لماذا أصبح المهندس قائداً للتنمية المستدامة؟ (01 – 07)

من مصمم للبنية التحتية إلى صانع لمستقبل الإنسان والكوكب

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 06 أغسطس 2026

مقدمة
لم تعد التنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين مشروعاً بيئياً يقتصر على حماية الموارد الطبيعية أو الحد من التلوث، بل أصبحت إطاراً حضارياً شاملاً لإعادة تصميم العلاقة بين الإنسان، والاقتصاد، والبيئة، والتكنولوجيا. فمنذ اعتماد الأمم المتحدة لخطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها السبعة عشر عام 2015، لم يعد النجاح يقاس بمعدلات النمو الاقتصادي وحدها، وإنما بقدرة الدول والمؤسسات على تحقيق تنمية متوازنة تحفظ الموارد، وتعزز العدالة الاجتماعية، وتبني اقتصاداً أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

وفي خضم هذه التحولات، برز سؤال جوهري: من يقود عملية التحول نحو التنمية المستدامة؟ وهل تقع هذه المسؤولية على عاتق الحكومات وحدها، أم أن المهن التخصصية أصبحت مطالبة بإعادة تعريف أدوارها لتواكب هذا التحول العالمي؟

إذا كان الأطباء يقودون صحة الإنسان، والمعلمون يقودون بناء المعرفة، فإن المهندسين أصبحوا يقودون تصميم المستقبل نفسه. فالقرارات الهندسية لم تعد محصورة في حساب الأحمال الإنشائية أو تصميم شبكات الطرق أو تشغيل المصانع، بل أصبحت تحدد بصورة مباشرة حجم الانبعاثات الكربونية، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، واستدامة المدن، ومرونة البنية التحتية، ومستوى الأمن الغذائي، بل وحتى جودة الحياة للأجيال القادمة.

لقد تغيرت طبيعة التحديات العالمية بصورة جذرية. فالتغير المناخي، وشح الموارد الطبيعية، والنمو الحضري المتسارع، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، والأمن المائي، والاقتصاد الدائري، لم تعد قضايا منفصلة، بل أصبحت منظومة مترابطة تتطلب حلولاً هندسية متكاملة تعتمد على التفكير المنظومي، والابتكار، وإدارة المخاطر، وتقييم الأثر طويل المدى.

ومن هنا، لم يعد المهندس مجرد منفذ للمشروعات، بل أصبح شريكاً في صياغة السياسات العامة، ومستشاراً في التخطيط الاستراتيجي، وقائداً للتحول المؤسسي، ومسهماً رئيسياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ولم يعد نجاح المشروع الهندسي يقاس بسرعة الإنجاز أو كفاءة التنفيذ فقط، وإنما بقدرته على تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية متوازنة، وبما يتركه من أثر إيجابي ومستدام في المجتمع.

وتؤكد التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والاتحاد العالمي للمنظمات الهندسية، والمنتدى الاقتصادي العالمي، أن تحقيق معظم أهداف التنمية المستدامة يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالهندسة والابتكار، سواء في مجالات المياه والطاقة والنقل والمدن الذكية، أو في البنية التحتية المقاومة للمناخ، والاقتصاد الأخضر، والتقنيات الرقمية، وإدارة الموارد الطبيعية. وهذا يعني أن مستقبل الاستدامة لن يُبنى بالسياسات وحدها، بل يحتاج إلى مهندسين قادرين على تحويل الرؤى إلى حلول قابلة للتنفيذ.

وفي الوقت نفسه، يشهد العالم تحولاً غير مسبوق في مفهوم القيادة الهندسية. فالمهندس المعاصر لم يعد مطالباً بإتقان العلوم الهندسية فحسب، بل أصبح مطالباً بفهم الاقتصاد، والحوكمة، والاستدامة، والمسؤولية المجتمعية، وإدارة أصحاب المصلحة، والذكاء الاصطناعي، والتشريعات البيئية، ومؤشرات الأداء، وقياس الأثر. إنها مرحلة تنتقل فيها الهندسة من التركيز على بناء المشروعات إلى بناء الأنظمة، ومن إدارة الموارد إلى إدارة المستقبل.

ولا يقتصر هذا التحول على الدول الصناعية المتقدمة؛ فالعالم العربي يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دور المهندس في ضوء الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، والمدن الذكية، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، وتحلية المياه، والأمن الغذائي، والتكيف مع تغير المناخ. وهذه المشروعات تحتاج إلى مهندسين يمتلكون رؤية تنموية شاملة، لا تكتفي بالحلول التقنية، بل تنظر إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بوصفها عناصر متكاملة في عملية صنع القرار.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تحليل الأسباب التي جعلت المهندس أحد أهم قادة التنمية المستدامة في العصر الحديث، من خلال استعراض التحولات العالمية التي أعادت تشكيل المهنة، وبيان العلاقة الوثيقة بين الهندسة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، واستكشاف الأدوار الجديدة التي بات المهندس يؤديها في مجالات المناخ، والاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والحوكمة، والمسؤولية المجتمعية، وصولاً إلى تقديم رؤية مستقبلية حول المهارات والقدرات التي ينبغي أن يمتلكها مهندس المستقبل ليكون قادراً على قيادة التحول نحو مجتمعات أكثر استدامة وازدهاراً.

كيف تغيّر مفهوم الهندسة خلال العقود الثلاثة الأخيرة؟
على امتداد معظم القرن العشرين، ارتبطت صورة المهندس في أذهان المجتمعات بتشييد الجسور، وتصميم المباني، وإنشاء الطرق، وبناء المصانع، وتطوير شبكات الكهرباء والمياه. وكان النجاح المهني يقاس غالباً بدقة التصميم، وسلامة التنفيذ، والالتزام بالوقت، والميزانية. وقد أسهم هذا الدور التقليدي في دعم النهضة الصناعية والعمرانية في مختلف دول العالم، ورسّخ مكانة الهندسة بوصفها إحدى الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية.

إلا أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت تحولات عالمية عميقة أعادت تعريف وظيفة الهندسة بصورة جذرية. فقد أدت العولمة، والثورة الرقمية، والتغير المناخي، وتسارع النمو الحضري، وازدياد الضغوط على الموارد الطبيعية، إلى انتقال التركيز من الهندسة بوصفها علماً لبناء المنشآت إلى الهندسة بوصفها أداة لتصميم النظم القادرة على تحقيق الاستدامة.

هذا التحول لم يكن مجرد تطور في أدوات العمل أو استخدام برامج أكثر تقدماً، بل كان تحولاً في الفلسفة التي تحكم اتخاذ القرار الهندسي. فلم يعد المهندس مطالباً بالإجابة عن سؤال: كيف ننفذ المشروع؟، وإنما أصبح مطالباً أيضاً بالإجابة عن أسئلة أكثر تعقيداً: ما الأثر البيئي لهذا المشروع؟ وهل يسهم في تحسين جودة الحياة؟ وهل يحقق كفاءة استخدام الموارد؟ وهل سيظل قادراً على الصمود أمام مخاطر المناخ خلال العقود المقبلة؟

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

مهرجان صيف صافيتا السياحي… حين يتحول التراث السوري إلى محرك للتنمية المستدامة

عماد سعد: • المسؤولية المجتمعية تبدأ بدعم الإنسان والمكان. • حماية التراث مسؤولية مشتركة… وعائدها …

اترك تعليقاً