شبكة بيئة ابوظبي، بقلم دكتور قاسم زكي (*) جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 12 يوليو 2025
في ظل تصاعد التحديات التي تواجه الزراعة التقليدية في العالم العربي، من ندرة الموارد المائية إلى تصحر الأراضي وتغير المناخ، تبرز البيوتكنولوجيا الزراعية كأمل واعد يلوّح في الأفق. وبينما تمضي دول العالم في سباق محموم لتسخير علوم الحياة لخدمة الغذاء والزراعة، يقف العرب على مفترق طرق: فإما أن يغتنموا الفرصة لتطوير نظم زراعية متقدمة وأكثر إنتاجية، أو يستمروا أسرى لتقنيات مستوردة وأسواق غذائية متقلبة.
فهل نشهد بوادر صحوة علمية حقيقية في المنطقة، أم أن الخوف والتردد سيطغيان على إمكانات التقدم؟ هذا ما نحاول استكشافه في السطور التالية.
في زمن يتسابق فيه العالم لتسخير التكنولوجيا لخدمة الزراعة، لا تزال الدول العربية تخطو خطوات حذرة في مجال البيوتكنولوجيا الزراعية، الذي يمثل إحدى الأدوات الواعدة لتحقيق الأمن الغذائي ومواجهة التغيرات المناخية. لكن هل ما نشهده هو انطلاقة حقيقية، أم مجرد محاولات خجولة تضيع فيها الفرص تباعًا؟
زراعة تحت ضغط:
تعاني معظم الدول العربية من تحديات زراعية مزمنة: ندرة المياه، تدهور التربة، تقلبات المناخ، وزيادة الاعتماد على استيراد الغذاء. هذه التحديات تجعل من التكنولوجيا الحيوية الزراعية ضرورة، لا ترفًا علميًا.
البيوتكنولوجيا الزراعية – وتحديدًا الهندسة الوراثية وزراعة الأنسجة وتحرير الجينات – يمكن أن تساهم في تحسين إنتاجية المحاصيل، ومقاومتها للآفات والأمراض، وتحملها للملوحة والجفاف. وهي تقنيات مطبّقة بالفعل في العديد من دول العالم، من البرازيل إلى الهند.
تجارب عربية محدودة:
رغم وجود مراكز بحثية متقدمة نسبيًا في مصر، تونس، المغرب، السعودية، والإمارات، إلا أن التطبيقات الفعلية في الحقول لا تزال محدودة. بعض الدول كبّلت البحث بقيود تشريعية أو مخاوف أخلاقية من استخدام الكائنات المعدلة وراثيًا (GMOs)، في حين تعاني أخرى من ضعف التمويل وعدم استقرار السياسات الزراعية.
في مصر، على سبيل المثال، أُجريت تجارب واعدة على القطن المعدل وراثيًا والذرة Bt، لكن لم تتحول إلى برامج وطنية مستدامة بعد. في المقابل، خطت الإمارات خطوات نحو اعتماد التكنولوجيا الذكية في الزراعة، لكن مع تركيز أكبر على الزراعة الرأسية والزراعة الدقيقة أكثر من التعديل الوراثي.
فرصة للّحاق بالركب:
ما زالت أمام الدول العربية فرصة حقيقية لتطوير أطر تنظيمية واضحة وآمنة تتيح الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا الحيوية في الزراعة. ويشمل ذلك:
• دعم الابتكار المحلي بدلاً من الاعتماد الكامل على التراخيص الأجنبية.
• تعزيز التعاون الإقليمي في مجالات بحوث الجينوم وحفظ الموارد الوراثية.
• توفير تمويل كافٍ للبحث والتطوير، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
كما ينبغي أن تصاحب هذه الخطوات حملة تثقيف مجتمعي واسعة لمواجهة المفاهيم المغلوطة والمخاوف من المحاصيل المعدلة وراثيًا.
المستقبل: هل نكون شركاء أم متفرجين؟
في عصر البيوتكنولوجيا، الخيار ليس بين استخدامها أو عدمه، بل بين أن نكون فاعلين ومطورين لها، أو مجرد مستهلكين لمخرجاتها من الخارج. الدول العربية تمتلك العقول والخبرات، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وبيئة تشريعية حاضنة، واستثمار في الشباب والعلماء.
فالبيوتكنولوجيا الزراعية ليست مجرد تقنية، بل فرصة استراتيجية لبناء مستقبل زراعي أكثر استقلالًا وكفاءة. وهي فرصة، إن ضاعت اليوم، قد يصعب تعويضها غدًا.
الكتاب: الدكتور قاسم زكي
(*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز