التكيّف اللغوي

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 24 أغسطس 2026
في البيئة، لا تنجو الكائنات دائمًا لأنها الأقوى أو الأكبر حجمًا، وإنما لأنها الأقدر على التكيّف مع التحولات التي تطرأ على محيطها. وقد تتراجع أنواع كانت تملك القوة والانتشار حين تعجز عن مواكبة تغيرات المناخ أو تبدل شروط الحياة من حولها.

إن التكيّف، في هذا السياق، ليس تخليًا عن الهوية، ولا ذوبانًا في بيئة جديدة، وإنما قدرة على الاستمرار دون فقدان الخصائص الأساسية.

ويبدو أن اللغات تعرف قانونًا قريبًا من ذلك. فاللغات الحية لا تستمر لأنها تقاوم كل تغيير، ولا لأنها تفتح أبوابها لكل وافد، وإنما لأنها تمتلك قدرة دقيقة على الموازنة بين الثبات والتجدد. فاللغة التي ترفض كل جديد قد تتحول إلى أثر محفوظ في الكتب، واللغة التي تستقبل كل شيء دون وعي قد تفقد ملامحها الخاصة مع الزمن.

والعربية، عبر تاريخها الطويل، لم تكن لغة جامدة تخشى التحول. فقد عرفت حركة ترجمة واسعة، واستوعبت علومًا ومفاهيم جاءت من بيئات مختلفة، ثم أعادت صهرها داخل بنيتها الخاصة حتى أصبحت جزءًا من نسيجها المعرفي. ولم يكن بقاؤها قرونًا طويلة نتيجة مقاومة التغيير، وإنما نتيجة قدرتها على احتوائه وإعادة تشكيله.

وربما يكمن جزء من سوء فهم التكيّف اللغوي في التعامل مع المعجم بوصفه نهاية الطريق لا إحدى محطاته. فكثيرًا ما يُخطَّأ كل مصطلح جديد، أو يُرفض كل تركيب لم يرد في كتب الأقدمين، وكأن اللغة توقفت عند حدود ما دوّنته المعاجم. ومع تقدير هذا الحرص على سلامة العربية، فإن المعاجم تشبه الخرائط؛ تصف ما استقر من المسارات، لكنها لا تمنع الناس من اكتشاف طرق جديدة. فاللغة الحية لا تتحرك خارج تاريخها، ولا تتوقف عنده أيضًا.

وهذا لا يعني أن كل جديد صحيح لمجرد حداثته، كما لا يعني أن كل وافد خطأ لمجرد أنه وافد. فالقضية لا تتعلق بالقبول المطلق أو الرفض المطلق، وإنما بقدرة اللغة على استيعاب ما يطرأ عليها ثم إعادة تشكيله وفق قوانينها الداخلية. فالتكيّف لا يعني الذوبان، كما أن المحافظة لا تعني الجمود.

واليوم تقف العربية أمام تحولات متسارعة في التقنية، والذكاء الاصطناعي، والمحتوى الرقمي، والإعلام الجديد. ثمة لغويون عمالقة يتساءلون: كيف نمنع التغيير؟ وهذا للأسف سؤال يتجاهل طبيعة الحياة نفسها. السؤال الذي يطرحه اللغويون الواعون هو : كيف نجعل العربية تدخل هذه العوالم الجديدة وهي واثقة من نفسها، قادرة على تسمية الأشياء بلغتها، وعلى إنتاج المعرفة بأدواتها؟

فالكائنات التي تنجو ليست تلك التي تقف في وجه الرياح دائمًا، وإنما تلك التي تعرف كيف تتعامل معها دون أن تفقد جذورها. وكذلك اللغة؛ لا تحتاج العربية إلى الخوف من العصر، وإنما إلى أن تدخل إليه وهي تحمل صوتها الخاص.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

التضخم اللغوي: حين تفقد الكلمات قيمتها

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً