من قوة المؤسسات إلى مرونة الاقتصاد وحماية مستقبل الأجيال
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د.م. إيمان أحمد جوهر (*)، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة 13 سبتمبر 2026
عندما ننظر إلى تجربة مملكة البحرين، تبرز كلمة واحدة تستحق التوقف أمامها: الصمود.
فعلى الرغم من التحديات التي يشهدها العالم اليوم، أصبحت قدرة الدول على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ على استقرار مؤسساتها واقتصاداتها وخدماتها، عنصرًا أساسيًا في تقييم قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.
ومن هذا المنظور، فإن الصمود لا يعني فقط القدرة على تجاوز الأزمات، وإنما يعني امتلاك منظومة مؤسسية واقتصادية واجتماعية قادرة على التكيف والاستمرار والتعافي والاستعداد للمستقبل.
وقد عبّرت الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا» عن هذا المعنى خلال زيارتها الرسمية إلى مملكة البحرين، عندما أشادت بقدرة المملكة على التعامل مع الظروف والتحديات الصعبة، وبمنظومتها المؤسسية والتزامها بالحوكمة والتعاون الفعال.
وهنا تبرز أهمية التجربة البحرينية باعتبارها مدخلًا للتفكير في مفهوم أوسع: كيف يمكن تحويل الصمود من رد فعل تجاه الأزمات إلى استراتيجية وطنية للتنمية؟
الصمود يبدأ من قوة المؤسسات
لا يمكن بناء مجتمع قادر على الصمود دون مؤسسات قادرة على الاستجابة والتكيف.
فالمؤسسة القوية ليست فقط التي تحقق أهدافها في الظروف الطبيعية، وإنما التي تستطيع المحافظة على كفاءتها عندما تتغير الظروف، وتواجه مخاطر اقتصادية أو بيئية أو اجتماعية غير متوقعة.
وفي هذا السياق، يتضمن برنامج حكومة البحرين 2023–2026 مبادئ الاستدامة والتنافسية والعدالة، ويربط بين التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة، وجودة الخدمات الحكومية، وحماية البيئة والموارد الطبيعية، والتحول الرقمي.
وهذا الربط مهم للغاية؛ لأن الاستدامة لم تعد قضية بيئية منفصلة، بل أصبحت جزءًا من طريقة إدارة الدولة واقتصادها ومواردها.
من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر
هناك فرق كبير بين أن ننتظر وقوع الأزمة ثم نبدأ في التعامل معها، وبين أن نمتلك القدرة على التنبؤ بالمخاطر والاستعداد لها مسبقًا.
وهنا يصبح مفهوم إدارة المخاطر أحد أهم مكونات الصمود.
فالدولة التي تضع سيناريوهات مسبقة لمخاطر المياه والغذاء والطاقة والمناخ والاقتصاد، وتحدد مسؤوليات الجهات المختلفة وآليات الاستجابة، تكون أكثر قدرة على حماية مكتسباتها وتقليل تكلفة الأزمات.
ولهذا فإن الصمود الحقيقي يبدأ قبل الأزمة، من خلال:
● البيانات والمعلومات الدقيقة.
● الإنذار المبكر.
● التخطيط بالسيناريوهات.
● تنويع مصادر الدخل والموارد.
● رفع كفاءة البنية التحتية.
● تعزيز التعاون بين المؤسسات.
● الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار.
وهذه ليست أدوات لإدارة الأزمات فقط، وإنما أدوات لبناء تنمية أكثر استدامة ومرونة.
اقتصاد مرن.. يعني اقتصادًا أكثر استدامة
لا يمكن فصل الصمود المؤسسي عن الصمود الاقتصادي.
فالاقتصاد الذي يعتمد على مصدر واحد أو قطاع واحد يكون أكثر تعرضًا للصدمات، بينما يوفر التنويع الاقتصادي مساحة أكبر للتكيف والاستمرار.
وفي إطار التعاون بين الأمم المتحدة ومملكة البحرين للفترة 2025–2029، يمثل التحول الاقتصادي المستدام أحد مجالات الأولوية الرئيسية، إلى جانب الحوكمة والعدالة، والمرونة البيئية، والرفاه الاجتماعي. كما يضع الإطار التنويع الاقتصادي والمرونة والشمولية ضمن أهدافه الأساسية.
وهنا تلتقي الاستدامة الاقتصادية مع الاستدامة البيئية.
فالاستثمار في الطاقة النظيفة، وكفاءة استخدام الموارد، وإدارة المياه، والاقتصاد الدائري، والتكنولوجيا النظيفة، لا يمثل فقط استجابة لتغير المناخ، وإنما يمكن أن يصبح أيضًا مصدرًا للاستثمار والابتكار وفرص العمل.
البيئة ليست ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد
من أهم التحولات في مفهوم التنمية الحديثة أننا لم نعد نستطيع التعامل مع البيئة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد.
فالمياه مورد اقتصادي.
والطاقة مورد اقتصادي.
والأراضي والموارد الطبيعية أصول وطنية.
كما أن جودة البيئة والصحة العامة وجودة الحياة ترتبط بصورة مباشرة بالإنتاجية والاستقرار الاجتماعي.
ولهذا فإن حماية الموارد الطبيعية ليست تكلفة على الاقتصاد، وإنما استثمار في قدرته على الاستمرار.
ويشير إطار التعاون بين الأمم المتحدة والبحرين إلى أهمية الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وكفاءة الطاقة، والمرونة المناخية، وتعزيز الأمن الغذائي، ضمن الجهود الرامية إلى دعم اقتصاد أكثر اخضرارًا وقدرة على الصمود.
الحوكمة والشراكة.. قوة مضاعفة للصمود
لا تستطيع مؤسسة واحدة مواجهة التحديات المعقدة بمفردها.
فأزمات المناخ، والمياه، والغذاء، والطاقة، والاقتصاد تتداخل فيما بينها، ولذلك تحتاج مواجهتها إلى تعاون بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجهات الأكاديمية والبحثية.
وهذا ما يظهر أيضًا في إطار التعاون الأممي مع البحرين، الذي تم تطويره من خلال عملية تشاورية شملت الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما في ذلك النساء والشباب.
كما أن مرحلة تنفيذ إطار التعاون 2025–2029 تقوم على التنسيق، ووضوح الأدوار والمسؤوليات، والعمل القائم على النتائج، والشراكات بين أصحاب المصلحة.
وهنا تتضح قاعدة مهمة:
كلما زادت الشراكة والتنسيق، زادت قدرة المجتمع على مواجهة المخاطر المعقدة.
التحول الرقمي.. أداة جديدة لبناء الصمود
في الماضي كانت المعلومات تصل بعد وقوع الحدث.
أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والنماذج التنبؤية للتعرف على المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
ولهذا فإن التحول الرقمي ليس مجرد تحسين للخدمات الحكومية، بل يمكن أن يكون جزءًا من البنية الأساسية للصمود الوطني.
فأنظمة البيانات تساعد على مراقبة استهلاك المياه والطاقة، وتحليل المخاطر، وتحسين إدارة البنية التحتية، ودعم القرارات المتعلقة بالمناخ والغذاء والنقل والطاقة.
وقد وضع برنامج الحكومة البحرينية الأداء الحكومي والتحول الرقمي ضمن محاور العمل، بالتوازي مع البنية التحتية والبيئة والتعافي الاقتصادي والاستدامة المالية.
ماذا يمكن أن تتعلم المنطقة العربية من التجربة البحرينية؟
تطرح التجربة البحرينية مجموعة من الرسائل المهمة للدول العربية:
أولًا: الصمود يبدأ من الحوكمة.
فالمؤسسات الفعالة والقادرة على التنسيق واتخاذ القرار تمثل خط الدفاع الأول أمام الأزمات.
ثانيًا: الاستعداد أقل تكلفة من الاستجابة.
كلما تم اكتشاف المخاطر مبكرًا، زادت القدرة على تقليل خسائرها.
ثالثًا: التنويع الاقتصادي يعزز المرونة.
الاقتصاد المتنوع أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
رابعًا: الاستدامة البيئية استثمار طويل الأجل.
حماية المياه والطاقة والموارد الطبيعية تعني حماية الاقتصاد نفسه.
خامسًا: التكنولوجيا أصبحت جزءًا من الأمن التنموي.
فالبيانات والذكاء الاصطناعي والإنذار المبكر يمكن أن تحول المعلومات إلى قرارات أكثر سرعة ودقة.
سادسًا: الشراكة ليست خيارًا إضافيًا.
فالتحديات الجديدة تتجاوز حدود المؤسسات والقطاعات، ولذلك تحتاج إلى تعاون متعدد الأطراف.
من تجربة وطنية إلى رؤية عربية
ربما يكون الدرس الأهم من تجربة البحرين هو أن الدول العربية لا تحتاج فقط إلى خطط للنمو، وإنما إلى خطط للنمو القادر على الصمود.
فالمنطقة تواجه مجموعة متداخلة من التحديات: ندرة المياه، ارتفاع درجات الحرارة، تغير المناخ، الأمن الغذائي، التحولات في أسواق الطاقة، والتطور التكنولوجي المتسارع.
ومن ثم، لم يعد السؤال:
كيف نحقق التنمية؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:
كيف نحافظ على التنمية عندما تتغير الظروف؟
وهنا يصبح الصمود هو الجسر الذي يربط بين التنمية والاستدامة.
البحرين.. من الصمود إلى المستقبل
إن قيمة تجربة البحرين لا تكمن فقط في القدرة على التعامل مع الظروف الصعبة، وإنما في تحويل مفاهيم مثل الحوكمة، والتنويع الاقتصادي، والاستدامة البيئية، والتحول الرقمي، والشراكة إلى عناصر مترابطة في منظومة التنمية.
فالتنمية المستدامة لا تعني أن نبني عالمًا خاليًا من الأزمات؛ فهذا أمر غير واقعي.
ولكنها تعني أن نبني مؤسسات واقتصادات ومجتمعات تستطيع أن تتوقع، وتستعد، وتتكيف، وتتعافى، وتتعلم.
وفي عالم أصبح التغيير فيه هو القاعدة وليس الاستثناء، فإن الدول الأكثر نجاحًا لن تكون بالضرورة تلك التي تواجه أقل عدد من الأزمات، وإنما تلك التي تمتلك أعلى قدرة على الصمود أمامها.
ومن هنا، فإن «الصمود» ليس مجرد كلمة تصف تجربة معينة.
إنه استراتيجية للمستقبل.
فكلما استطعنا تحويل المعرفة إلى قرار، والإنذار المبكر إلى استعداد، والموارد المحدودة إلى كفاءة، والتحديات إلى فرص؛ اقتربنا خطوة جديدة من تحقيق تنمية عربية أكثر استدامة ومرونة وقدرة على حماية مستقبل الأجيال.
(*) د.م. إيمان أحمد جوهر
مدير عام البحوث والتطوير بشركة الصرف الصحي بالإسكندرية، وخبيرة في معالجة الصرف الصناعي والهندسة البيئية والاستدامة، وتهتم بربط الإدارة المستدامة للموارد بالتنمية الاقتصادية والمرونة المناخية والتحول الأخضر.
المراجع
1. الأمم المتحدة في البحرين، إطار التعاون للتنمية المستدامة 2025–2029.
2. مملكة البحرين – مكتب رئيس مجلس الوزراء، برنامج الحكومة 2023–2026.
3. الأمم المتحدة في البحرين، United Nations Sustainable Development Cooperation Framework 2025–2029.
4. الأمم المتحدة في البحرين، United Nations Country Team – Bahrain.
5. الأمم المتحدة في البحرين، Kickstart of the Implementation Phase of the Cooperation Framework 2025–2029.
6. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – البحرين، Country Programme Document 2025–2029.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز