شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 09 مايو 2026
لا يحدث الجفاف فجأة. تبدأ الأرض بفقدان رطوبتها قليلاً، ثم يتراجع العشب، وتبهت الخضرة، وتتشقق التربة قبل أن ينتبه الناس إلى أن التصحر قد بدأ زحفه البطيء. وكذلك اللغة؛ فهي لا تضعف في يوم واحد، ولا تفقد حيويتها دفعة واحدة، وإنما تبدأ المسألة بجفاف خفيف في المفردات، وتراجع في مهارات التعبير، وانقطاع تدريجي عن القراءة، حتى يصبح اللسان أقل قدرة على البيان، والعقل أقل قدرة على بناء الفكرة بلغته.
وأخشى أن يطول هذا الجفاف اللغوي، فيزحف التصحر إلى مؤسساتنا التعليمية كلها، بدءًا من الروضة حتى التعليم الثانوي، لنجد أنفسنا في الجامعات أمام جيل يريد أن يتعلم بغير لغته، لأنه لم يعد يجد فيها مأوى معرفيًا آمنًا. تصبح العربية، في شعوره، أرضًا مقفرة: لا الكلمات تسعفه، ولا النصوص ترويه، ولا الكتاب العربي يظله. وحين يصل الطالب إلى هذه المرحلة، يكون قد قطع مسافة طويلة من الانقطاع والجفاف اللغوي، حتى فقد إحساسه بالألفة مع لغته.
إن الطفل الذي لا يسمع لغة غنية في بيته، ولا يجد قصة تشدّه، ولا حوارًا يوقظ فضوله، يشبه غرسة تُركت في أرض عطشى. والطالب الذي يمر بمراحل التعليم دون أن يقرأ نصًا يحرّك خياله، أو يكتب كتابة تعبّر عن ذاته، يتعلم اللغة بوصفها عبئًا دراسيًا لا فضاءً للحياة. ومع الوقت، تتراجع الثروة اللفظية، ويضيق التعبير، ويصبح التفكير نفسه محدودًا بحدود اللغة المتاحة.
وللتصحر اللغوي علامات تشبه علامات التصحر البيئي. فكما تختفي الأشجار من الأرض الجافة، تختفي المفردات من الخطاب اليومي. وكما تضعف التربة حتى تعجز عن الإنبات، تضعف اللغة حتى تعجز عن حمل الأفكار الدقيقة. وعندها يكثر الضجيج الكلامي، وتقل المعاني، ويصبح التواصل أسرع، لكنه أفقر.
ولا تُقاوَم موجات التصحر اللغوي بالخطب العابرة، تمامًا كما لا تُوقَف هجمات الرمال بالتمنّي. ففي البيئات المهددة بالتصحر، تُزرع الأحزمة الخضراء على أطراف الصحراء لتثبيت التربة وحماية الحياة من الزحف القاسي. واللغة كذلك تحتاج إلى أحزمة لغوية تقاوم الجفاف قبل أن يستفحل. قد يكون ذلك معلمًا يؤمن برسالته، فيحوّل درس اللغة العربية من مادة جامدة إلى تجربة حيّة، ويستعمل طرائق تدريس مبهرة تجعل الطالب يكتشف جمال الكلمة بدل أن يخشاها. وقد يكون صانع محتوى يعيد للحرف العربي بريقه، فيقدّمه بلغة ممتعة مقنعة، قادرة على الوصول إلى الجيل بلغته وأدواته. وقد يكون أسرة تقرأ لأطفالها، أو مكتبة صغيرة في زاوية بيت، أو مبادرة شبابية تحيي القراءة والحوار.
هذه الجهود قد تبدو متفرقة وصغيرة، لكنها تشبه الأشجار الأولى التي تُزرع على حافة الصحراء؛ لا توقف التصحر في يوم واحد، لكنها تمنع امتداده، وتعيد إلى الأرض قدرتها على التنفس. فاللغة لا تستعيد عافيتها بقرار إداري فقط، وإنما بأشخاص يختارون يوميًا أن يكونوا حرّاسًا للخضرة في وجه الجفاف.
إن أخطر ما في التصحر اللغوي أنه لا يسلب الإنسان لغته فقط، وإنما يسلبه شعوره بالأمان داخلها. وحين يفقد الجيل ثقته بلغته، يبدأ بالبحث عن ظل آخر، ولو كان بعيدًا عن تربته الأولى.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز