اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم 2026
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 11 فبراير 2026
في الحادي عشر من فبراير لعام 2026، لا نحتفل بمجرد تاريخ عابر في رزنامة الأيام، بل نحتفي بظاهرة كونية تتجلى فيها إرادة العقل حينما تلتقي برهافة الوجدان. إنها اللحظة التي تخلع فيها “نون النسوة” عباءة التهميش لترتدي مئزر المختبر الأبيض، معلنةً أن “الحقيقة العلمية” لا تميز بين يدٍ خشنة وأنامل ناعمة، بل تنحني لكل من يطرق أبوابها بصدق البحث وعمق التأمل.
حينما تتسلل أشعة الشمس إلى جدران المعامل، نجد المرأة والفتاة واقفةً كشجرة سدرٍ ضاربة في أعماق المعرفة، تمتص رحيق التساؤلات لتهدي البشرية ثماراً من الابتكارات التي تُغير وجه الحياة. إن هذا اليوم هو استردادٌ لاعتبار تاريخي طال انتظاره، واعترافٌ أممي بأن عبقرية الأنثى ليست استثناءً للقاعدة، بل هي الضلع القويم الذي يكتمل به صرح الحضارة الإنسانية. من هنا، ومن منطلق أمانتنا العلمية، نفتح هذا الملف لنقرأ في صفحات الإنجاز، ونستشرف مستقبل عالمٍ تقوده “عالمات” يصغن بذكائهن غدنا المشرق، في مشهد يعيد للأذهان إرث عالماتنا الأوائل اللواتي أنرن دروب المعرفة بمداد التقوى والبحث الرصين.
استراتيجية “الابتكار الأخضر”
يأتي احتفال عام 2026 تحت شعار “المرأة والابتكار الأخضر: قيادة التحول في العصر الرقمي”. لقد كان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2015 نقطة تحول مفصلية، لإدراك المجتمع الدولي أن أهداف التنمية المستدامة (SDGs) – وهي الخطة العالمية الطموحة للقضاء على الفقر وحماية كوكب الأرض – لا يمكن تحقيقها في معزل عن طاقات النساء، اللواتي يمثلن نصف الكتلة الحيوية والمبدعة في العالم.
في عامنا الحالي 2026، تشير تقارير منظمة “اليونسكو” إلى أن الفجوة في مجالات STEM (وهو المصطلح الجامع لعلوم العلوم Science، التكنولوجيا Technology، الهندسة Engineering، والرياضيات Mathematics) قد بدأت تضيق بشكل ملحوظ، خاصة في منطقتنا العربية. لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد “المشاركة الإحصائية”، بل انتقل إلى “التأثير النوعي”. فالمرأة اليوم هي من تقود مختبرات الطاقة المتجددة، وهي من تبرمج أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تدير المدن الذكية في أبوظبي ودبي وبقية العواصم العربية.
لقد بات من الواضح أن تمكين المرأة ليس مجرد قضية حقوقية، بل هو محرك اقتصادي جبار. فالدراسات تشير إلى أن سد الفجوة بين الجنسين في قطاع التكنولوجيا وحده يمكن أن يضيف ما لا يقل عن 12 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030.
العلم كجسر للتمكين الفكري والمجتمعي
لطالما أكد كاتب المقال الدكتور طارق قابيل في أطروحاته وسلسلة مقالاته أن تمكين المرأة في العلوم ليس “منحة” تجود بها المجتمعات، بل هو “استحقاق” تفرضه الكفاءة وتمليه ضرورة البقاء الحضاري. ويرى د. قابيل أن المجتمع العربي يمتلك كنزاً معرفياً دفيناً في فتياته، ويشدد دوماً على ضرورة تحويل التعليم من مجرد “تلقين” (أي حشو الأدمغة بالمعلومات) إلى “ابتكار” (أي خلق حلول جديدة لمشكلات معقدة).
يشير د. قابيل في كتاباته إلى أهمية “الثقافة العلمية” (Scientific Literacy)، وهي ليست مجرد معرفة بالقوانين الفيزيائية، بل هي قدرة الفرد على التفكير النقدي وفهم المبادئ الأساسية لاتخاذ قرارات حياتية صحيحة. بناءً على هذه الرؤية، تصبح المرأة المتعلمة علمياً هي “صمام الأمان” للأسرة والمجتمع؛ فهي الأم التي تدرك مخاطر التلوث، والباحثة التي تطور لقاحات الأوبئة، والقائدة التي تدير الأزمات البيئية بوعي ومنهجية لا تقبل العشوائية.
المرأة العربية في طليعة علوم المستقبل (الذكاء الاصطناعي والفضاء)
في عام 2026، لم تعد المرأة العربية مجرد “مشاركة” خجولة، بل أصبحت “قائدة” لمشاريع عملاقة.
1. في محراب البرمجيات والذكاء الاصطناعي: نجد اليوم مهندسات برمجيات عربيات يطورن خوارزميات وهي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية المتسلسلة التي تهدف لحل مشكلة ما – متخصصة في “الذكاء الاصطناعي الأخلاقي”. الهدف هو ضمان عدم تحيز الآلات ضد البشر بناءً على الجنس أو العرق، وهو مجال حيوي تبرع فيه المرأة نظراً لوعيها الفطري بالعدالة الاجتماعية.
2. في غمار الفضاء: شهد هذا العام تألق رائدات فضاء عربيات ضمن مهمات دولية لاستكشاف القمر، مما حطم نهائياً ما يسمى “السقف الزجاجي ” وهو مصطلح سوسيولوجي يعبر عن تلك الحواجز الخفية وغير المرئية التي تمنع النساء من الوصول إلى مراكز صنع القرار العليا.
هذا الإنجاز ليس مجرد مبعث فخر وطني، بل هو صرخة في وجه التقاليد البالية، ورسالة لكل فتاة صغيرة تجلس في فصل دراسي ناءٍ بأن طموحها يمكن أن يتجاوز حدود الغلاف الجوي ليلامس النجوم.
“نون النسوة” والبيئة
بالحديث عن الاستدامة، لا يمكن إغفال دور المرأة في العلوم البيئية. في عام 2026، تلعب الباحثات في دولة الإمارات والخليج العربي دوراً محورياً في:
• تحلية المياه بالطاقة الشمسية: ابتكار أغشية نانوية تزيد من كفاءة إنتاج المياه العذبة بأقل تكلفة طاقة.
• الحفاظ على التنوع البيولوجي: دراسة الجينوم الخاص بالنباتات الصحراوية لتعزيز مقاومتها للتغير المناخي.
• الاقتصاد الدائري: تطوير تقنيات لتدوير النفايات البلاستيكية وتحويلها إلى مواد بناء ذكية.
إن الطبيعة، في جوهرها، تتماهى مع الأنثى في فكرة “العطاء والاستمرارية”، ولذلك نجد أن المرأة هي الأقدر على فهم توازنات البيئة وحمايتها من العبث البشري.
التحديات المتبقية.. مواجهة “الأنابيب المتسربة”
رغم هذه الصورة المشرقة، لا تزال هناك عقبات يواجهها العلم بلسان “المؤنث”، وهي ما نسميه في الأوساط الأكاديمية بظاهرة “الأنابيب المتسربة”، حيث تبدأ الفتيات في التخصص العلمي بقوة، ولكن أعدادهن تتناقص كلما صعدنا في السلم الوظيفي والأكاديمي.
1. إشكالية التوازن:
لا تزال الباحثة العلمية تواجه تحدي الموازنة بين “المجهر” و”المنزل”. غياب السياسات الداعمة للأمومة في مراكز الأبحاث يؤدي أحياناً إلى خسارة عقول فذة.
2. الفجوة التمويلية:
تشير البيانات العالمية لعام 2026 إلى أن المشاريع التي تقودها نساء لا تزال تحصل على تمويل أقل بنسبة 20% مقارنة بمشاريع الرجال، وهو ما يتطلب ثورة في عقلية المؤسسات المانحة.
3. التحيزات اللاواعية:
وهي الأفكار المسبقة المختبئة في اللاوعي المجتمعي التي تروج بأن العلوم التطبيقية والفيزياء هي علوم “ذكورية” بامتياز، وهو ما يدحضه الواقع يومياً.
4. خارطة طريق لمستقبل أكثر إنصافاً
لضمان أن يكون عام 2027 وما بعده أكثر إشراقاً، نقترح التوصيات التالية المستلهمة من فكر د. طارق قابيل:
• إعادة صياغة المناهج: يجب أن تتضمن كتب العلوم قصص عالمات عربيات ومعاصرات ليكونوا “قدوة” للفتيات الصغيرات.
• حوافز ضريبية للمؤسسات: تشجيع الشركات التقنية التي تلتزم بنسبة توظيف نسائية عادلة في الأقسام البحثية.
• منصات التوجيه :ربط العالمات المخضرمات بالطالبات الصاعدات لنقل الخبرة وتجاوز عثرات البداية.
نحو فجرٍ معرفي لا يغرب
إننا ونحن نختتم هذا التقرير، لا يسعنا إلا أن نؤكد أن المرأة لم تعد “ضيفة” في محراب العلم، بل هي صاحبة الدار وصانعة القرار. إن اليوم الدولي للمرأة والفتاة في ميدان العلوم ليس مجرد مناسبة لتوزيع الدروع التذكارية، بل هو تذكير سنوي بأن العقل البشري هو أعظم ثرواتنا، وأن تعطيل نصف هذا العقل هو انتحار حضاري لا يرتضيه عاقل ولا تقره شريعة العلم.
إن المستقبل الذي ننشده، مستقبل “الاستدامة” و”الرفاه الرقمي”، يتطلب عيوناً ترى التفاصيل بذكاء الأنثى، وأيدياً تبني بدقة الباحثة، وقلوباً تنبض بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة. فليكن هذا اليوم ميثاقاً غليظاً بيننا وبين فتياتنا: أن نهيئ لهن الأرض، ونذلل لهن الصعاب، ونؤمن بأن “نون النسوة” حينما تتصل بفعل “العلم”، فإنها ترفع شأن الأمم وتصنع المعجزات التي عجز عنها الأوائل. وكما يقول الدكتور طارق قابيل دائماً: “العلم هو اللغة الوحيدة التي ستفهمها الأجيال القادمة، فلنجعل نساءنا أبلغ المتحدثين بها”.
هاشتاجات:
#يوم_المرأة_في_العلوم – #عالمات_عربيات – #الابتكار_الأخضر – #تمكين_المرأة_العلمي – #نون_النسوة_في_محراب_العلم – #الذكاء_الاصطناعي – #علوم_الفضاء – #التكنولوجيا_الحيوية – #الثقافة_العلمية – #مستقبل_العلم – #جيل_الابتكار – #الوعي_البيئي – #البيئة – #الاستدامة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز