سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (4)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 21 يوليو 2025
شهدت الهندسة الوراثية النباتية تطورًا كبيرًا منذ انطلاقتها في ثمانينيات القرن الماضي، فتحولت من مجرد تجارب مخبرية إلى تقنية ثورية غيّرت وجه الزراعة في العالم. بدأت القصة عام 1983م في بلجيكا، حيث تمكّن العلماء من إنتاج نبات تبغ مقاوم للمضادات الحيوية عبر إدخال جين من بكتيريا القولون (E. coli)، ليفتح ذلك الباب أمام إنتاج كائنات معدلة وراثيًا ذات صفات محسنة.
وفي عام 1996م، انطلقت أولى المنتجات المعدلة وراثيًا للأسواق، وكانت البداية مع طماطم “Flavr Savr” من شركة “Calgene” الأمريكية، التي طُوّرت لتأخير النضج والتليُّن، ما سمح بزيادة عمرها التخزيني والنقلي. ومنذ تلك اللحظة، تسارعت خطوات التطوير، ووصلت المساحة العالمية للمحاصيل المعدلة وراثيًا العام الحالي (2025م) حوالي 200 إلى 210 مليون هكتار (ما يعادل حوالي 495 إلى 520 مليون فدان تقريبًا. وتشمل عملية إنتاج هذه المحاصيل عزل الجين المطلوب، وربطه بمحفزات وجينات مساعدة، ثم إدخاله إلى خلية نباتية تُحفَّز لاحقًا لإنتاج نبات جديد يحمل الصفات المرغوبة.
الموجة الأولى: تحسين الزراعة:
في البداية، ركزت الهندسة الوراثية على دعم السمات الزراعية الأساسية، مثل مقاومة الحشرات وتحمل مبيدات الأعشاب، ما ساعد في تقليل الخسائر ورفع الغلة الزراعية، وأدى إلى خفض استخدام المبيدات وتحسين كفاءة الإنتاج الزراعي، خاصة في المحاصيل الكبرى مثل الذرة وفول الصويا والقطن والكانولا.
الموجة الثانية: الغذاء والصحة:
لاحقًا، اتجهت الجهود نحو تعزيز القيمة الغذائية للمحاصيل. وبرزت محاصيل مثل “الأرز الذهبي” المعدل لإنتاج بيتا كاروتين (فيتامين أ)، الذي يهدف إلى مكافحة العمى وسوء التغذية في الدول النامية. كما تم تعديل البروتينات والنشويات والزيوت في بعض المحاصيل لتحسين خصائص التخزين والمعالجة والطهي.
الموجة الثالثة: المناخ والدواء:
في السنوات الأخيرة، شهدنا ظهور جيل ثالث من المحاصيل المعدلة وراثيًا، يتميز بقدرات أكبر على مقاومة الظروف المناخية الصعبة، مثل الجفاف والملوحة وارتفاع درجات الحرارة. كما دخلت الهندسة الوراثية في مجال مقاومة الأمراض النباتية البكتيرية والفيروسية والفطرية، بل وتعدّت الزراعة إلى الطب والصناعة، حيث تُستخدم النباتات اليوم كمصانع لإنتاج أدوية ولقاحات ومواد صناعية.
واقع عالمي متغير:
حتى عام 2025م، بلغت المساحة المزروعة بالمحاصيل المعدلة وراثيًا عالميًا نحو 200 مليون هكتار، وتزرعها أو تستوردها أكثر من 50 دولة. وتتصدر الولايات المتحدة القائمة بأكثر من 70 مليون هكتار، تليها البرازيل، الأرجنتين، الهند، كندا، وجنوب إفريقيا. ومن المتوقع زيادة هذا الرقم مع دخول تقنيات متقدمة مثل “كريسبر” (CRISPR) حيز التطبيق، ما يتيح تعديلًا أكثر دقة واستجابة للتغيرات المناخية.
لكن هذا التوسع لا يخلو من الجدل. ففي حين تتبنى دول كبرى مثل أمريكا والبرازيل والهند زراعة هذه المحاصيل، يفرض الاتحاد الأوروبي قيودًا صارمة على استخدامها. أما الدول النامية، فهي تتعامل معها بحذر، مراعية الأبعاد الأخلاقية والبيئية، ومتطلبات الأمان الحيوي.
المستقبل: بين التفاؤل والتحفظ:
من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة توسعًا أكبر في استخدام الهندسة الوراثية لتطوير محاصيل عالية الكفاءة وأكثر تحمّلًا للتحديات البيئية. كما يُرتقب أن تلعب دورًا أكبر في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، خاصة مع تنامي عدد السكان وشحّ الموارد المائية والأراضي الزراعية.
لكن يبقى التحدي الأهم هو كسب ثقة المستهلك، وضمان سلامة المنتجات، ووضع تشريعات واضحة تحمي البيئة والإنسان على حد سواء.
الدكتور قاسم زكي
(*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز