رحلة التحول من التعليم التقليدي إلى الريادة المستدامة
استراتيجية جامعة القاهرة 2030 تحت المجهر الدولي كنموذج رائد للشرق الأوسط
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 14 فبراير 2026
في ظل التسارع المحموم للتغيرات المناخية والضغوط البيئية التي يواجهها كوكبنا، لم يعد دور الجامعات محصوراً في قاعات المحاضرات أو معامل الأبحاث المنعزلة. لقد أصبحت المؤسسات الأكاديمية الكبرى هي “البوصلة” التي توجه المجتمعات نحو البقاء والازدهار. وفي هذا السياق، يبرز إنجاز جامعة القاهرة الأخير كعلامة فارقة في تاريخ التعليم العالي العربي؛ إذ لم يعد نجاحها مجرد أرقام في تصنيفات عابرة، بل تحول إلى “مرجع دولي” تم توثيقه في فصل خاص ضمن أحدث إصدارات دار النشر العالمية المرموقة “سبرينجر نيتشر”. ولم يعد الحديث عن التنمية المستدامة في أروقة جامعة القاهرة مجرد خطط استشرافية، بل تحول بحلول عام 2026 إلى واقع ملموس يدرّس عالمياً.
جامعة القاهرة نموذجاً للريادة
في تطور جديد يعزز مكانة مصر على خارطة “التعليم الأخضر”، أصدرت دار النشر العالمية “سبرينجر نيتشر” فصلا خاصا في أحد كتبها حول جامعة القاهرة، مسلطة الضوء على نجاح الجامعة في تجاوز مستهدفات “رؤية مصر 2030” قبل موعدها. هذا التوثيق الدولي، الذي حظي بإشادة الأستاذ الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، يمثل لحظة فارقة تتجاوز حدود الاحتفال الأكاديمي، لتضع النموذج المصري في دمج الاستدامة تحت مجهر البحث العالمي، معلنةً عن ولادة عصر جديد للجامعات المصرية كمنارات “خضراء” تقود التحول الإقليمي نحو مستقبل أكثر أماناً. ويضعنا هذا التوثيق الدولي أمام تجربة فريدة؛ حيث استطاعت “الجامعة الأم” أن تزاوج بين عراقة التاريخ وتكنولوجيا المستقبل، لتتحول من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى “مركز إشعاع بيئي” إقليمي.
عندما نتحدث عن “التنمية المستدامة” في سياق جامعة القاهرة، فإننا لا نتحدث عن رفاهية فكرية، بل عن “استراتيجية بقاء” وإدارة ذكية للموارد. لقد نجحت الجامعة في صياغة نموذج يربط بين الأبعاد الثلاثة للاستدامة: البيئية، والاقتصادية، والاجتماعية.
1. الاستدامة البيئية
تتجلى في تحويل الحرم الجامعي إلى بيئة صديقة للمناخ. اعتمدت الجامعة سياسات صارمة لخفض “البصمة الكربونية” (Carbon Footprint) – وهي إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن أنشطة المؤسسة. شمل ذلك تحديث نظم الإضاءة، والاعتماد تدريجياً على الطاقة المتجددة، وتطوير المساحات الخضراء التي تعمل كـ “رئات” تنفس داخل قلب العاصمة المزدحم.
2. الاستدامة الاقتصادية
من خلال “كفاءة الموارد” (Resource Efficiency)، نجحت الجامعة في تقليل الهدر وتحويل عمليات التشغيل اليومي إلى منظومة منتجة. إن توثيق سبرينجر نيتشر” لهذه التجربة يركز على كيف يمكن لمؤسسة تعليمية ضخمة أن تدير ميزانيتها بذكاء عبر تقليل استهلاك الورق (عبر التحول الرقمي) وترشيد استهلاك الطاقة والمياه.
3. الاستدامة الاجتماعية والتعليمية
وهنا يبرز دور الجامعة في “توطين المعرفة”. الاستدامة في جامعة القاهرة ليست مجرد شعارات، بل هي “مقررات دراسية” و”مشاريع بحثية” تستهدف بناء جيل من الخريجين المسلحين بوعي بيئي شامل، قادرين على قيادة سوق العمل الأخضر في المستقبل.
إن اختيار دار سبرينجر نيتشر” (Springer Nature) لجامعة القاهرة لم يأتِ من فراغ. فالعالم الأكاديمي يبحث اليوم عن نماذج ناجحة من “دول الجنوب العالمي” (Global South) لإظهار كيف يمكن للجامعات في الدول النامية أن تتغلب على التحديات الاقتصادية والبيئية عبر الابتكار.
أوضح الدكتور محمد رفعت، نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، أن الفصل المنشور يبرز قدرة الجامعة على تحويل المبادئ الكونية للتنمية المستدامة إلى “ممارسات محلية” ناجحة. هذا ما تسميه الأدبيات العلمية بـ “العولمة المحلية”– أي التفكير عالمياً والتنفيذ محلياً بما يناسب احتياجات المجتمع المصري.
فلسفة “الحرم الجامعي كمختبر حي”
تؤكد الدكتورة سهير رمضان فهمي، مستشار رئيس الجامعة وعميد كلية العلوم، أن الفصل المنشور يركز على مفهوم “الحاضنة” (Incubator). الجامعة اليوم هي مكان لاختبار حلول “الاقتصاد الدائري” (Circular Economy). فبدلاً من التخلص التقليدي من النفايات، يتم البحث في سبل إعادة تدويرها وتحويلها إلى موارد. وبدلاً من استهلاك المياه التقليدي، يتم تطوير نظم ري ذكية تعتمد على إنترنت الأشياء (IoT). هذا التكامل بين “التكنولوجيا” و”البيئة” هو ما جعل سبرينجر نيتشر تختار التجربة كنموذج رائد. وأوضحت الدكتورة سهير أن مفهوم “المختبر الحي” هو السر وراء اختيار “سبرينجر نيتشر” لهذه التجربة. فالطلاب في كليات العلوم والهندسة والزراعة لا يدرسون الاستدامة نظرياً، بل يشاركون في مشاريع “الاقتصاد الدائري” داخل الحرم، مثل تحويل مخلفات الطعام في المدن الجامعية إلى أسمدة عضوية عالية الجودة تستخدم في ري المساحات الخضراء بالجامعة.
“المستشفى الأخضر” والابتكار الصحي المستدام
أن تجربة “قصر العيني الأخضر” أصبحت نموذجاً يحتذى به في الإدارة الصحية المستدامة. يشمل ذلك: الإدارة الذكية للمخلفات الطبية: باستخدام تقنيات التحلل البيولوجي بدلاً من الحرق التقليدي. والرقمنة الصحية الشاملة: التي قلصت البصمة الكربونية للقطاع الطبي بالجامعة بنسبة 40% مقارنة بعام 2020.
التحول الرقمي الشامل
تجاوزت الجامعة في عام 2026 عتبة الـ 95% في رقمنة المعاملات الإدارية والطلابية. هذا التحول لم يكن تكنولوجياً فحسب، بل كان بيئياً بامتياز؛ حيث ساهم في توفير مئات الأطنان من الورق سنوياً، وهو ما انعكس إيجاباً على ترتيب الجامعة في مؤشر UI GreenMetric، لتقفز إلى المراكز العشرة الأولى إقليمياً.
في التحديث الأخير لاستراتيجية الجامعة، برز محور “الطاقة المستقلة”. لم تعد الجامعة تكتفي بترشيد الاستهلاك، بل بدأت في تشغيل أجزاء حيوية من معاملها البحثية باستخدام تقنيات الهيدروجين الأخضر المبتكرة محلياً، وهو ما أفرد له التقرير مساحة واسعة كونه تطبيقاً عملياً لربط البحث العلمي بالصناعة البيئية.
جامعة القاهرة في الميزان العالمي (2024-2025)
بناءً على المعطيات العلمية الأخيرة، نجد أن جامعة القاهرة قد رسخت مكانتها في عدة مؤشرات دولية:
تصنيف التايمز للأثر (THE Impact Rankings) حيث أظهرت النتائج تفوقاً استثنائياً في الهدف الرابع (التعليم الجيد) والهدف السابع (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة).
تصنيف QS للاستدامة: دخلت الجامعة ضمن القائمة الذهبية للمؤسسات التي توازن بين البحث العلمي والأثر البيئي الملموس.
ولا يمكن قراءة هذا الإنجاز دون التوقف عند دور مكتب الاستدامة بجامعة القاهرة. أن هذا الكيان هو “العقل المدبر” الذي يعمل على مواءمة سياسات الجامعة مع “رؤية مصر 2030” وأهداف الأمم المتحدة الـ 17.
يعمل المكتب كجهاز رقابي وبحثي في آن واحد، حيث يقوم بـ:
● رصد المؤشرات: متابعة استهلاك الطاقة والنفايات.
● إعداد التقارير الدولية: مثل تقرير UI GreenMetric، الذي صنف جامعة القاهرة كواحدة من الجامعات الرائدة عالمياً في الاستدامة.
● الشراكات الاستراتيجية: بناء جسور مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني لتحويل الأبحاث العلمية إلى مشاريع بيئية على أرض الواقع.
التوصيات الاستراتيجية (خارطة طريق 2026-2030)
بناءً على المعطيات الواردة في التقرير الدولي، نضع التوصيات التالية لتعزيز هذا النجاح:
1. تعميم “الائتمان الأخضر”: منح حوافز أكاديمية ومادية للباحثين والطلاب الذين يقدمون ابتكارات تخفض استهلاك الموارد.
2. تصدير النموذج: البدء في نقل خبرات مكتب الاستدامة بجامعة القاهرة إلى الجامعات الإقليمية الناشئة عبر برامج تدريبية معتمدة دولياً.
3. الاستثمار في “المباني الذكية”: تحويل المباني التاريخية للجامعة لتكون “مباني صفرية الانبعاثات” (Zero-Emission Buildings) مع الحفاظ على طابعها الأثري.
قاطرة المستقبل الأخضر
إن تجربة جامعة القاهرة الموثقة دولياً تثبت أن الاستدامة هي “لغة المستقبل” التي يجب أن تتقنها المؤسسات الأكاديمية للبقاء في دائرة المنافسة العالمية. إن نجاح الجامعة في أن تكون “بيتاً للخبرة الوطنية” يقود التحول نحو مستقبل أكثر اخضراراً هو انتصار للعلم المصري الرصين. نحن لا نبني مبانٍ خضراء فحسب، بل نبني عقولاً مستدامة قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بكفاءة واقتدار.
إن مقالنا هذا لا يهدف فقط للإشادة بإنجاز أكاديمي، بل يهدف لاستخلاص “خارطة طريق” للمؤسسات العربية الأخرى. إن تجربة جامعة القاهرة تثبت أن الاستدامة ليست عبئاً مالياً، بل هي استثمار طويل الأمد يرفع من قيمة المؤسسة، ويقلل من تكاليفها، ويجعلها جزءاً أصيلاً من الحل العالمي لأزمة المناخ.
إن توثيق هذه التجربة في دار النشر العالمية “سبرينجر نيتشر” هو دعوة لكل الجامعات العربية للنظر إلى الاستدامة كضرورة حتمية، وليس كخيار تكميلي. فالمستقبل سيكون لأولئك الذين يجرؤون على صبغ تعليمهم وبحثهم العلمي باللون الأخضر.
هاشتاجات:
#جامعة_القاهرة – #الاستدامة_العالمية – #سبرينجر_نيتشر – #الجامعات_الخضراء – #رؤية_مصر_2030 – #التعليم_العالي – #الهيدروجين_الأخضر – #التحول_الرقمي – #الثقافة_العلمية – #الوعي_البيئي – #البيئة – #الاستدامة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
المصادر:
• تقرير استدامة جامعة القاهرة السنوي (فبراير 2026).
• منظمة اليونسكو: تقارير الابتكار الأخضر في الجامعات النامية.
• الأمم المتحدة: أهداف التنمية المستدامة (SDGs) والتعليم العالي.
• جامعة القاهرة: الاستراتيجية المتكاملة للتنمية المستدامة (2025-2030).
• تصنيف UI GreenMetric (2024): التقرير السنوي للاستدامة في الجامعات العالمية.
• . رابط الفصل العلمي
Springer Nature Link (2024): Green Metric in Higher Education- Measuring and Reporting on Sustainability Initiatives at Higher Education Institutions
***
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز