مقوّمات وعناصر المُواطَنة، الانتماء والولاء والحقوق وتكافؤ الفرص..
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 08 أغسطس 2026
أصبح من الواضح لدينا أنّ المُواطَنة مفهوم يرتبط بالحياة السياسية الاجتماعية، وبالزمان والمكان، وهي سيرورة تاريخية، ودينامية مستمرّة، وسلوك مُكتسَب، وممارسة في ظل قواعد ونُظم..
وإذا كانت متطلبّات مفهوم المُواطَنة تختلف من دولة إلى أخرى بسبب اختلاف الثقافات والتقاليد والقِيم ومستوى النضج السياسي وغيرها، أو أنّ ثمّة من يُعطي لهذا المفهوم تصوّرًا شاملاً يتخطّى حدود المكان والزمان، أو من يعتبر وجود مستويين له يتمحوران حول العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي في وطنه، والعلاقة بينه والوسط الاجتماعي الإنساني العالمي، إلاّ أنّ ذلك لا يلغي وجود مجموعة من العناصر والمقوّمات الأساسية المشتركة لمفهوم المُواطَنة، ولا توفّر الشروط الواضحة لذلك، تحت أيّ ظرف من الظروف.
تساهم الاجتهادات الغربية المعاصرة في صياغة عناصر جديدة للمُواطَنة، وتأسيس مصطلحات كـ “المُواطَنة العالميّة”، أو “المُواطَنة المتعدّدة الأبعاد”، وغيرها، مرتكزة في ذلك بشكل أساسي على واقع الفرد، والمجتمع، والمكان، والزمان، لكنّها تحدّد هذه العناصر بضرورة شعور المواطن بهويّته، وتمتّعه بحقوق معيّنة، وتحمّل المسؤوليّات والالتزامات والواجبات، وقبول القِيم الاجتماعية، ولعب دور ما في الشؤون العامّة (1).
وبذلك، لم يخرج هذا التحديد عن إطار العنصر المدني الذي يتضمّن حقوقًا للمواطن ومنها الحق في العدالة، ولا عن العنصر السياسي الذي يجعله فاعلاً في الحياة السياسية ومساهمًا في تطويرها، ولا عن العنصر الاجتماعي الذي يطال معيشته وحياته من مختلف الجوانب، والتي تشير جميعها إلى تمتّع المواطن بالمُواطَنة من خلال مجموعة خصائص اجتماعية وسياسية تمثّل شأنًا يتّصل بمصلحته الخاصّة من جهة، ومشاركته في المصالح العامّة والمجتمع المدني من جهة أخرى، لتترسّخ بذلك فكرة المُواطَنة بدءًا من نظرة الفرد إلى نفسه، وإلى وطنه، وإلى شركائه في الوطن (2).
إنطلاقاً من هذه المعطيات، نستطيع تحديد مقوّمات المُواطَنة، بالتالي:
أوّلاً، الانتماء:
تستحيل حياة الإنسان بلا انتماء، لأنّه بكل بساطة لا يمكنه إشباع وتحقيق حاجاته الضرورية دونه؛ فالانتماء يبدأ معه منذ لحظة ولادته، بانتمائه إلى والدين وعائلة، ثمّ إلى المجتمع الأكبر الذي عليه أن يلبّي حاجاته من مكانة وأمن وقوّة وحب وصداقة، وأن يقدّم إليه مواقف عدّة لإظهار مهاراته وقدراته.
ويتعزّز الانتماء إلى الوطن بالإضافة إلى التضحية في سبيله، بقيام المواطن بواجباته المطلوبة تجاهه في جميع المجالات على أكمل وجه، ومنها القيام بالأعمال التطوعيّة، وكذلك المحافظة على الهوية واللغة والتراث والعادات والتقاليد (3).
ثانيًا، الولاء:
لا يكفي بأن يكون انتماء المواطن إلى وطنه مجرّد شعور وارتباط وجداني فقط، إنّما بتشبّعه أيضًا بقِيم المُواطَنة وثقافة القانون التي تمثّل الوسيلة الوحيدة للتمتّع بالحقوق وحمايتها، فتبرز هنا إحدى أهمّ مقوّمات المُواطَنة، وهي الولاء للوطن.
يتجلّى هذا الولاء من خلال شعور المواطن بخدمة وطنه، والعمل على تنميته والرفع من شأنه، وحماية مقوّماته الثقافية والحضارية، والشعور بالمسؤولية في المشاركة لتحقيق النفع العام، والالتزام باحترام حقوق وحريّات الآخرين، وتطبيق القوانين التي تنظّم علاقته مع باقي المواطنين، وعلاقته بمؤسّسات الدولة والمجتمع (4).
ثالثًا، الحقوق:
لكلّ مواطن في كلّ وطن جملة حقوق أساسية يجب أن تتوافر له كي تتعمّق المُواطَنة لديه وتكتمل، وكي تتبلور الرابطة العضوية بين الدولة والمجتمع القوي المتماسك. وتشمل هذه الحقوق مختلف النواحي من سياسية وقانونية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وغيرها، وهي حاجات أساسية للمواطن يتطلّع إلى إشباعها من قبل دولته التي ينتمي إليها، الأمر الذي يقوّي لديه الإحساس بالمُواطَنة.
وتتوزّع حقوق المواطن بين الطبيعيّة التي تنبع من الطبيعة الإنسانية، مثل الحقّ في الحياة والحرية والرعاية، والمدنية التي يكفلها القانون، والمتخصّصة بالحياة السياسية والاجتماعية، مثل الحصول على الجنسية والترشّح والانتخاب، وهي بشقّيها ينصّ عليها دستور الدولة الذي يُعتبر المرجع الأوّل والرئيس لتنظيم وصون حقوق المواطنين (5).
تُعتبر حقوق المواطن من واجبات الدولة تجاهه، لذلك، من حقّه عليها أن توفّر له الحياة الكريمة والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والخدمات المعيشية المختلفة، وأن تؤمّن له العيش في بيئة سليمة.
رابعًا، الواجبات:
كما أنّ حقوق المواطن هي من واجبات الدولة تجاهه، فإنّ من حقّها عليه أن يقوم بواجباته تجاه وطنه، لأنّه لا مفرّ من التلازم بين الحقوق والواجبات القانونية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في مفهوم المُواطَنة.
وتتوزّع واجبات المواطن بين مسؤوليّات مُلزم بها تفرضها القوانين والدستور، وبين أخرى يقوم بها طوعًا(6)، والتي تكون بشقّيها تجاه الوطن والمجتمع على السّواء. أمّا أبرز واجباته، فهي: التزامه بالقوانين والأنظمة التي تضعها الدولة، مشاركته في تحسين الحياة السياسية والمدنية والمساهمة في الحياة العامّة، دفاعه عن الوطن وأراضيه والحفاظ على الوحدة الوطنية، مساهمته في التنمية والتطوير حسب قدراته وتخصّصه العلمي، محافظته على المال العام المتمثّل بالمرافق والمنشآت والمؤسّسات.
خامسًا، المشاركة في الحياة العامّة:
تُعتبر المشاركة الفعلية للمواطن في الحياة العامّة، من أقوى مؤشّرات المُواطَنة والانتماء الحقيقي للوطن، ويبرز ذلك في المجالات المتاحة أمام الجميع، من سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وغيرها؛ حيث نلمسها من خلال استفادة الأطفال من حقّ التعليم والتربية وتكوين الشخصية التي تؤسّس لانتهاج المُواطَنة، ومن خلال استفادة جميع المواطنات والمواطنين من الخدمات العامّة وحقّ العمل، وحريّة المبادرات والأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ومن فرص الإبداع الفكري والفنّي، والمشاركة في انتخاب أعضاء المؤسّسات التمثيلية في البلاد(7). وبهذه المشاركة التي تعني الانخراط التلقائي في مختلف مجالات الحياة العامّة وحقولها، تصبح الفرص مهيّئة للمواطن لإبراز كفاءاته وطاقاته، ولخوض تنافس نوعي في الوطن يساهم في تطوّره وتقدّمه، ممّا ينعكس إيجاباً على جميع أفراد الشعب.
سادسًا، المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص:
يتطلّب التأكيد على المُواطَنة تأكيدًا على المساواة والعدل بين المواطنين في حصولهم على الفرص في مختلف المجالات، أي التساوي أمام القانون الذي هو المرجع الوحيد لتحديد الحقوق والواجبات وحمايتها، وبالتالي الوصول إلى الأمان والاستقرار.
إنّ مبدأ المُواطَنة يرتكز على منظومة قانونية وسياسية واجتماعية وأخلاقية متكاملة، وعليه، فإنّ المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين من إحدى مقوّماتها الأساسية؛ بحيث لا يسود التمييز بين مواطن وآخر، بين رجل وامرأة، أو بسبب اللّون والدين والأفكار التي لا تتناقض مع جوهر الانتماء إلى الوطن، فالجميع هنا تحت سقف القانون والقضاء العادل والمستقل، تضمن المُواطَنة حقوقهم، وتتيح لهم القيام بواجباتهم وتحمّل مسؤوليّاتهم على أسس متكافئة (8).
المراجع:
(1): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، ملف شامل عن المواطنة، 7/3/2017.
(2): ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة.
(3): المرجع رقم (1).
(4): منبر عبد القادر العلمي، المواطنة مفهومها ومقوّماتها، الموقع الإلكتروني لديوان أصدقاء المغرب، 9/7/2011.
(5): د. عبدالله بن راشد السنيدي، الوطن والمواطن: حقوق وواجبات، جريدة الجزيرة السعودية، العدد 14569، 18/8/2012.
(6): سعيد عبد الحافظ، المواطنة حقوق وواجبات، الموقع الإلكتروني لملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، 8/11/2012.
(7): المرجع رقم (4).
(8): المرجع السابق.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز