• لبنان: شح المياه بين وفرة الأمطار وضعف الإدارة
• سوريا: البنية التحتية المائية تحت أنقاض النزاع
• العراق: الأهوار والصحراء بين العجز المائي وقصص النجاح
• المبادرات المحلية: الطاقة الشمسية كمفتاح للحلول المبتكرة
• ترابط المياه والطاقة والغذاء والنظام البيئي (WEFE)
• بين التحديات والفرص: التمويل الأخضر كطريق للتوسع
• الحلول الصغيرة.. نموذج لمستقبل أكبر وأكثر استدامة
شبكة بيئة أبوظبي، تقرير صحفي من إعداد فالنتين نسر، لبنان 29 أغسطس / آب 2025
في قلب أزمات ما بعد النزاع والتغير المناخي، يبرز الماء كقاسم مشترك أكثر إلحاحًا، ليس فقط كضرورة حياتية، بل كسلاح أقوى للاستقرار.
إن الحلول المبتكرة المتعلقة بإدارة المياه في كل من لبنان وسوريا والعراق، رغم صغر حجمها، أثبتت فعاليتها في تحسين الواقع اليومي لسكان بعض المناطق الريفية والمحرومة، من خلال تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية، وتجميع مياه الأمطار، ومحطات معالجة صغيرة.
ومع ذلك، تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه النجاحات لا تعكس بشكل كافٍ تجارب الناس المتأثرين فعليًا، ولا تحظى بردود واضحة من بعض الجهات الرسمية حول مدى التزامها بتعميم هذه المبادرات أو إدراجها ضمن خطط وطنية شاملة.
في قلب أزمات ما بعد النزاع والتغير المناخي، يبرز الماء كقاسم مشترك أكثر إلحاحًا، ليس فقط كضرورة حياتية، بل كسلاح أقوى للاستقرار.
إن الحلول المبتكرة المتعلقة بإدارة المياه في كل من لبنان وسوريا والعراق، رغم صِغر حجمها، أثبتت فعاليتها في تحسين الواقع اليومي لسكان بعض المناطق الريفية والمحرومة، من خلال تحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية، وتجميع مياه الأمطار، ومحطات معالجة صغيرة.
ومع ذلك، تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه النجاحات لا تعكس بشكل كافٍ تجارب الناس المتأثرين فعليًا، ولا تحظى بردود واضحة من بعض الجهات الرسمية حول مدى التزامها بتعميم هذه المبادرات أو إدراجها ضمن خطط وطنية شاملة.

تدشين ثلاثة أنظمة للطاقة الشمسية في محطات ضخ مياه الشفة بالبقاع
تدشين ثلاثة أنظمة للطاقة الشمسية في محطات ضخ مياه الشفة بالبقاع
لبنان: الماء تحت مجهر الأزمة
رغم ما يتمتع به لبنان من مستويات عالية من هطول الأمطار في الشرق الأوسط وبمعدل 827 مم سنويًا، بحسب وزارة الطاقة والمياه اللبنانية، إلا أنه يعاني من شحّ في المياه بفعل هدر الشبكات والمناطق غير المخدومة بالشكل الكافي.
وفي ظل هذه المعضلة لجأت وزارة الطاقة والمياه إلى تقنين ساعات توزيع الكهرباء في العاصمة بيروت إلى 22 ساعة فقط في الأسبوع، مقارنة بـ49 ساعة قبل عامين، فيما تبلغ خسائر المياه نحو 40-48% بسبب التسربات.
وسط هذا الواقع، انطلقت مبادرات محلية، في قرية بِشَري، الواقعة شمال لبنان، من بينها اعتماد نظام ترشيح معالجة لمياه الصرف الصحي باستخدام الألواح الشمسية يخدم حوالي 40 منزلًا منذ عام 2013، ودون الحاجة كهرباء أو صيانة معقدة.
تقول منى ناصيف، وهي ربة منزل من سكان القرية: “قبل نظام الألواح الشمسية، كنا نعتمد على صهاريج وبمعدل مرة كل أسبوعين، وكان الماء مالحًا ولا يكفي. اليوم الماء متوفر على مدار الساعة ونظيف”.
من جهته يؤكد المهندس وسيم الحايك، مستشار وزارة الطاقة والمياه على أن “هنالك متابعة لهذه المبادرات ضمن خطة عمل تدريجية، لكن التمويل والموافقات البلدية ما زالت تعرقل التوسع في المناطق الأخرى”.
أما الدكتورة نجاة عون صليبا، أستاذة الكيمياء وعضو البرلمان اللبناني، تقول: “الهطول المطري كان قليل جداً هذا العام، وهذا يعنى أنه يجب إعلان حالة طوارئ مائية، ولا بد من وضع خطة عاجلة لمعالجة شح المياه قبل أن تتحمل العائلات فاتورة الصهاريج”.

مغارة قاديشا – بشري
سوريا: دولة المياه المكسورة
خسرت سوريا أجزاء كبيرة من بنيتها التحتية المائية خلال عقود النزاع التي مضت، وما زال الدمار في محطات المعالجة والمضخات قائمًا. وتراجع نصيب الفرد من المياه المتاحة من نحو 12,185 م³/سنة في 1992 إلى أقلّ من 1,250 م³ في العقد الماضي، بما يُنذر بتحوّل البلاد إلى ما دون خط الفقر المائي (<1,000 م³/سنة بحسب تقرير للجنة الدولية للصليب الأحمر.
وفي المخيمات والمناطق الريفية، يقول إحسان أبو الفضل، المتطوع في منظمة الهلال الأحمر السوري، إن الهلال الأحمر والدفاع المدني السوري يتناقشان بشأن إنشاء محطات متنقلة لمعالجة المياه.
وهذه المحطات تتيح للمزارعين الاستفادة من وحدات شمسية صغيرة، لا تتجاوز سعتها بضعة آلاف من اللترات يوميًا، لتوفير مياه صالحة للشرب والري.
وفي بلدة سراقب بريف إدلب، يقول عبد الله الحسن، وهو مزارع يبلغ من العمر 57 عامًا: “من 2017 وأنا أعتمد على صهاريج المياه وبمعدل كل ثلاثة أيام، لكننا الآن نملك وحدة شمسية تملأ الخزان، تسقي الأرض وتوفر ماء الشرب، مما أنقذ محصولي من الجفاف.”
ولا تتوافر بيانات رسمية كافية حول أزمة المياه ومدى تأثيرها في سوريا، ما يجعل تقييم حجم المشكلة وقياس تأثيرها أمرًا صعبًا.

نهر الفرات عند دخوله سوريا من تركيا
العراق: الأهوار والصحراء تمتص المياه
يواجه العراق تحديات مائية كبرى تتمثل في نقص الموارد وشح الطاقة، حيث تشير بيانات من وزارة الموارد المائية العراقية إلى أن استهلاك الدولة من المياه يفوق 48 مليار م³ سنويًا، بينما لا تتجاوز الموارد المتجددة 20 مليار م³؛ ما يعكس عجزًا يقارب 28 مليار م³.
إلى جانب ذلك، تعتمد بعض المناطق على مياه معالجة ضحلة من نهرَي دجلة والفرات لريّ محاصيل، ما أدى إلى نفوق مئات الآلاف من رؤوس الماشية وتفشي أمراض معدية مثل الكوليرا عام 2023.
ومع ذلك تبرز قصص النجاح عديدة في جنوب العراق، ولا سيما في الأهوار، يقول عباس أسعد من جمعية “طبيعة العراق ” “نفذنا مشروعًا صغيراً يتألف من خزان لتجميع مياه الأمطار بسعة 10,000 لتر مع نظام ترشيح بسيط، مدعوم بألواح شمسية تعمل لضخ المياه يوميًا.
وقد نال المشروع استحسان المزارعين المحليين لقدرته على ريّ مساحات صغيرة وتحسين المحاصيل بنسبة تصل إلى 30% خلال أول موسم.
ويقول علي خضير، من سكان ناحية الجبايش: “قبل المشروع كنا نزرع بصعوبة، أما اليوم فنروي الأرض بانتظام. لكننا بحاجة إلى مشاريع أكثر”.
ويعلق المهندس سيف محسن، من وزارة الموارد المائية العراقية: “لدينا خطط لدعم مثل هذه المبادرات، لكن المشاكل الحدودية وتقنين الإمدادات المائية من دول الجوار تزيد العبء بشكل كبير “.

أهوار العراق، ذي قار، العراق
ترابط المياه والطاقة والغذاء والنظام البيئي
تعكس هذه الحلول نقطة انطلاق عملية لإنعاش ترابط المياه والطاقة والغذاء والنظم البيئية (WEFE)، فالتحلية والتنقية بالطاقة الشمسية توفر مياهًا نظيفة صالحة للري والشرب، مما يحفّز الزراعة المحلية ويزيد من كفاءة استغلال الأرض.
كما أن تقليل استنزاف المياه الجوفية ومعالجة النفايات في الأهوار يخفف الضغط على البيئات الهشة، ويحدّ من التلوث، ويحافظ على التنوع الحيوي.
وفي لبنان، توصّل تقرير صادر عن منظمة “سبارك” إلى إمكانية إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة للري، بما يخفف الحاجة إلى المياه العذبة ويقلل العبء البيئي.
بين العقبات والفرص: ما بعد قصص النجاح
تواجه هذه الحلول تحديات لوجستية وسياسية، من أبرزها نقص التمويل الأولي، وضعف التشريعات الداعمة في لبنان وسوريا والعراق، إضافة إلى ندرة الخبرات الفنية في مجال الصيانة.
ورغم ذلك، تبرز فرص واعدة عبر توظيف التمويل الأخضر، مثل اعتمادات الكربون الطوعية في الأسواق التنظيمية الوطنية والإقليمية والدولية التي تهدف إلى تقليل انبعاثات الكربون.
وتعمل هذه الأسواق وفق نظام “الحد الأقصى والتجارة”، حيث يتم إنشاء عدد محدد من “الاعتمادات” (وهي بمثابة تصاريح تسمح بانبعاث الغازات الدفيئة). ويُحدد السقف المسموح به لدولة أو صناعة معينة مثل أنظمة ضخ المياه المحوّلة من الديزل إلى الطاقة الشمسية، بما يعزز الاستدامة.
وتضيف الدكتورة نجاة صليبا: “يجب تبسيط إجراءات التراخيص، وخلق شراكات بين مقدّمي الخدمة والجامعات، واعتماد التمويل القائم على النتائج”.
أما على المستوى التشريعي، فقد صادقت لجنة البيئة في البرلمان اللبناني على توصية لتعزيز هذه النماذج ضمن خطة طوارئ وطنية”، فيما دعت صليبا إلى “إدخال مفهوم الطوارئ المائية في الجداول الزمنية التنفيذية”.

الحلول
في ظل الحروب والمناخ المتوتر، تُثبت الحلول الصغيرة أنها تحمل مفتاح الأمل، فمن لبنان إلى سوريا والعراق، تستعيد المجتمعات نشاطها تدريجيًا بفضل مشاريع لا مركزية لرعاية الماء والطاقة والزراعة.
وتتجسد قصص النجاح في أراضٍ بدأت تخضر بقطرات ماء نظيفة، بينما ينبت الأمل في وعي شعوب تُدرك أن الماء أولاً هو المدخل الأصدق للاستقرار.
وتؤكد الدكتورة نجاة عون صليبا أن “الماء لا ينتظر…” وهي دعوة إلى السياسات والمجتمع لتبنّي حالة طوارئ وطنية. وإن نجحت المشروعات المبتكرة في مواجهة العقبات التقنية والسياسية، فقد تصبح نموذجًا قابلًا للتكرار في كل منطقة هشّة.
هذا المسار ليس إنسانيًا فحسب، بل هو المسار الوحيد لبناء مستقبل يستحقه المواطن في كل بقعة، حتى في أحلك الأزمات.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز