Spotify) الذي حوّل الترابط إلى مصدر للسرعة والابتكار، يتضح أن الفارق لا يكمن في وجود الفرق، بل في تصميم العلاقة بينها، فالتعاون عندما لا يكون ضرورياً، لا يمنع الخطأ، وعندما يصبح جزءً من البنية، لا يسرّع الإنجاز فقط، بل يرفع جودة القرار ذاته.
وهنا، لا يعود السؤال: هل لدينا فرق عمل، بل: هل يعملون كفريق؟ وهل يحتاجون إلى بعضهم البعض فعلياً؟
فإذا كان العمل يمكن إنجازه دون هذا الترابط، فإن التعاون سيبقى خياراً مهما تم الترويج له، أما إذا كان العمل مصمماً بحيث لا يكتمل إلا من خلال التفاعل، فإن التعاون يصبح سلوكاً طبيعياً لا يحتاج إلى توجيه.
إذاً، لا يمكن النظر إلى القيادة التعاونية والتميز التعاوني بوصفهما امتداداً واحداً، بل انتقالاً نوعياً في طبيعة المؤسسة، فالقيادة التعاونية تغيّر سلوك القائد، لكنها لا تكفي لتغيير النظام، بينما التميز التعاوني يعيد تصميم المؤسسة بحيث يصبح التعاون جزءً من بنيتها، الأولى تخلق تجربة، أما الثانية فتبني قدرة.
ومع تعقّد البيئات التنظيمية، لم يعد كافياً أن نمتلك قادة يؤمنون بالتعاون، بل أصبح من الضروري أن نبني مؤسسات تجعل التعاون شرطاً للإنجاز، وهنا لا يعود الفريق خياراً تنظيمياً، بل جوهر العمل، ولا تعود القيادة هي التي تصنع التعاون، بل يصبح التعاون أحد مخرجات التصميم المؤسسي.
وهنا يتحقق التحول الحقيقي: من فريق يعمل معاً إلى نظام لا يعمل إلا بهم.
القيادة التعاونية، التميز التعاوني، العمل الجماعي، فرق العمل، التعاون المؤسسي، الأداء الجماعي، الاعتماد المتبادل، الذكاء الجمعي، التكامل بين الفرق، تبادل المعرفة، السلوك التعاوني، التميز المؤسسي، النضج التنظيمي، ثقافة العمل الجماعي، التحول المؤسسي، (Spotify)، (Boeing 737 MAX).
(*) د. أنيس رزوق، أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
المراجع:
1. بسيوني، فاضل (2020)، ديناميكيات العمل الجماعي وبناء فرق فعّالة، مكتبة الأنجلو المصرية.
2. الزهراني، أحمد (2019)، القيادة التشاركية وأثرها على أداء المنظمات، دار الرشد.
3. جونسون، ديفيد، وجونسون، روجر (2009)، التعاون والتنافس: نظرية الاعتماد المتبادل الاجتماعي (ترجمة عربية)، مكتبة جرير.
4. Malone, T. W. (2018). Superminds: The surprising power of people and computers thinking together.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز