عيد مصري قديم يتجدد كل عام من ذاكرة الحضارة إلى بهجة الأسرة المصرية والتنمية المستدامة للبيئة
سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزراعة الحديثة، الحلقة (28)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي(*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية؛ الأثنين 13 أبريل 2026م
في كل ربيع، تحتاج الروح الإنسانية إلى نافذة على الضوء، وإلى مناسبة تذكّرها بأن الأرض ما زالت قادرة على الإزهار، وأن الحياة لا تُقاس فقط بثقل الأيام، بل أيضًا بلحظات الصفاء التي تمنحها الطبيعة للإنسان. ومن هنا تكتسب الأعياد والمواسم المرتبطة بتجدد الفصول قيمة خاصة، لأنها لا تقتصر على البهجة العابرة، بل تتصل بمعنى أعمق: معنى المصالحة مع الكون، واستعادة الإحساس بالجمال، والعودة إلى الإيقاع الأول الذي يربط الإنسان بالشمس والهواء والماء والخضرة.
وفي العالم العربي، حيث تتجاور الصحارى والأنهار والجبال والواحات والسواحل، يبقى الربيع واحدًا من أكثر الفصول قدرة على إيقاظ هذا الشعور. إنه الفصل الذي يخف فيه قسوة المناخ، وتتفتح فيه النباتات، وتعتدل فيه الأجواء، وتخرج الأسر إلى المساحات المفتوحة طلبًا للراحة واللقاء والتأمل. وفي هذا السياق، يظل شم النسيم واحدًا من أكثر المناسبات دلالة على العلاقة القديمة بين الإنسان العربي والطبيعة، حتى وإن ارتبط اسمه تاريخيًا بمصر، فإن رسالته الإنسانية تتجاوز الجغرافيا، وتصلح لأن تُقرأ بوصفها دعوة عربية واسعة إلى الاحتفاء بالحياة في أجمل تجلياتها.
لقد نشأ شم النسيم في سياق حضاري قديم، حين ارتبط قدوم الربيع لدى المصريين القدماء بفكرة التجدد والانبعاث وعودة الخصب إلى الأرض. لكن القيمة الحقيقية لهذه المناسبة لا تكمن فقط في جذورها التاريخية، بل في قدرتها على الاستمرار، وفيما تحمله من معانٍ إنسانية تصلح لكل زمان ومكان. فحين يحتفل الناس بالربيع، فهم في الحقيقة لا يحتفلون بموسم مناخي فحسب، بل يحتفلون بإمكانية البداية الجديدة، وبفكرة أن الطبيعة، رغم ما تمر به من دورات سكون، تعرف دائمًا كيف تعود إلى الحياة.
وهذا المعنى يتردد صداه في الثقافة العربية عمومًا. فالإنسان العربي، منذ القدم، لم يكن منفصلًا عن الطبيعة، بل عاش في حوار دائم معها. في الزراعة، وفي الرعي، وفي مراقبة النجوم، وفي انتظار المطر، وفي الاحتفاء بالمواسم، تشكلت علاقة خاصة بين الإنسان وبيئته. ولذلك فإن أي مناسبة ترتبط بالربيع ليست مجرد احتفال اجتماعي، بل هي أيضًا استدعاء لذاكرة طويلة من العيش المشترك مع الأرض، ومن إدراك أن ازدهار الطبيعة هو، في جانب منه، ازدهار للروح الإنسانية نفسها.
ومن أجمل ما يمكن أن نتأمله في هذه المناسبة أنها تطرح، بصورة غير مباشرة، سؤالًا بالغ الأهمية في عالمنا المعاصر: هل ما زلنا نمنح الطبيعة مكانها في حياتنا؟ أم أننا تركنا إيقاع المدن السريع يبتلع علاقتنا القديمة بالهواء الطلق والمساحات الخضراء والهدوء البصري والنفسي الذي تمنحه البيئة السليمة؟ إن شم النسيم، أو أي عيد ربيعي شبيه به، يعيد التذكير بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش صحيًا ومتوازنًا إذا انقطعت صلته بالعالم الطبيعي، أو إذا أصبح محاصرًا على الدوام بالإسمنت والضجيج والتوتر.
من هنا، فإن القيمة الثقافية لمثل هذه المناسبة تمتد إلى بعدها البيئي أيضًا. فالخروج إلى الحدائق والمتنزهات والشواطئ والمسطحات الخضراء ليس مجرد ترف ترفيهي، بل هو في جوهره اعتراف عملي بأهمية المجال الطبيعي في حياة الإنسان. كما أن اجتماع الأسر في الأماكن المفتوحة، ومشاركة الطعام، وتأمل الماء والخضرة والسماء، كلها سلوكيات تعيد للإنسان شيئًا من توازنه المفقود، وتمنحه فرصة نادرة للتباطؤ في عالم يندفع بسرعة غير مسبوقة.
ولأن العالم العربي يواجه اليوم تحديات بيئية متزايدة، من التصحر إلى ندرة المياه، ومن تراجع المساحات الخضراء إلى ارتفاع درجات الحرارة، فإن المناسبات المرتبطة بالطبيعة ينبغي ألا تُقرأ فقط بوصفها طقوسًا اجتماعية، بل أيضًا باعتبارها فرصًا لتعزيز الوعي البيئي العام. فحين نحتفي بالربيع، يجب أن نسأل أنفسنا أيضًا: كيف نحمي هذا الربيع؟ كيف نصون الأشجار والحدائق والأنهار والشواطئ؟ كيف نجعل من علاقتنا بالطبيعة علاقة مسؤولية، لا مجرد علاقة استهلاك عابر؟
إن الاحتفال الحقيقي بالطبيعة لا يكتمل إلا بالسلوك الحضاري الذي يحفظها. فما قيمة نزهة في حديقة إذا تركنا وراءنا النفايات؟ وما جدوى يوم جميل على الشاطئ أو على ضفاف نهر إذا انتهى بتلويث المكان الذي قصدناه بحثًا عن الراحة؟ إن الجمال الطبيعي ليس شيئًا مضمونًا إلى الأبد، بل هو ثروة تحتاج إلى وعي جماعي يحميها، وإلى ثقافة عامة ترى في النظافة واحترام المكان جزءًا من أخلاق الحياة اليومية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يتحول شم النسيم، أو أي مناسبة ربيعية مشابهة، إلى منصة تربوية غير مباشرة لترسيخ قيم بيئية مهمة، مثل احترام المجال العام، والاقتصاد في استخدام الموارد، وتشجيع الأسر على اختيار الطعام الصحي، وربط الأطفال بفكرة الطبيعة الحية بدلًا من الاكتفاء بالعالم الرقمي المغلق. فالطفل الذي يخرج إلى الحديقة، ويرى الألوان الحقيقية للزهور، ويلمس العشب، ويتأمل الطيور، ويشعر بنسمة الهواء، يتعلم من البيئة أكثر مما يتعلم من الشاشات وحدها.
ولا يخفى أن المجتمعات العربية، بما تملكه من تنوع طبيعي وثقافي، قادرة على أن تعيد صياغة علاقتها بالمواسم في صورة أكثر وعيًا وثراء. فالموسم ليس مجرد مناسبة استهلاكية، بل يمكن أن يكون مناسبة للثقافة، وللسياحة الداخلية، ولتعزيز الصلة بالمكان، ولتربية الذوق العام. ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الحدائق العامة، والمتنزهات البيئية، والمحميات الطبيعية، والواجهات البحرية والنهرية، بوصفها فضاءات ضرورية للصحة النفسية والاجتماعية، لا مجرد مرافق ثانوية.
كما أن مثل هذه المناسبات تمنحنا فرصة لتجديد الخطاب حول جودة الحياة في المدن العربية. فالمدينة الناجحة ليست فقط تلك التي ترتفع فيها الأبراج وتتوسع فيها الطرق، بل أيضًا تلك التي تتيح لسكانها هواءً نقيًا، ومساحات خضراء، ومرافق عامة نظيفة وآمنة، وأماكن تسمح للأسر بأن تلتقي وتتنفس وتحتفل بالحياة. وحين تصبح البيئة جزءًا من مفهوم الرفاه الإنساني، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو تنمية أكثر توازنًا وإنسانية.
وفي عالم مثقل بالأزمات والتوترات، تبدو الحاجة إلى المناسبات التي ترد الإنسان إلى بساطته الأولى حاجة شديدة الإلحاح. فنحن لا نحتاج فقط إلى خطط كبرى لحماية البيئة، بل نحتاج أيضًا إلى ثقافة يومية تعيد للناس حب الطبيعة والارتباط بها. وهذا ما تفعله المناسبات الربيعية في أفضل صورها: إنها تذكّرنا بأن الحياة ليست كلها صراعًا وإنتاجًا وضغوطًا، بل فيها أيضًا متسع للجمال، وللتأمل، وللفرح الهادئ الذي يصالح الإنسان مع ذاته.
إن شم النسيم، في معناه الأوسع، ليس مجرد اسم لعيد قديم، بل فكرة إنسانية متجددة: أن الربيع يستحق أن يُحتفى به، وأن الطبيعة ليست خلفية صامتة لحياتنا، بل شريك أصيل في تشكيلها. وفي هذا تكمن رسالته الأجمل للعالم العربي اليوم: أن حماية البيئة تبدأ أحيانًا من استعادة الدهشة بها، وأن حب الأرض هو الخطوة الأولى لصونها، وأن الفرح بالطبيعة ليس ترفًا، بل جزء من الحكمة التي نحتاجها أكثر من أي وقت مضى.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن الربيع، في جوهره، ليس فصلًا في المناخ فقط، بل قيمة في الوعي. وحين نحتفي به بعيون أكثر فهمًا، وسلوك أكثر رقيًا، وإحساس أعمق بالمسؤولية، فإننا لا نحتفل بموسم عابر، بل نشارك في حماية المعنى الذي يجعل الحياة نفسها أكثر جمالًا واتزانًا واستحقاقًا للعيش.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)، عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز