الطفرات الجينية… أخطاء ضارة أم هدايا خفية للحياة؟

متغيرات نادرة في جين واحد تخفض مخاطر أمراض القلب والسكري وتفتح بابًا لأدوية جديدة

سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (56)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 24 سبتمبر 2026
عندما تُذكر كلمة «طفرة»، يقفز إلى الذهن غالبًا المرض والتشوّه والخطر. فقد ارتبطت الطفرات في الوعي العام بأمراض وراثية مثل أنيميا الخلايا المنجلية والتليف الكيسي وبعض السرطانات. لكن هذه الصورة، على صحتها في حالات معينة، ليست كاملة؛ فالطفرة ليست حكمًا بالمرض، وإنما هي تغير يحدث في المادة الوراثية، وقد يكون ضارًا أو محايدًا، بل قد يمنح صاحبه أحيانًا ميزة صحية أو قدرة أفضل على التكيف.

وقد أعادت دراسة حديثة نُشرت في دورية Nature تأكيد هذه الحقيقة، بعدما كشفت أن متغيرات وراثية نادرة في جين يُسمى FNIP1 ترتبط بصفات أيضية مفيدة، تشمل انخفاض دهون الكبد والبطن، وتحسن مستوى سكر الدم، وتوزيعًا صحيًا نسبيًا للدهون، وتراجع احتمالات الإصابة ببعض أمراض القلب والسكري من النوع الثاني وأمراض الكبد الأيضية.

ما الطفرة الجينية؟
الطفرة هي تغير دائم في ترتيب وحدات الحمض النووي DNA. وقد تقع تلقائيًا أثناء تضاعف المادة الوراثية وانقسام الخلية، أو تنشأ بفعل عوامل بيئية مثل الأشعة فوق البنفسجية والإشعاع المؤين وبعض المواد الكيميائية والملوثات. وقد تصيب جينًا واحدًا، أو تمتد إلى أجزاء كبيرة من الكروموسومات.

ولا تؤدي جميع الطفرات إلى تغير ملحوظ؛ فكثير منها يقع في مناطق لا تؤثر مباشرة في وظيفة الجينات، وبعضها لا يغير تركيب البروتين الناتج. وهناك طفرات ضارة تعطل بروتينًا ضروريًا أو تخل بتنظيم انقسام الخلايا، في حين قد تؤدي طفرات أخرى إلى تحسين وظيفة حيوية أو منح حاملها مقاومة نسبية لمرض أو ظرف بيئي.

ومن دون الطفرات ما وُجد التنوع الوراثي بين البشر، ولا امتلك الانتخاب الطبيعي مادته الخام التي تعمل عليها عملية التطور. فالاختلاف في ألوان البشرة والعيون، والقدرة على هضم سكر الحليب في مرحلة البلوغ، ومقاومة بعض الأمراض المعدية، يرجع جانب منه إلى طفرات تراكمت وانتشرت عبر الأجيال.

مفاجأة الجين FNIP1
حللت الدراسة بيانات التسلسل الجيني والمؤشرات الصحية لأكثر من مليون شخص ينتمون إلى مجموعات سكانية متعددة. ولم ترصد «طفرة شائعة واحدة»، بل حددت 86 متغيرًا فائق الندرة يؤدي إلى فقدان وظيفة نسخة من جين FNIP1 أو تقليلها. وبلغ تواتر هذه المتغيرات مجتمعة نحو 0.01% فقط، أي إنها تظل شديدة الندرة.

يحمل الإنسان نسختين من معظم جيناته، واحدة من الأب وأخرى من الأم. وقد ظهرت الفوائد الأيضية لدى أشخاص يحملون نسخة متغيرة وأخرى سليمة، وهي الحالة المعروفة بعدم تماثل الزيجوت. ووجد الباحثون أن هؤلاء الأشخاص تمتعوا بمستويات أقل من الدهون الثلاثية مقارنة بالكوليسترول النافع، ودهون كبد أقل، ومستويات أفضل من السكر التراكمي، ونسبة أقل من الدهون الحشوية المحيطة بأعضاء البطن.

والأهم أن احتمال إصابتهم بمجموعة من الأمراض الأيضية والقلبية الوعائية كان أقل بنحو 60% مقارنة بغير الحاملين لهذه المتغيرات. وشملت المجموعة المرضية التي فحصها الباحثون مرض الشريان التاجي، والسكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب الأيض، وتليف الكبد.

كيف تحقق الطفرة فوائدها؟
ينتج جين FNIP1 بروتينًا يشارك في تنظيم استشعار الخلية للعناصر الغذائية واستهلاك الطاقة، ويتفاعل مع بروتين يُسمى «فوليكولين». ويعمل هذا المسار، في الظروف العادية، مثل مكبح يحد من تكوين الميتوكوندريا ومن أكسدة الأحماض الدهنية وإنفاق الطاقة.

وعندما تنخفض وظيفة FNIP1 جزئيًا، يبدو أن هذا المكبح يخف، فتنشط عمليات تفكيك الدهون، ويزداد حرق الأحماض الدهنية داخل الميتوكوندريا، ويتحسن إنفاق الطاقة في الأنسجة النشطة أيضيًا.

وأظهرت التجارب على خلايا الكبد البشرية أن خفض نشاط الجين حفّز جينات مسؤولة عن تحليل الدهون ووظائف الجسيمات الحالّة، وهي وحدات خلوية تسهم في إعادة تدوير المواد والتخلص من المكونات التالفة. كما بينت تجارب على الفئران أن تثبيط المسار المرتبط بالجين في الكبد ساعد على الحد من تراكم الدهون وتحسين حساسية الإنسولين عند تناول غذاء غني بالدهون والفركتوز.

الوجه الآخر لاختلال الجين
لا تعني النتائج أن تعطيل FNIP1 آمن دائمًا أو أن كل نقص في نشاطه مفيد. فالفقد الكامل لوظيفة نسختي الجين قد يسبب مرضًا وراثيًا متنحيًا نادرًا يرتبط بضعف المناعة واعتلال عضلة القلب. وهنا تظهر دقة التوازن الجيني: انخفاض محدود في نشاط جين معين قد يكون نافعًا، بينما يؤدي تعطيله الكامل إلى أضرار جسيمة.

كما أن النتائج القائمة على الارتباطات الجينية والتجارب الخلوية والحيوانية لا تعني أن علاجًا جديدًا أصبح متاحًا بالفعل. فما زالت هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتحديد الجرعة المناسبة، والأنسجة التي ينبغي استهدافها، والآثار الجانبية المحتملة على المدى الطويل.

الطفرة بوصفها دليلًا لصناعة الدواء
تكمن القيمة الكبرى للدراسة في تحويل «طفرة طبيعية نافعة» إلى خريطة ترشد الباحثين نحو هدف دوائي جديد. فإذا كان خفض نشاط FNIP1 جزئيًا يحمي بعض البشر من اضطرابات الأيض، فقد يستطيع العلماء تطوير دواء يحاكي هذا الأثر، من دون تعطيل الجين في جميع أعضاء الجسم.

ويقترح الباحثون إمكان استخدام جزيئات الحمض النووي الريبي المتداخل، المعروفة باسم siRNA، لخفض نشاط الجين بصورة انتقائية داخل خلايا الكبد. لكن هذه الفكرة ما تزال في مرحلة البحث، ولا يجوز تفسيرها باعتبارها دعوة إلى التلاعب الفردي بالجينات أو الاستغناء عن الغذاء الصحي والنشاط البدني والفحوص الطبية.

إن الطفرات ليست شرًا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا؛ فقيمتها تتحدد بموقعها، وطبيعتها، وعدد نسخها، والبيئة التي يعيش فيها حاملها. وقد تكون الطفرة التي تضر الإنسان في ظرف معين مفيدة في ظرف آخر. وهكذا يعلّمنا علم الوراثة ألا نحكم على الاختلاف قبل أن نفهمه؛ ففي بعض الأخطاء الظاهرة تختبئ حلول تطورية، وقد تحمل طفرة نادرة لدى عدد قليل من البشر مفتاح دواء ينقذ الملايين.

المرجع العلمي:
1. Hindy, G., Adam, R. C., Sosina, O., et al. (2026). FNIP1 variants are associated with favourable metabolism in 1 million humans. Nature, 657, 703–712. https://doi.org/10.1038/s41586-026-10864-2

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المبيدات تحمي المحصول… فمن يحمي الفلاح؟

دراسة حديثة تقدّر التسمم الحاد بالمبيدات لدى نحو نصف مزارعي العالم سنويًا سلسلة «خواطر زراعية» …

اترك تعليقاً