العمل الخيري والتطوع المعرفي في عصر الاستدامة

من العطاء إلى صناعة الأثر

• في اليوم العالمي للعمل الخيري.. شبكة بيئة أبوظبي نموذج للعطاء المعرفي والإعلامي والعمل التطوعي من أجل الصالح العام.
• من الإغاثة التقليدية إلى التمكين والتطوع المعرفي وصناعة الأثر، شبكة بيئة أبوظبي.. 15 عاماً من التطوع المعرفي والإعلامي لخدمة البيئة والمجتمع.

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 05 سبتمبر 2026

يأتي اليوم العالمي للعمل الخيري، الذي يحتفل به العالم في الخامس من سبتمبر من كل عام، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم العمل الخيري نفسه، ليس من حيث قيمته الإنسانية والأخلاقية التي لا خلاف عليها، وإنما من حيث دوره في عالم تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والإنسانية بصورة غير مسبوقة.

فالعمل الخيري كان وسيبقى أحد أنبل أشكال التضامن الإنساني، وتعبيراً عملياً عن قدرة الإنسان على تجاوز مصالحه الفردية والوقوف إلى جانب الآخر. لكن التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم تفرض سؤالاً جديداً: هل يكفي أن يساعد العمل الخيري الإنسان على تجاوز أزمته، أم ينبغي أن يساعده أيضاً على بناء قدرته حتى يصبح أكثر قدرة على مواجهة أزمات المستقبل؟
هنا تحديداً يبدأ التحول من العمل الخيري التقليدي إلى العمل الخيري الاستراتيجي والمستدام.

العمل الخيري.. رأس مال اجتماعي قبل أن يكون مالياً
من الخطأ اختزال العمل الخيري في حجم الأموال المقدمة أو عدد المستفيدين من المساعدات. فقيمته الحقيقية تتجاوز ذلك إلى بناء ما يمكن تسميته رأس المال الاجتماعي؛ أي الثقة والتكافل والشعور بالمسؤولية المشتركة بين أفراد المجتمع ومؤسساته.

فالعمل الخيري يوحد الناس حول قيمة إنسانية بسيطة وعميقة في آن واحد: أن مسؤولية الإنسان لا تتوقف عند حدود ذاته. ومن هنا تتعدد أشكاله؛ فقد يكون تبرعاً مالياً، أو ساعة من العمل التطوعي، أو معرفة يقدمها خبير، أو فرصة تعليمية لطالب، أو علاجاً لمريض، أو مبادرة لحماية البيئة، أو مؤسسة توفر للفئات الأكثر هشاشة الأدوات التي تساعدها على الاعتماد على نفسها.

ولهذا فإن المجتمعات التي تمتلك ثقافة قوية في التطوع والعطاء والتكافل لا تمتلك فقط موارد إضافية لمواجهة الأزمات، وإنما تمتلك شبكات اجتماعية أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود.

من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب
التطور الأهم الذي يشهده العمل الخيري عالمياً يتمثل في الانتقال التدريجي من التعامل مع نتائج المشكلة إلى محاولة معالجة أسبابها الجذرية. هناك فارق كبير، على سبيل المثال، بين توفير الغذاء لأسرة محتاجة، وهو تدخل إنساني ضروري، وبين مساعدتها في اكتساب مصدر دخل مستدام. وبين تحمل تكاليف تعليم طفل، وبين المساهمة في تطوير منظومة تعليمية تمنع تسرب آلاف الأطفال من المدارس.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الإغاثة المباشرة؛ ففي الكوارث والحروب والأزمات الصحية والفقر المدقع تكون الاستجابة العاجلة ضرورة لا تحتمل الانتظار. لكن العمل الخيري الأكثر نضجاً هو الذي يستطيع الجمع بين مسارين:
الاستجابة للحاجة اليوم، وبناء القدرة على الاستغناء عن المساعدة غداً. وهذه المعادلة تمثل جوهر الانتقال من الصدقة إلى العمل الخيري الاستراتيجي.

العمل الخيري وأهداف التنمية المستدامة
منحت أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 العمل الخيري مساحة أوسع من المفهوم التقليدي للمساعدة، لأن التحديات التي تتناولها أهداف التنمية المستدامة مترابطة بطبيعتها. فالقضاء على الفقر لا يتحقق بتوفير الدخل وحده؛ إذ يرتبط بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والمياه والسكن والعمل اللائق والمساواة والقدرة على مواجهة الأزمات.

ومن هنا يمكن للعمل الخيري أن يكون شريكاً مباشراً في تحقيق عدد كبير من أهداف التنمية المستدامة، خصوصاً عندما تنتقل المؤسسات الخيرية من تنفيذ مشروعات متفرقة إلى بناء محافظ استثمار اجتماعي مرتبطة بأولويات تنموية قابلة للقياس.
والهدف السابع عشر المتعلق بالشراكات مهم بصورة خاصة؛ فلا الحكومات تستطيع منفردة مواجهة جميع التحديات، ولا القطاع الخاص ولا المجتمع المدني ولا المؤسسات الخيرية تستطيع ذلك كلٌ بمعزل عن الآخر.
المستقبل يتطلب نموذجاً يقوم على: الحكومة + القطاع الخاص + المجتمع المدني + المؤسسات الخيرية + الجامعات + المجتمع المحلي. وهنا يصبح العمل الخيري جزءاً من منظومة التنمية وليس نشاطاً موازياً لها.

التطوع المعرفي والإعلامي.. وجه آخر للعطاء
ومن التجارب التي أعتز بها في هذا السياق شبكة بيئة أبوظبي، التي انطلقت عام 2011 كمبادرة مسؤولة مجتمعياً، واستمرت على مدى خمسة عشر عاماً بجهد تطوعي بنسبة 100%، واضعةً المعرفة والإعلام البيئي وخدمة قضايا الاستدامة في صميم رسالتها. والشبكة ليست مؤسسة خيرية بالمعنى التقليدي أو الديني للعمل الخيري، ولا تقوم رسالتها أساساً على تقديم المساعدات المادية، لكنها تتقاطع بعمق مع روح اليوم العالمي للعمل الخيري من خلال مفهوم أوسع للعطاء؛ هو التطوع بالوقت والخبرة والمعرفة والمنصة الإعلامية من أجل الصالح العام.

فمن خلال نشر المعرفة البيئية، وإتاحة المجال للخبراء والباحثين، ودعم المبادرات والفعاليات، وبناء الشراكات، والمساهمة في رفع الوعي بقضايا البيئة والتنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية، تحاول الشبكة أن تقدم نموذجاً لما يمكن تسميته بالعطاء المعرفي والإعلامي؛ وهو عطاء قد لا يأخذ شكل المساعدة المالية المباشرة، لكنه يسهم في بناء الوعي والقدرات وتحفيز المشاركة المجتمعية وصناعة أثر يمتد على المدى الطويل.

وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: إذا كان العطاء يمكن أن يكون مالاً أو وقتاً أو معرفةً أو خبرةً أو منصةً لخدمة المجتمع، فكيف نقيس قيمته الحقيقية؟ بعدد الأنشطة والمستفيدين، أم بحجم التغيير الذي استطاع أن يصنعه؟

من عدد المستفيدين إلى حجم التغيير
لكن هذا التحول يفرض أيضاً إعادة النظر في كيفية قياس نجاح العمل الخيري.
تقليدياً، كان من المعتاد أن نقول: وزعنا عشرة آلاف سلة غذائية، أو دربنا ألف شاب، أو دعمنا مئات الأسر.
هذه أرقام مهمة، لكنها تقيس في معظم الأحيان المخرجات، ولا تخبرنا بالضرورة عن الأثر. فإذا دربنا ألف شاب، ينبغي أن نسأل: كم منهم اكتسب مهارة جديدة؟ وكم وجد فرصة عمل؟ وهل تحسن دخله؟ وهل استمر هذا التحسن بعد عام؟

وإذا دعمنا مجتمعاً محلياً بمشروع للمياه، فلا يكفي حساب عدد المستفيدين؛ بل ينبغي قياس أثر المشروع على الصحة والتعليم والوقت الذي توفر للأسر والاستقرار الاقتصادي للمجتمع.
وهنا يمكن تلخيص التحول المطلوب في سلسلة واضحة: الموارد → الأنشطة → المخرجات → النتائج → الأثر المستدام. وكلما انتقل العمل الخيري نحو الطرف الأخير من هذه السلسلة، أصبح أقرب إلى التنمية المستدامة.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل العطاء
ويضاف إلى ذلك تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالمنصات الرقمية أتاحت الوصول إلى المتبرعين والمستفيدين بسرعة غير مسبوقة، بينما تتيح البيانات والذكاء الاصطناعي إمكانات متقدمة لتحديد الاحتياجات، ورسم خرائط الفئات الأكثر هشاشة، وتحسين تخصيص الموارد، والتنبؤ ببعض المخاطر، ومتابعة تنفيذ المشروعات وقياس نتائجها.

لكن هذه الإمكانات ينبغي أن تقترن بحوكمة صارمة تحمي خصوصية المستفيد وكرامته، وتضمن العدالة والشفافية وعدم التحيز. فالتكنولوجيا تستطيع أن تجعل العمل الخيري أكثر ذكاءً، لكنها لا تستطيع أن تحل محل قيمته الأساسية: الإنسانية.

المناخ يضيف بُعداً جديداً للعمل الخيري
كما أن التغير المناخي يفرض اليوم إعادة تعريف جديدة لأولويات العمل الخيري. فالجفاف والفيضانات وموجات الحرارة وتدهور النظم البيئية لا تمثل مشكلات بيئية فقط؛ بل تتحول إلى فقر ونزوح وفقدان وظائف وتهديد للأمن الغذائي والمائي والصحي. ومن هنا، ينبغي أن يتحرك جزء من العمل الخيري من تمويل الاستجابة للكوارث فقط إلى تمويل القدرة على الصمود قبل وقوعها.
أي الانتقال من: الإغاثة بعد الأزمة → إلى بناء المرونة قبل الأزمة. فالاستثمار في المياه، والزراعة المقاومة للمناخ، والإنذار المبكر، والتعليم والمهارات وسبل العيش المستدامة قد يكون في بعض المجتمعات أكثر أثراً من انتظار الكارثة ثم تمويل التعافي منها.

العمل الخيري بوصفه استثماراً في الإنسان
وهنا نصل إلى التحول الأكثر أهمية: ينبغي ألا ننظر إلى العمل الخيري باعتباره إنفاقاً اجتماعياً فقط، وإنما باعتباره استثماراً طويل الأجل في الإنسان والمجتمع. وأقترح أن تقوم فلسفة العمل الخيري المستقبلي على خمسة انتقالات رئيسية: من الإغاثة إلى التمكين، ومن النشاط إلى الأثر، ومن المبادرات المتفرقة إلى الاستراتيجية، ومن العمل المنفرد إلى الشراكات، ومن معالجة الأزمة إلى بناء المرونة.

ولا يعني ذلك أن تختفي الصدقة المباشرة أو المساعدة الإنسانية؛ فستظل ضرورية وستبقى التعبير الأكثر فورية عن الرحمة والتكافل. وإنما المطلوب أن نضيف إليها مستوى آخر من التفكير يجعل كل مورد خيري قادراً، متى أمكن، على إنتاج قيمة تمتد إلى ما بعد المستفيد الأول واللحظة الأولى.

في اليوم العالمي للعمل الخيري
لعل الرسالة الأهم في هذه المناسبة هي أن العالم لا يحتاج فقط إلى مزيد من العطاء، وإنما يحتاج أيضاً إلى عطاء أكثر وعياً واستدامة وأثراً. فالعمل الخيري في القرن الحادي والعشرين يمكن أن يكون جسراً بين التضامن الإنساني والتنمية المستدامة، وبين الاستجابة للأزمات وبناء المرونة، وبين الموارد المتاحة والاحتياجات التي تتزايد باستمرار.
وعندما يستطيع العمل الخيري أن يحفظ كرامة الإنسان، ويبني قدراته، ويمنحه فرصة ليصبح شريكاً في الحل بدلاً من أن يبقى متلقياً دائماً للمساعدة، فإنه يكون قد بلغ أعلى درجات أثره.

فالغاية ليست أن يستمر المحتاج في تلقي العطاء، بل أن يمنحه العطاء القدرة والفرصة لكي يصنع مستقبله بنفسه، وربما يصبح في يوم من الأيام قادراً على العطاء للآخرين. وهنا يتحول العمل الخيري من استجابة لحاجة عابرة إلى دورة مستدامة من التضامن والتمكين وصناعة الأثر.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المرحوم حسام حسن علي غالب… ذاكرة علمية في خدمة نخيل التمر

• باحث وأكاديمي موسوعي ترك إرثاً علمياً في توثيق أصناف النخيل وزراعتها وخدمتها في دولة …

اترك تعليقاً