ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (6)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 03 أغسطس 2025م
بين طموح القضاء على نقص فيتامين (A) ومخاوف الهيمنة البيولوجية، يقف “الأرز الذهبي” عند مفترق طرقٍ يجمع بين العلم والأخلاق، والصحة والسيادة الغذائية. إنه أحد أكثر الابتكارات إثارة للجدل في تاريخ التكنولوجيا الحيوية، ليس فقط من حيث نتائجه العلمية، بل بما أثاره من نقاشات سياسية واقتصادية واجتماعية.
الأرز: غذاء الفقراء… والعالم
تُعد حبة الأرز، الصغيرة بيضاء اللون، مكونًا أساسيًا في وجبات أكثر من نصف سكان العالم. ففي دول كالصين والهند وبنجلاديش والفلبين، يُستهلك الأرز يوميًا تقريبًا في كل وجبة. وحتى إفريقيا، التي لم يكن الأرز جزءًا رئيسيًا من تقاليدها الغذائية، باتت تشهد توسعًا في زراعته مع التحولات السكانية والتغذوية.
ورغم هذه الأهمية العالمية، يفتقر الأرز الأبيض إلى عناصر غذائية أساسية مثل الحديد والزنك وفيتامين (A)، مما يجعل من تطويره غذائيًا أولوية في مناطق تُعاني من سوء التغذية.
ما هو الأرز الذهبي؟
“الأرز الذهبي” هو نوع معدل وراثيًا من الأرز، تم تعديله لإنتاج مادة “البيتا كاروتين” في سويداء (اندوسبيرم) الحبة، وهي المادة التي يُحوّلها الجسم إلى فيتامين. (A) أُنتج هذا النوع لأول مرة في نهاية التسعينيات على يد الباحثين “إنجو بوتريكوس” (سويسرا) و”بيتر باير” (ألمانيا)، بهدف محاربة نقص فيتامين (A) في الدول النامية، خاصة بين الأطفال.
ولإنتاج الأرز الذهبي، أُدخلت إلى جينوم الأرز جينات من نبات النرجس وبكتيريا التربة، لتفعيل المسار الحيوي لإنتاج البيتا كاروتين. وقد تميزت النسخة الثانية منه (Golden Rice 2)، التي ظهرت في 2005م، بقدرتها الأعلى على إنتاج هذه المادة المغذية، بما يصل إلى 23 ضعفًا مقارنة بالنسخة الأولى.
أهمية بيولوجية… وجدلية سياسية
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يعاني نحو 250 مليون طفل سنويًا من نقص فيتامين (A)، مما يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة تشمل ضعف المناعة، والعمى، بل والوفاة في بعض الحالات. في مثل هذا السياق، بدا الأرز الذهبي وكأنه الحل العلمي المثالي.
وقد اعتمدت دول مثل الفلبين رسميًا زراعته عام 2021م، بينما أجرت الهند، بنجلاديش، والصين تجارب ميدانية، دون موافقات تجارية حتى الآن. أما دول مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، فقد سمحت باستهلاكه الغذائي فقط دون زراعته.
ما وراء التقنية: من يخشى الأرز الذهبي؟
ورغم إشادة العديد من العلماء بـ”الأرز الذهبي” كوسيلة مبتكرة لمكافحة العمى وسوء التغذية، لم يَسلم المشروع من انتقادات حادة. فقد اعتبرت منظمات بيئية، أبرزها “السلام الأخضر” (Greenpeace)، أن الترويج لمحاصيل معدلة وراثيًا يخفي وراءه نوايا تجارية، ويساهم في تقليص التنوع الحيوي المحلي، ويزيد من تبعية الدول النامية لشركات التكنولوجيا الزراعية الكبرى.
ويُشكك بعض خبراء التغذية في جدوى الاعتماد على “الأرز الذهبي” كمصدر وحيد لفيتامين (A)، مؤكدين أن الحلول الأجدى تتمثل في تحسين النظام الغذائي عمومًا، وزيادة التوعية الصحية، وتوفير الرعاية للأطفال.
العلم… والعدالة
أنصار “الأرز الذهبي” يرون أن رفضه نابع من مخاوف أيديولوجية تتجاهل الواقع المأساوي للملايين من الأطفال الذين يمكن إنقاذهم. في المقابل، يرى المعارضون أن هذه التكنولوجيا قد تستخدم كسلاح اقتصادي لتكريس الهيمنة على الغذاء، بدلًا من تمكين المجتمعات المحلية من الاكتفاء الذاتي.
هل هو الحل الأمثل؟
الحقيقة ليست بالأبيض أو الأسود. فـ”الأرز الذهبي” ليس عصا سحرية للقضاء على سوء التغذية، لكنه أيضًا ليس شيطانًا بيولوجيًا. يمكن اعتباره جزءًا من استراتيجية متكاملة، إذا ما طُبقت بوعي وشفافية واحترام للبيئة وحقوق المجتمعات الزراعية.
لقد حصل “الأرز الذهبي” على موافقات في بعض الدول، ورفض في أخرى، ولا يزال الجدل محتدمًا حوله. لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاهله: كيف نوازن بين التقدم العلمي والعدالة الاجتماعية؟ بين إنقاذ الأرواح والحفاظ على السيادة الغذائية؟ وهل يمكن للعلم أن يظل أداة إنسانية في عالم تحكمه المصالح؟
في الإجابة على هذه الأسئلة تتحدد ملامح مستقبل الزراعة… والغذاء.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز