كيف نصون ذاكرة الأجداد وننقلها إلى المستقبل؟
من وحي معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية 2026: التكنولوجيا لا تستبدل التراث، بل تمنحه أدوات جديدة للبقاء والتجدد
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 28 أغسطس 2026
لم يعد الحديث عن التراث في القرن الحادي والعشرين مقتصراً على حفظ المقتنيات القديمة أو توثيق الحرف التقليدية أو استعادة مشاهد من حياة الأجداد، بل أصبح جزءاً من نقاش عالمي أوسع حول الهوية والاستدامة ونقل المعرفة بين الأجيال.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، ويتوسع فيه استخدام الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز والمنصات التفاعلية، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على تراثها في عالم سريع التغير، من دون أن تحوله إلى مادة جامدة محفوظة في المتاحف؟
من وحي ما يقدمه معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية 2026، وما تعرضه هيئة أبوظبي للتراث من تطبيقات وتجارب رقمية وتفاعلية، يمكن قراءة نموذج مختلف في التعامل مع التراث؛ نموذج لا ينظر إلى الأصالة والحداثة باعتبارهما نقيضين، وإنما باعتبارهما مسارين يمكن أن يلتقيا في مشروع واحد هدفه صون الذاكرة الثقافية وإعادة تقديمها بلغة المستقبل.
التراث ليس ماضياً… بل معرفة متراكمة
تكمن إحدى المشكلات الشائعة في اختزال مفهوم التراث في الأشياء القديمة، بينما يمثل التراث في جوهره منظومة متكاملة من المعرفة والخبرة والقيم والممارسات التي طورتها المجتمعات عبر أجيال طويلة.
فمعرفة الأجداد بالمواسم، وحركة النجوم، والطقس، والصيد، والصقارة، والإبل والخيل، والزراعة، والبحر، والحرف التقليدية، واستخدام الموارد الطبيعية لم تكن مجرد عادات اجتماعية، بل كانت في كثير من الأحيان أنظمة معرفة محلية تشكلت نتيجة التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته.
ومن هنا تكتسب تجربة «ديرة الدرور»، التي تقدمها هيئة أبوظبي للتراث للتعريف بالحسابات الفلكية وحساب المواسم عند الأجداد، دلالة تتجاوز العرض التراثي؛ فهي تعيد تقديم نموذج من المعرفة البيئية التقليدية التي مكّنت الإنسان في الإمارات من فهم بيئته والتكيف مع ظروفها.
وهذا البعد يضع التراث في صميم مفهوم الاستدامة؛ لأن الاستدامة، في أحد أبعادها، ليست سوى قدرة المجتمع على إدارة علاقته بموارده وبيئته بطريقة تضمن الاستمرارية والتكيف عبر الزمن.
عندما تدخل التكنولوجيا إلى عالم التراث
كان التحدي الأكبر أمام المؤسسات المعنية بالتراث لسنوات طويلة هو الوصول إلى الأجيال الجديدة. فالأجيال التي نشأت مع الهواتف الذكية والألعاب الرقمية والمنصات التفاعلية تتعامل مع المعرفة بطريقة مختلفة عن الأجيال السابقة.
وهنا لا ينبغي النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها تهديداً للتراث، وإنما باعتبارها وسيطاً جديداً لنقله.
استخدام الواقع المعزز، على سبيل المثال، يستطيع تحويل الكتاب من صفحات ساكنة إلى تجربة معرفية تجمع بين النص والصوت والصورة والفيديو والنماذج ثلاثية الأبعاد. وهذا ما تعكسه تجربة «كتاب الشيخ زايد» المزود بتقنية الواقع المعزز.
وبالمثل، تستطيع الألعاب الرقمية نقل المعرفة التراثية إلى الأجيال الجديدة بأسلوب قائم على المشاركة والتجربة، كما في لعبة «الصقارة» التفاعلية الرقمية، حيث لا يبقى المتلقي مشاهداً للمعلومة وإنما يصبح جزءاً من التجربة.
أما تطبيقات إدارة المسابقات التراثية، مثل «فالك الناموس»، فتمثل مستوى آخر من التحول الرقمي، حيث تنتقل التكنولوجيا من تقديم المحتوى التراثي إلى إدارة المنظومة التراثية نفسها.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني رقمنة الصور والوثائق فقط، وإنما إعادة تصميم الطريقة التي تتم بها إدارة المعرفة والخدمات والتفاعل مع الجمهور.
من الحفظ إلى التفاعل
لسنوات طويلة كان النموذج التقليدي لصون التراث يقوم على ثلاث وظائف رئيسية: الجمع والحفظ والعرض.
لكن العصر الرقمي أضاف وظيفة رابعة لا تقل أهمية، هي التفاعل.
فالمتحف أو المعرض أو المؤسسة التراثية لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة، والجمهور لم يعد متلقياً سلبياً. يستطيع الزائر اليوم أن يستكشف ويقارن ويشارك ويصور وينشر ويتفاعل، وربما يضيف روايته الشخصية إلى المادة التراثية.
وهنا ننتقل تدريجياً من مفهوم حفظ التراث للجمهور إلى مفهوم إشراك الجمهور في حفظ التراث.
وتزداد أهمية هذا التحول عندما يتعلق الأمر بالشباب والناشئة؛ لأن استدامة التراث لا تتحقق بمجرد وجوده في الأرشيف، وإنما عندما يشعر الجيل الجديد بأنه جزء من هويته وأنه قادر على التفاعل معه وإعادة اكتشافه بلغته وأدوات عصره.
المرأة… حاملة للذاكرة الثقافية
يقدم السدو مثالاً مهماً على العلاقة بين التراث والاستدامة الاجتماعية.
فالحرفة هنا ليست مجرد منتج مادي، وإنما معرفة متوارثة تتضمن المهارة والتصميم والألوان والرموز والمواد وأساليب الإنتاج، وتحمل في الوقت نفسه ذاكرة اجتماعية ارتبطت بدور المرأة الإماراتية في الأسرة والمجتمع.
لذلك فإن إبراز السدو ودور المرأة في صونه ونقل مهاراته بين الأجيال، بالتزامن مع يوم المرأة الإماراتية، يفتح بعداً مهماً في مفهوم استدامة التراث، وهو أن صون التراث يعني أيضاً صون حَمَلة التراث.
فالحرفي والراوي والشاعر والصقار والبحار والمزارع والمرأة التي تمارس الحرف التقليدية ليسوا مجرد عناصر مصاحبة للموروث، بل يمثلون مستودعات حية للمعرفة.
وإذا فقدنا هؤلاء من دون توثيق معارفهم ونقلها، فإننا قد نفقد جزءاً من التراث حتى لو احتفظنا بالأدوات والمقتنيات.
التراث والتنمية المستدامة
ثمة علاقة أعمق بين التراث وأهداف التنمية المستدامة مما قد يبدو للوهلة الأولى.
فالتراث يدعم التعليم ونقل المعرفة، ويعزز الهوية والتماسك المجتمعي، ويوفر فرصاً للصناعات الثقافية والإبداعية والسياحة، ويسهم في حماية الحرف التقليدية، كما يحمل قدراً كبيراً من المعارف المتعلقة بالتكيف مع البيئة وإدارة الموارد.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الاستثمار في التراث باعتباره استثماراً في رأس المال الثقافي للمجتمع.
وكلما نجحت المجتمعات في تحويل هذا الرصيد الثقافي إلى معرفة وتعليم وإبداع وفرص اقتصادية وتجارب سياحية وثقافية، أصبحت حماية التراث جزءاً من عملية التنمية، وليس نشاطاً منفصلاً عنها.
هل يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد؟
المرحلة القادمة قد تكون أكثر إثارة. فالذكاء الاصطناعي يفتح إمكانات واسعة أمام المؤسسات التراثية: من تصنيف ملايين الصور والوثائق، وتحليل المخطوطات، وبناء الأرشيفات الذكية، إلى تطوير مساعدين رقميين قادرين على الإجابة عن أسئلة الزوار، وإنشاء تجارب تعليمية مخصصة، وترجمة المحتوى التراثي إلى لغات متعددة.
ويمكن للتوائم الرقمية والتصوير ثلاثي الأبعاد أن تحفظ نسخاً رقمية عالية الدقة للمباني والمقتنيات والمواقع، بينما تستطيع تقنيات الواقع الممتد إعادة بناء بيئات تاريخية تسمح للجيل الجديد بالتفاعل معها بصورة لم تكن ممكنة في السابق.
لكن هذه الإمكانات تفرض في المقابل مسؤوليات كبيرة تتعلق بدقة المعلومات وأصالتها وحقوق الملكية الثقافية وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.
فالهدف ليس إنتاج نسخة رقمية جميلة من التراث، وإنما ضمان ألا تؤدي التكنولوجيا إلى تشويهه أو إخراجه من سياقه الثقافي والتاريخي.
من «التراث المحفوظ» إلى «التراث الحي»
لعل أهم ما يمكن استخلاصه من التجارب التفاعلية التي نشاهدها اليوم في الفعاليات التراثية هو أن المستقبل يتجه نحو مفهوم التراث الحي.
فالتراث الحي لا يسكن خلف واجهات العرض، بل يمارسه الناس، ويتعلمه الأطفال، وتنقله النساء والرجال، وتوثقه المؤسسات، وتدعمه التكنولوجيا، وتعيد الصناعات الإبداعية تقديمه إلى العالم.
وهنا تصبح الأمسيات الشعرية وورش الحرف والسدو والمجالس والعروض الحية والتطبيقات الرقمية والواقع المعزز أجزاءً من منظومة واحدة هدفها إبقاء العلاقة بين الإنسان وتراثه مستمرة.
وهذا ربما هو الفارق الحقيقي بين حماية التراث واستدامة التراث؛ فالحماية تمنع ضياعه، أما الاستدامة فتضمن قدرته على الاستمرار والتجدد والانتقال من جيل إلى آخر.
أبوظبي… عندما تتكامل الأصالة مع المستقبل
يقدم معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية مساحة مهمة لفهم هذا التحول؛ فهو يجمع في مكان واحد الصقارة والفروسية والحرف والمعرفة التقليدية والتكنولوجيا والتجارب الرقمية والجمهور المحلي والدولي.
ومشاركة هيئة أبوظبي للتراث بصفتها الشريك التراثي، وما تعرضه من أدوات رقمية وتجارب معرفية، تعكس اتجاهاً أوسع نحو تقديم التراث الإماراتي باعتباره قيمة حية قابلة للتفاعل والتعلم والتطوير.
وفي عالم تتشابه فيه المدن والتقنيات وأنماط الاستهلاك بصورة متزايدة، قد تصبح الهوية الثقافية نفسها واحدة من أهم عناصر التميز والتنافسية.
فالمستقبل لا تصنعه التكنولوجيا وحدها؛ بل تصنعه المجتمعات التي تعرف من أين جاءت، وما القيم والمعارف التي حملها أجدادها، وكيف تستطيع تحويل هذا الإرث إلى قوة تساعدها على بناء ما هو قادم.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات المعنية بالتراث اليوم ليس فقط: كيف نحفظ ما تركه لنا الأجداد؟
بل أيضاً: كيف نجعل الأجيال القادمة ترغب في حمل هذا الإرث؟
وهنا تحديداً تلتقي الأصالة بالابتكار، ويلتقي التراث بالاستدامة، وتتحول التكنولوجيا من أداة لتغيير أنماط حياتنا إلى وسيلة لحماية ذاكرتنا الجماعية.
فالتراث الذي نريد نقله إلى المستقبل لا يكفي أن يكون محفوظاً… بل يجب أن يبقى حياً، مفهوماً، وممارساً وقادراً على التجدد.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز