التمويل المناخي في الشرق الأوسط

عمار الشامي:

  • من التعهدات الدولية إلى الاستثمارات الخضراء… كيف يعيد التمويل المناخي تشكيل السياسات والمشروعات في المنطقة العربية؟
  • التمويل المناخي ينتقل من الوعود إلى التنفيذ… والمياه والطاقة والهيدروجين ترسم خريطة الاستثمارات الجديدة في المنطقة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عمار الشامي (*)، عمان، المملكة الأردنية الهاشمية، 22 أغسطس/ آب 2026
منذ انطلاق مؤتمر الأطراف الأول COP1 في برلين عام 1995، بدأ العالم رحلة طويلة لبناء منظومة دولية لمواجهة تغيّر المناخ. في تلك المرحلة الأولى كان التركيز منصباً على وضع الأسس القانونية، مثل بروتوكول كيوتو الذي ألزم الدول الصناعية بخفض الانبعاثات، لكن التمويل المناخي ظل محدوداً ومقتصراً على آليات تجريبية مثل آلية التنمية النظيفة. هذه المرحلة مثّلت التأسيس، حيث وُضعت القواعد الأولى دون أن تتوفر بعد الأدوات المالية الكافية لدعم الدول النامية.

مع مرور الوقت، دخل العالم مرحلة ثانية أكثر نضجاً، بدأت مع مؤتمر كانكون (COP16) وتوّجت باتفاق باريس عام 2015. هنا تغيّر المنطق من الالتزامات القانونية الصارمة إلى التعهدات الطوعية عبر المساهمات المحددة وطنياً (NDCs).والمساهمات الوطنية هي عبارة عن اهداف وطنية لتخفيف الانبعاثات بالإضافة الى مسار أهداف لمشاريع حماية المجتمعات والبيئة من التطرف المناخي. كما تأسس الصندوق الأخضر للمناخ ليكون أكبر آلية تمويل لدعم مشاريع التخفيف والتكيّف في الدول النامية. هذه المرحلة كانت مرحلة التحول، حيث أصبح التمويل المناخي جزءاً أساسياً من النقاش العالمي، وبدأت المؤسسات المالية الدولية والبنوك التنموية في إدماج المناخ ضمن استراتيجياتها.

أما المرحلة الثالثة، الممتدة من غلاسكو COP26، 2021 حتى بيلم COP30، 2025، فهي مرحلة التنفيذ والتسريع. في اجتماع غلاسكو (COP26) عام 2021 اجتمعت أكبر المؤسسات المالية العالمية تحت مظلة “تحالف غلاسكو المالي من أجل صافي صفر” (GFANZ)، وهو ائتلاف يضم أكثر من 450 بنكاً وشركة تأمين ومدير أصول تمثل أكثر من 130 تريليون دولار من رأس المال الخاص، وأصدرت توصيات ملزمة للمجتمع المالي العالمي حول الإفصاح، إدارة المخاطر، وتمويل التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.

في جلاسكوا انشا أكبر تحالف مالي عالمي لتمويل المناخ ” التحالف المالي الدولي لصافي صفر انبعاثات كربونية” GFANZ، يضم بنوكاً مثل HSBC، Citi، Barclays، وشركات إدارة أصول مثل BlackRock و Vanguard، إضافة إلى شركات تأمين كبرى. وايضا شارك بهذا الاجتماع البنوك المركزية عبر شبكة البنوك المركزية والمشرفين الماليين لتخضير النظام المالي (NGFS)، التي تضم أكثر من 100 بنك مركزي وهيئة رقابية. وحضر ايضا المؤسسات الاستشارية: مثل Oliver Wyman وEY وDeloitte، التي قادت جلسات عمل حول الإفصاح المالي وإدارة المخاطر المناخية. وتم اسناد هذا االجتماع بهيئة دولية ترسم الماعيير من خلال تحالفات دولية مثل Task Force on Climate-Related Financial Disclosures (TCFD) التي وضعت معايير للإفصاح عن المخاطر المناخية.

هذه الجهات المالية لم تكتفِ بالمشاركة الرمزية، بل أصدرت توصيات واضحة للمجتمع المالي العالمي. فقد طُلب من المؤسسات المالية وضع خطط انتقالية نحو صافي صفر بحلول عام 2050 مع أهداف مرحلية قبل 2030، واعتماد معايير الإفصاح الموحدة وفق توصيات TCFD. كما تم التشديد على ضرورة مضاعفة التمويل المخصص للتكيّف في الدول النامية، ووقف تمويل الفحم تدريجياً، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

القرارات التي خرجت من غلاسكو كان لها أثر مباشر على البنوك المركزية في المنطقة العربية. فـ البنك المركزي الأردني بدأ بإدماج التمويل الأخضر في سياسات الإقراض، وأصدر تعليمات للبنوك التجارية لدعم مشاريع الطاقة المتجددة والمياه. أما مصرف الإمارات المركزي فقد وضع إطاراً للإفصاح المستدام وأدخل معايير ESG في تقييم البنوك، فيما أطلق البنك المركزي السعودي (ساما) برامج لاختبارات الضغط المناخي وربط التمويل الأخضر برؤية 2030 ومشاريع نيوم والهيدروجين.

بهذا الشكل، أصبح اجتماع غلاسكو نقطة تحول ليس فقط في السياسة المناخية العالمية، بل أيضاً في النظام المالي الدولي، حيث انتقلت البنوك المركزية والمؤسسات المالية من موقع المراقب إلى موقع الفاعل المباشر في مسار التمويل المناخي.

في غلاسكو، اتُخذ قرار مضاعفة تمويل التكيّف وتعزيز الشفافية في الإفصاحات المالية، وهو ما دفع البنوك المركزية حول العالم إلى إدماج مخاطر المناخ في اختبارات الضغط المالي. وقد كان لهذا الاجتماع أثر مباشر على المنطقة العربية؛ إذ بدأ البنك المركزي الأردني بإصدار تعليمات للبنوك التجارية لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة والمياه، وأطلق مصرف الإمارات المركزي إطاراً للإفصاح المستدام وإدماج معايير ESG في تقييم البنوك، فيما شرع البنك المركزي السعودي (ساما) في تطبيق اختبارات الضغط المناخي وربط التمويل الأخضر برؤية 2030 ومشاريع الهيدروجين والطاقة المتجددة.

منذ ذلك الحين، أصبح التمويل المناخي ليس مجرد التزام دولي، بل جزءاً من السياسات النقدية والمالية في المنطقة. ومع إطلاق صندوق Alterra في دبي خلال COP28 برأسمال 30 مليار دولار، والاتفاق في باكو خلال COP29 على هدف تمويلي جديد بقيمة 300 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، دخل التمويل المناخي مرحلة جديدة من التوسع والعدالة المناخية. وفي بيلم خلال COP30، تم التأكيد على ضرورة تحويل التعهدات إلى استثمارات فعلية، مع التركيز على ضمان وصول التمويل إلى الدول الأكثر هشاشة.

بهذا التسلسل، يتضح أن التمويل المناخي تطوّر عبر ثلاث مراحل مترابطة: التأسيس، التحول، ثم التنفيذ والتسريع. وكل مرحلة لم تكن مجرد محطة تفاوضية، بل انعكست على السياسات المالية العالمية والإقليمية، وصولاً إلى إدماج البنوك المركزية في الأردن والإمارات والسعودية لهذا الملف كجزء من استراتيجياتها لضمان الاستقرار المالي ومواكبة التحولات المناخية.

في الأردن، يشكّل مشروع تحلية ونقل مياه العقبة–عمّان أكبر مبادرة في مسار التمويل المناخي، بقيمة تصل إلى ست مليارات دولار، مدعوم من الصندوق الأخضر للمناخ والولايات المتحدة والبنك الدولي. وقد نجحت المملكة في استقطاب أكثر من 623 مليون دولار بين عامي 2021 و2026 عبر السندات الخضراء وبرامج التمويل الدولية، مع خطط مستقبلية لتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وإصدار سندات إضافية ضمن رؤية التحديث الاقتصادي. وقد اعتمد صندوق التمويل الاخضر اكير صندوق لتمويل المناخي بنك تنمية المدن والقرى كبنك معتمد في تمثيل التمويل لصندوق التمويل الاخضر بحيث تطرح المشاريع التنموية في البنك ويقوم البنك بتنسيق مع الشركاء المحليين والدوليين لعمليات تمويل مشاريع المناخ المختلفة.

أما الإمارات، فقد رسخت مكانتها كقائدة إقليمية في التمويل الأخضر من خلال مشاريع رائدة مثل مدينة مصدر وصندوق Alterra الذي أُطلق في مؤتمر دبي للمناخ (COP28) برأسمال 30 مليار دولار بهدف تعبئة 250 مليار دولار بحلول عام 2030. كما تعمل على تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية مع أنظمة التخزين، بدعم من صناديق سيادية كبرى مثل مبادلة وأبوظبي للاستثمار، إضافة إلى البنك المركزي الإماراتي وهيئات تنظيمية متخصصة. وتتمثل خططها المستقبلية في تعزيز التمويل الموجّه للتكيّف، وزيادة إصدار السندات الخضراء، وتوسيع مشاريع الهيدروجين للتصدير.

وفي السعودية، يتجسد التحول الكبير تحت مظلة رؤية 2030 عبر مشاريع ضخمة مثل مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر بقيمة تتراوح بين خمسة وثمانية مليارات دولار، ومحطة الشعيبة الشمسية بطاقة 2.6 جيجاواط، ومزرعة دومة الجندل للرياح بقدرة 400 ميجاواط. كما أطلقت المملكة حزمة تمويل بقيمة 8.2 مليار دولار لتطوير 15 جيجاواط من مشاريع الطاقة المتجددة. يقود هذا المسار صندوق الاستثمارات العامة وشركة أكوا باور، إلى جانب دعم من بنوك التنمية الدولية. وتخطط السعودية لاستثمار 180 مليار دولار حتى عام 2030 في الطاقة المتجددة والكربون الدائري، مع هدف توليد نصف الكهرباء من مصادر نظيفة بحلول 2030 والوصول إلى الحياد الكربوني في 2060.

بهذا، يظهر أن الأردن يركز على الأمن المائي والطاقة النظيفة، والإمارات تقود التمويل المناخي عبر صناديق سيادية ومبادرات عالمية، فيما تنفذ السعودية أكبر حزمة مشاريع للطاقة والهيدروجين في المنطقة، لتشكل الدول الثلاث معاً مساراً إقليمياً متكاملاً نحو مستقبل أكثر استدامة.

(*) المهندس عمار الشامي:
ماجستير اقتصاد وإدارة أعمال، خبير تنموي وتمويل مناخي دولي، مستشار ومدير مشاريع تنموية.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

أريستون الشرق الأوسط تكرّس مسؤوليتها المجتمعية بدعم المدارس الإماراتية وحلول الاستدامة

شراكة متجددة مع مجموعة الإمارات للبيئة لتعزيز الوعي المناخي وترسيخ الممارسات البيئية المستدامة بين الطلبة …

اترك تعليقاً