كيف يتحوّل الابتكار من سلوك قيادي إلى قدرة مؤسسية قابلة للتوريث؟
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 01 فبراير 2026
تمرّ كثير من المؤسسات، ولا سيما تلك التي تعمل في بيئات تبدو مستقرة ومنضبطة، بلحظة دقيقة لا تلتقطها التقارير ولا تكشفها مؤشرات الأداء، كل شيء يبدو في مكانه الصحيح؛ الإجراءات تعمل، النتائج مقبولة، والموظفون يؤدّون أدوارهم وفق ما هو متوقّع، ومع ذلك، يبدأ شيء غير مرئي في التآكل ببطء داخل العمق التنظيمي، لا يُسمّى بسهولة، لكنه يُستشعر في طريقة التفكير، وفي غياب الأسئلة الجديدة، وفي تراجع الجرأة على اقتراح بدائل غير مألوفة، في هذه اللحظة تحديداً، لا تكون المشكلة نقص موارد أو ضعف كفاءة، بل غياب القدرة المؤسسية على الابتكار بوصفه شرط بقاء، لا مشروع تحسين مؤقت.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تتعثر الأفكار الابتكارية داخل بعض المؤسسات؟ هل يعود السبب إلى غياب قيادة قادرة على التفكير الابتكاري؟ أم أن المشكلة أعمق، وتتعلق بعدم انتقال الابتكار من مستوى السلوك القيادي إلى مستوى البنية المؤسسية ذاتها؟
لفهم هذا التعثر، لا بد من التمييز بين مفهومين يُستعملان غالباً بوصفهما مترادفين، بينما يشيران في الحقيقة إلى مستويين مختلفين تماماً من النضج التنظيمي: القيادة بالابتكار والتميّز بالابتكار.
تشير القيادة بالابتكار إلى نمط قيادي محدد، يمكن توصيفه نظرياً ضمن ما يُعرف في الأدبيات بالقيادة التحويلية الإبداعية والقيادة الريادية، بأن القائد هو المصدر الأساسي للأسئلة الجديدة، ومحرك التغيير، وصاحب الجرأة على كسر القوالب السائدة، يمتلك رؤية مستقبلية، يشجّع التجربة، ويمنح فريقه مساحة آمنة للمحاولة والخطأ، هنا يكون الابتكار فعلاً قيادياً، مرتبطاً بالوعي الفردي، وبالقدرة الشخصية على قراءة المستقبل واستشراف البدائل.
غير أن هذا النمط، على الرغم من أهميته، يظل هشّاً بطبيعته، لأنه لا ينبع من النظام، بل يُضَخّ فيه من خارج النظام، ومع تغيّر القائد، أو تصاعد ضغط النتائج قصيرة المدى، أو تبدّل الأولويات، يتراجع الابتكار تلقائياً، لا لأنه مرفوض، بل لأنه غير محمي بنيوياً، وغير مدمج في طريقة عمل المؤسسة نفسها.
ويتضح هذا التحدي بصورة أكبر في المؤسسات ذات الطابع الإداري أو الخدمي أو الأمني، حيث لا توجد “مختبرات” بالمعنى التقني المتعارف عليه، ففي مثل هذه السياقات، يُساء فهم الابتكار غالباً وكأنه مرتبط حصراً بالمنتجات أو التكنولوجيا، بينما يتمثّل الابتكار الحقيقي في ابتكار السياسات، وتصميم الإجراءات، ونماذج الخدمة، وآليات اتخاذ القرار، فهنا لا يكون الابتكار أداة إضافية، بل طريقة تفكير، وإذا بقي معتمداً على قائد واحد “يفكّر خارج الصندوق”، فإنه يظل عرضة للانطفاء بمجرد تغيّر هذا القائد.
وهنا ننتقل إلى مستوى أعمق وأكثر رسوخاً، وهو التميّز بالابتكار، والذي لا يعني كثرة الأفكار، ولا عدد المبادرات، بل يعني أن المؤسسة نفسها تصبح قادرة على إنتاج الابتكار بشكل منتظم، بغضّ النظر عمّن يقودها. نظرياً، يرتبط هذا المستوى بما يُعرف في أدبيات الإدارة بالقدرات الديناميكية للمؤسسات، حيث لا تُقاس قوة المؤسسة بما تملكه في لحظة معينة، بل بقدرتها المستمرة على التعلّم، والتكيّف، وإعادة تشكيل مواردها.
في التميّز بالابتكار، لا يُطلب من الموظف أن يكون “مبدعاً بالفطرة”، بل أن يعمل داخل نظام يسمح له بالملاحظة، ويشجّعه على الاقتراح، ويحميه عند التجربة، ويحوّل أفكاره إلى قرارات قابلة للاختبار، هنا يتحوّل الابتكار من مهارة قيادية إلى قدرة مؤسسية مُصمَّمة.
ويتجسّد هذا الفارق بوضوح في تجربة Toyota، التي يُختزل نجاحها كثيراً في مفهوم، (Kaizen)، غير أن هذا الاختزال مُخلّ في (Kaizen)، لم يكن سبب التميّز، بل نتيجة منظومة أعمق. ما تبنّته Toyota فعلياً هو مزيج من نظرية النظم الاجتماعية–التقنية، واحترام المعرفة الضمنية للعامل، وبناء بيئة تجعل التحسين المستمر جزءاً من الهوية التنظيمية، فالعامل لم يكن منفّذاً، بل شريكاً معرفياً، والأفكار لم تُجمع في صناديق اقتراحات، بل نوقشت يومياً، واختُبرت عملياً، ثم دُمجت في النظام، لذلك لم يكن الابتكار حدثاً عابراً، بل ممارسة يومية مستقرة، ولم يتأثر بتغيّر القيادات لأنه لم يكن مرتبطاً بها أصلاً.
وفي سياق مختلف شكلاً، لكنه متقارب بنيوياً، تظهر تجربة (Google)، فما حققته الشركة لا يمكن فهمه بمعزل عن نظريات التنظيمات المتعلّمة ونماذج الابتكار المفتوح، فتخصيص وقت للتجربة لم يكن امتيازاً وظيفياً، بل آلية مؤسسية لتقليل تكلفة الفشل المبكر، وأنظمة التقييم لم تكافئ النتائج فقط، بل كافأت التعلّم، والمعرفة لم تُحتكر داخل الإدارات، بل تدفقت أفقياً عبر منصات داخلية، وبهذه البنية لم تعد الأفكار رهينة العبقرية الفردية، بل نتاج نظام يسمح بتكاثرها واستدامتها.
هنا يصبح الربط بين الابتكار والحوكمة أمراً حتمياً، فالابتكار غير المحكوم يتحوّل إلى فوضى، والحوكمة غير المبتكرة تتحوّل إلى جمود، في النموذجين، لم تنجح Toyota ولا Google لأنهما “تشجعان الابتكار” خطابياً، بل لأن الابتكار كان محكوماً بأسئلة واضحة: من يجرّب؟ كيف؟ متى؟ ما حدود المخاطرة؟ وكيف يُدار التعلّم من الفشل؟ هذه الأسئلة تشكّل جوهر حوكمة الابتكار، وهي ما يجعل الابتكار قابلاً للاستمرار لا مجرد حالة ثقافية مؤقتة وعابرة.
وهنا لا يمكن فصل التميّز بالابتكار عن المشهد التنافسي العالمي، حيث لم يعد الابتكار شأناً داخلياً تُقوِّمه المؤسسة لنفسها، بل قدرة تُقاس وتُقارن عبر مؤشرات دولية معتمدة، وفي مقدمتها مؤشر الابتكار العالمي، فهذا المؤشر لا يقيس عدد الأفكار بحد ذاتها، بل يقيس قدرة الدول والمؤسسات على تحويل المعرفة إلى قيمة، والبحث إلى تطبيق، والسياسات إلى نتائج ملموسة، وتصدُّر دول مثل سويسرا، والسويد، والولايات المتحدة المراتب الأولى في المؤشر خلال السنوات الأخيرة لم يكن مصادفة، بل نتيجة بناء منظومات ابتكار متكاملة، تتقاطع فيها الحوكمة، والبحث العلمي، والبيئة التنظيمية، وقدرة المؤسسات على إنتاج ابتكارات قابلة للتطبيق والتوسّع، وفي هذه الدول، لا يُنظر إلى الابتكار كمبادرة ظرفية، بل كقدرة وطنية ومؤسسية تُدار وتُموَّل وتُحاسَب.
ويصبح بناء مختبرات الابتكار، ومنصات الأفكار، وأنظمة إدارة الابتكار، ضرورة استراتيجية حتى في المؤسسات الخدمية والأمنية، لا بوصفها فضاءات تقنية، بل كمساحات تفكير منظم، تُناقش فيها مشكلات الواقع، وتُختبر فيها الحلول، ويُمنح فيها الموظف دور الشريك في التطوير لا المنفّذ فق، فالمختبر هنا ليس مكاناً، بل عقلية مؤسسية تُحوّل الابتكار إلى ممارسة قابلة للاستمرار، عندها لا يعود الابتكار ترفاً تنظيمياً، ولا مهارة فردية مرتبطة بقائد ملهِم، بل يتحول إلى قدرة مؤسسية تُبنى، وتُدار، وتُورَّث عبر الزمن.
فالقيادة بالابتكار قادرة على إطلاق الشرارة الأولى، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة الاستدامة، ما يصنع الفارق الحقيقي هو التميّز بالابتكار، حين تتحول الجرأة إلى نظام، والتجربة إلى ممارسة، والتعلّم إلى وظيفة تنظيمية مستقرة.
وهنا تتضح الخلاصة الجوهرية: بأن الابتكار الذي يبقى سلوكاً قيادياً يظل هشّاً مهما كان لامعاً، أما الابتكار الذي يتحول إلى قدرة مؤسسية محكومة، فيصبح أصلاً استراتيجياً طويل الأمد.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل لدينا قادة مبتكرون؟ بل السؤال الأعمق، هل صُمِّمت مؤسستنا لتفكّر، وتتعلّم، وتبتكر، حتى في غياب القائد المُلهم؟، هنا فقط لا يعود الابتكار مبادرة، ولا يصبح حلاً مؤقتاً، بل يتحول إلى منطق عمل، وهوية مؤسسية، وقدرة قابلة للتوريث، عندها لا تقود المؤسسة بالابتكار، بل تُدار بالابتكار.
الكلمات المفتاحية:
القيادة بالابتكار، التميز بالابتكار، الابتكار المؤسسي، القدرات الابتكارية المستدامة، حوكمة الابتكار، تحويل الابتكار إلى نظام، القيادة التحويلية، المنظمات المتعلمة، إدارة المعرفة، الابتكار كقدرة تنظيمية، الاستدامة الابتكارية، مؤشر الابتكار العالمي، مختبرات الابتكار، القدرات الديناميكية للمؤسسات، الابتكار في المؤسسات الخدمية والأمنية، الاستدامة المؤسسية، Toyota، Google.
(*) الدكتور أنيس رزوق
أكاديمي ومستشار قيادي متخصص في الجودة والتميز المؤسسي. عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
المراجع:
1. أبو النصر، مدحت محمد (2015)، القيادة الإبداعية والابتكار المؤسسي، القاهرة: المجموعة العربية للتدريب والنشر.
2. السلمي، علي (2001)، إدارة التغيير والابتكار في المنظمات، القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر.
3. الزعبي، أحمد محمود (2019)، إدارة الابتكار والتميّز المؤسسي، عمّان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع.
4. حجازي، منير (2018)، الإبداع والابتكار في المنظمات الحديثة، عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع.
5. تشسبروه، هنري (2011)، الابتكار المفتوح: النموذج الجديد لخلق التكنولوجيا وتحقيق القيمة منها، (ترجمة: مركز التعريب والبرمجة)، الرياض: مكتبة جرير.
6. نونـاكا، إيكوجيرو، وتاكيوتشي، هيروتاكا (2007)، الشركة المبدعة للمعرفة: كيف تبتكر الشركات اليابانية ديناميكيات الابتكار، (ترجمة: مركز التعريب والبرمجة). الرياض: مكتبة جرير.
7. سينج، بيتر م (2010).، المنظمة المتعلمة: فن وممارسة المنظمة المتعلمة،) ترجمة المنظمة العربية للتنمية الإدارية)، القاهرة: المنظمة العربية للتنمية الإدارية.
8. المنظمة العالمية للملكية الفكرية (2023)، مؤشر الابتكار العالمي 2023: الابتكار في مواجهة عدم اليقين، جنيف: الويبو.
9. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2018)، حوكمة الابتكار وإدارته في المؤسسات، باريس: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز