فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (30 – 30)

المواطن الإماراتي والشهادة في سبيل الوطن

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 30 أغسطس 2026
نعم!.. يستحق المواطن الإماراتي بجدارة صفة “العنوان” للوطنيّة والمُواطَنة، مع ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ ثمينة وأحقيّة. وهل من مثلٍ أكبر وأرقى على هذا العنوان من أن يقدّم المواطن حياته ويستشهد في سبيل عزّة وطنه؟!..
لقد تعدّدت أيّام دولة الإمارات الوطنية بتنوّع الإنجازات والمكتسبات، وكلّ منها يحمل أبعادًا وطنية مشرفة، إلاّ أنّ “يوم الشهيد” الذي يُحتفي به في 30 نوفمبر من كل عام، يشكّل أقصى قِيم الوطنية والمُواطَنة والولاء والانتماء والإخلاص، وأشدّها تأثيرًا.. إنّه يوم العزّ والفخر، يوم المجد بالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتّحدة، يوم الولاء لوطن الخير من شعب الوفاء، إنّها مناسبة يحتفل فيها الإماراتيون بتضحيات شهدائهم الأبرار الذين وهبوا أرواحهم لأجل أمن وطنهم وسلامته، ومن يعيش عليه.

في هذا اليوم من كل عام يعيش الشعب الإماراتي، لحظات مجيدة يستذكرون فيها بطولات أبنائهم الشهداء في ميادين العزّ والشرف منذ أوّل شهيد إماراتي جادَ بروحه الطاهرة دفاعًا عن تراب وطنه ضدّ الاحتلال الإيراني لجزيرة طنب الكبرى في 30 نوفمبر 1971، وهو الشهيد سالم سهيل بن خميس، ومرورًا بالشهداء الذين ارتقوا في مهمّة حفظ الأمن والاستقرار في مملكة البحرين، وانتهاءً بشهداء الحقّ والواجب في عملية استعادة الشرعية في اليمن منذ العام 2015.

لقد بادرت قيادة الإمارات بجعل يوم الثلاثين من نوفمبر مناسبة وطنية لتكريم شهداء الوطن الأبرار، بالإضافة إلى غيرها من المبادرات التي صبّت في تكريم الشهداء والاهتمام بذويهم، وأهمّها أوامر سموه بمنح شهداء الوطن الأبرار “وسام الشهيد” تخليدًا ووفاءً وعرفانًا بتضحياتهم وعطائهم في سبيل أداء الواجب الوطني.
كذلك وجّه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله- بإنشاء نصب تذكاري للشهداء في أبوظبي، وإنشاء مكتب للاهتمام بشؤون ذوي الشهداء وتوفير الحياة الكريمة لهم(1).

وفي أحد بيانات اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات بمناسبة يوم الشهيد، ورد التالي: تحتفل دولة الإمارات العربية المتّحدة بالشهيد، بما هو شخص مسمّى نعرفه ونفتقده بعد أن حضر وغاب غيابًا هو أقرب إلى الحضور، وبما هو رمز نتمثّله سلوكًا ومبدأ ومنهج حياة. وأكّد البيان “أنّ الاحتفال بالشهيد كمناسبة وطنية كبرى، إنّما كان لأنّ الشهادة تكثف ببلاغة الفعل سيرة الوطن ومسيرته، وترسم بلون الدم الطاهر لوحة الحلم الكبير، وتقود على وقع الهتاف المؤمن الواثق مواكب النصر العظيم، بهذا لا يعود الاحتفال مراسم تؤدّى؛ بل يتحوّل إلى حياة تتواصل كل لحظة بكل زخمها وغناها”(2).

كما جاء في البيان: “في سيرة الإمارات أنّها بدأت مشروع حياة وإحياء رسم ملامحه المباركة مؤسّسها القائد الرمز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فكانت كذلك، وانتشر أبناؤها في أصقاع الأرض يدافعون عن الحياة إعمارًا ومبادرات خير ونجدة وإغاثة وأيادٍ بيضاء لم تميّز بين أحد، لذلك عندما نتحدث عن الشهادة فبوصفها ثقافة حياة وعطاء من أجل الحياة. والشهادة إبداع بذاتها، كما أنّها ملهم للإبداع، ومن للإبداع بهذا المعنى سوى المبدعين من الكتّاب والأدباء والفنانين والمثقفين، ليجسّدوه نصًّا ولوحة وأداء”(3).

لقد كشف ارتقاء عدد من شهداء الإمارات عن الكثير من الحقائق المهمّة، أولاها: قوّة المجتمع الإماراتي وقدرته على تحمُل التضحيات واللحظات الصعبة من دون اهتزاز أو اضطراب، وقد أثبت المجتمع الإماراتي في تعامله بصلابة ورباطة جأش مع قضية الشهداء، أنّ دولة الإمارات العربية المتّحدة التي يعرفها العالم بالرفاهية والحياة الرغيدة، قادرة كذلك على الوقوف بصلابة في مواجهة التحدّيات، وتقديم الشهداء، وخوض المعارك الصعبة والانتصار فيها إذا دعاها الواجب، أو تعرّض أمنها أو أمن أشقّائها للتهديد والخطر. ولعلّ النجاح الكبير لتجربة الخدمة الوطنية الاحتياطية للشباب الإماراتي في القوّات المسلحة هو مثال آخر على أنّ هذا المجتمع، وإن كان مجتمعًا مرفّهًا، هو مجتمع صلب أيضًا، ولديه إدراك كامل لمسؤولية أبنائه في الحفاظ على أمن الوطن وسيادته ومصالحه في عصر مضطرب.

لقد نقلت كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في مجالس العزاء للشهداء الأبرار، إلى العالم كلّه صورة باهرة عن معنى القيادة الحقّة التي تحنو على الصغير وترعى الكبير وتنظر إلى شعبها بصفته جزءًا من أسرتها الكبيرة، فها هو سموه يتعهّد لكل أهالي الشهداء بالاهتمام والرعاية في عبارة سوف تظل محفورة في تاريخ الوطن، حينما قال لهم: “الشهيد وأنتم وعيالكم كلكم عظم الرقبة”، وعندما قالت له طفلة أحد الشهداء ببراءة وهي تطوّق عنقه: “أنت أبوي”، لم يتردّد سموه في الردّ عليها: “أشهد أنّي أبوك”. وكان ذلك من أكثر المشاهد التي أثّرت في المواطنين، وعبّرت للعالم كله عن المعنى الحقيقي لمفهوم القيادة الإنسانية في دولة الإمارات العربية المتّحدة.

ثمّة مشاهد لا تُحصى لها دلالاتها ومعانيها عن عمق الانتماء إلى الوطن الذي يميّز أبناء شعب دولة الإمارات العربية المتّحدة، ويجعلهم يشعرون بدَين له في أعناقهم، ومنها مشهد ذلك الجريح البطل الذي طلب من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عندما كان سموه يزور جرحى العمليات العسكرية في اليمن، أن يسمح له بالعودة إلى ميدان القتال لمشاركة زملائه في حربهم ضد ميليشيات الحوثي، على الرّغم من عدم تماثله للشفاء بعد، ما دفع سموه إلى القول مخاطبًا الجرحى: “الدار بخير ما دام فيها من أمثالكم، شجعان، يضحّون بالغالي والرخيص، وبعون الله وبعلو همّتكم وبالعزيمة الصادقة لرجالنا في القوات المسلحة”.

المواطن الإماراتي عنوان الوطنيّة والمُواطَنة
لقد بينّا أنّ الوطن يرتكز على عاطفة مرتبطة بالمكان وشعور أبنائه نحوه بالانتماء والحب، وهو واقع يُحقّق مصلحة واحدة في بقعة أرضية واحدة لمجموعة بشريّة تعيش فيه، وهو الهويّة التي تتمثّل بتاريخ وثقافة وعادات وتقاليد، والتي تشكّل الانتماء إليه لا لكيان أو وطن آخر. وبينّا أنّ عناصر الوطن هي الشعب ومكان الاستقرار والسلطة التي تؤمّن الحقوق وترعى الواجبات.
انطلاقا ًمن هذا التعريف، سلّطنا الضوء على مفهوم الوطنيّة التي تعني التعلّق بالوطن وحبّه والإخلاص له والتضحية من أجله ومن أجل تعزيز مصالحه، أي الولاء له والارتباط بمَن حوله فيه ممّن عاش بينهم، والاهتمام الدائم بمصيره ومستقبله.

وبالعودة إلى ما ذكرناه في موضوع تميّز المواطن الإماراتي، نرى أنّ الوطن والوطنيّة هما جزء لا يتجزّأ من حياته وكيانه؛ حيث يتمتّع بالوفاء لوطنه والسعي إلى تعزيز مصالحه ورفعته وازدهاره، ويترجم انتماءه إليه بالتعامل والتصرفات المختلفة التي يمارسها مع الآخرين من أبناء مجتمعه، للعيش معهم في أمن وسلام، ومن خلال تعلّقه بهويّته وتُراثه وتطبيقه لقِيم وتقاليد مجتمعه في حياته اليومية.

إنّ إيجازنا لهذه المقوّمات المتعلّقة بمُواطَنة المواطن الإماراتي، إنّما أردنا منها الإشارة مجدّدًا إلى دوره الفاعل في مسيرة الوطن، علمًا أنّنا أفضنا الشرح سابقًا عن هذه المقوّمات، كلّ في باب مستقل. وبخلاصة ما تمّ ذكره، يستحق المواطن الإماراتي بجدارة صفة “العنوان” للوطنيّة والمُواطَنة، مع ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ ثمينة.

المراجع:
(1): وكالة أنباء الإمارات، 29 نوفمبر 2015.
(2): ملحق يوم الشهيد، جريدة البيان الإماراتية، العدد 12948، ص.2، 30 نوفمبر 2015.
(3): اتّحاد كتّاب وأدباء الإمارات، الشهادة تلخّص سيرة الوطن ومسيرته، وكالة أنباء الإمارات، 29 نوفمبر 2015.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (26 – 30)

تميز السياسة الخارجية مصدر اعتزاز للإماراتيّين شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً