القرية المصرية في عصر العولمة.. تنمية حديثة بروح المكان

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. باسنت عاشور (*)، عضو مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، 08 سبتمبر 2026
لم تعد القرية المصرية تعيش بمعزل عن التحولات التي يشهدها العالم. فقد أدت ثورة الاتصالات وتدفق المعلومات وانفتاح الأسواق إلى تغيرات متلاحقة طالت الاقتصاد والمجتمع والثقافة وأنماط الحياة. والقرية، باعتبارها نواة أساسية للمجتمع الريفي ومكونًا مهمًا في المنظومة العمرانية المصرية، أصبحت بدورها أمام واقع جديد يفرض إعادة التفكير في طريقة تخطيطها وإدارتها وتنميتها.

لكن التعامل مع هذا الواقع لا يعني أن تتخلى القرية عن شخصيتها أو أن تتحول تدريجيًا إلى نسخة مصغرة من المدينة. القضية أكثر تعقيدًا من ذلك. فالمطلوب هو الاستفادة من الفرص التي أتاحتها التحولات العالمية، مع الحفاظ على الموارد المحلية والهوية العمرانية والاجتماعية التي تميز القرية المصرية.

العولمة تدخل القرية من أبواب متعددة
العولمة ليست مجرد انفتاح اقتصادي أو زيادة في حركة التجارة والاستثمارات. إنها حالة من التداخل بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع والتكنولوجيا، أصبحت معها المعلومات تنتقل بسرعة كبيرة، وأصبح تأثير الأحداث العالمية يصل إلى المجتمعات المحلية مهما كانت بعيدة عن مراكز النشاط الاقتصادي والسياسي.

وفي هذا السياق، لم تعد القرية بعيدة عن تأثيرات المدينة أو العالم الخارجي. فالحركة السكانية بين الريف والحضر ساهمت في انتقال بعض العادات والقيم الحضرية إلى القرية، كما انتقلت بعض مظاهر الحياة الريفية إلى المدن مع انتقال السكان إليها. وبمرور الوقت بدأت التركيبة الاجتماعية للقرية نفسها تتغير، وظهرت شرائح سكانية غير زراعية لها احتياجات وتطلعات مختلفة.

وهنا يمكن فهم جانب من التحول الذي أصاب النسيج العمراني. فقد ظهرت المباني متعددة الأدوار إلى جانب المباني التقليدية، وانتشرت الأنشطة الحرفية والتجارية على الطرق الرئيسية، وأصبحت بعض أجزاء القرية تستوعب عيادات وصيدليات ومكاتب مهنية ومحال وورشًا، إلى جانب المدارس والمراكز الصحية والخدمات الاجتماعية.
هذه التغيرات في حد ذاتها ليست مشكلة. فالقرية مجتمع حي يتغير مع تغير احتياجات سكانه. المشكلة تظهر عندما يكون التغير العمراني أسرع من قدرة التخطيط والإدارة على استيعابه.

عندما يتحول النمو إلى ضغط على الأرض، من أبرز التحديات التي تواجه القرية المصرية التوسع العمراني غير المنضبط. فقد أدى النمو المتواصل للكتلة المبنية في بعض القرى إلى التمدد على الأراضي الزراعية المحيطة، بل وإلى التحام بعض القرى مع بعضها البعض.

ولذلك لا يمكن أن تظل قضية التوسع العمراني مجرد رد فعل بعد حدوث المشكلة. فالتخطيط يحتاج إلى تحديد واضح للنطاق العمراني، وتنظيم الامتدادات المستقبلية داخله، وتحديد الكثافات والارتفاعات المناسبة، مع حماية الأراضي الزراعية من الاعتداء العمراني.

وهذا يضع أمام المخطط سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن توفير المساحة التي تحتاجها القرية للنمو دون أن يكون ذلك على حساب المورد الذي قامت عليه حياتها الاقتصادية والاجتماعية لسنوات طويلة؟
الإجابة لا تبدو في التوسع الأفقي غير المحدود، ولا في إيقاف النمو تمامًا، وإنما في إدارة النمو نفسه. فالتنمية المستدامة تعني أن يتم استخدام الموارد بطريقة تسمح بتلبية احتياجات الحاضر دون إضعاف قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.

التنمية المستدامة.. الإنسان أولًا
عند الحديث عن التنمية المستدامة في القرية، يجب ألا نختزلها في المباني أو شبكات المرافق فقط. فالتنمية، كما يوضح البحث، ترتبط بالإنسان والبيئة معًا؛ الإنسان هو المورد الأساسي وهدف التنمية، بينما تمثل البيئة الإطار الذي يوفر له إمكانات الاستقرار والنمو.

ومن هذا المنطلق، تصبح التنمية الريفية عملية متكاملة تشمل تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين شبكات الطرق والمرافق، إلى جانب تنظيم العمران والحفاظ على الموارد.

وتشير أهداف التنمية الريفية إلى ضرورة تضييق الفجوة بين القرية والمدينة في مستوى الخدمات والفرص المتاحة، مع تحسين الاتصال بين القرية، والقرى المجاورة، والمراكز، والمدن. فالطريق، مثلًا، ليس مجرد عنصر هندسي؛ بل هو وسيلة للحركة والوصول إلى التعليم، والعمل، والخدمات، والأسواق.

لذلك فإن القرية التي نريدها في المستقبل ليست فقط قرية أكثر عمرانًا، وإنما قرية أكثر قدرة على توفير حياة مناسبة لسكانها.

التخطيط العمراني يحتاج إلى أن يتغير أيضًا
تغير القرية يفرض تغييرًا في أسلوب التخطيط. فلم يعد كافيًا إعداد مخطط عام ثم انتظار سنوات طويلة حتى يتم تنفيذ ما ورد فيه. التنمية بطبيعتها عملية مستمرة، وتتأثر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولذلك تحتاج إلى إدارة أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المتغيرات.

ويشمل ذلك إعادة النظر في الإدارة المحلية للقرى بحيث تصبح أكثر قدرة على تنظيم الامتداد العمراني ومتابعة البناء داخل النطاق العمراني، إلى جانب توفير المرافق في مناطق التوسع المستقبلية قبل أن تتحول إلى تجمعات عشوائية.
كما أن التخطيط لا ينبغي أن ينظر إلى القرية باعتبارها مساحة للبناء فقط. فهناك أراضٍ زراعية، وفراغات، وطرق، ومناطق للخدمات، وأنشطة إنتاجية، وذاكرة عمرانية واجتماعية تشكل في مجموعها شخصية المكان. ومن هنا تصبح حماية الهوية المحلية جزءًا من عملية التخطيط، وليست عنصرًا تجميليًا يمكن إضافته في نهاية المشروع.

التكنولوجيا.. فرصة بشرط أن تخدم المكان
أصبحت المعلومات والتكنولوجيا جزءًا مهمًا من عملية التنمية العمرانية. ومع تطور مجتمع المعلومات، ازدادت أهمية القدرة على جمع البيانات واستخدامها في فهم المجتمع وإدارة موارده واتخاذ القرارات المتعلقة بالعمران. لكن التكنولوجيا لا ينبغي أن تتحول إلى هدف في حد ذاتها. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تساعد في حل مشكلة واقعية داخل القرية: متابعة التوسع العمراني، تحسين إدارة الخدمات، فهم توزيع السكان، أو دعم اتخاذ القرار.

والأهم ألا تؤدي التكنولوجيا إلى تجاهل الخصوصية المحلية. فالنموذج الذي ينجح في مكان ما ليس بالضرورة مناسبًا لقرية أخرى. طبيعة الأرض، والأنشطة الاقتصادية، والعادات، والموارد، وشكل النسيج العمراني، كلها عوامل يجب أن تدخل في عملية التخطيط.

المشاركة الشعبية.. حين يصبح السكان شركاء
من الأفكار المهمة التي يطرحها البحث أن التنمية لا يمكن أن تنجح بالاعتماد على المؤسسات الرسمية وحدها. فالمشاركة المجتمعية تتيح للسكان أن يكونوا جزءًا من عملية التطوير، بدلًا من أن يكونوا مجرد متلقين للنتائج.
وتقدم تجربة تطوير منطقة الناصرية بأسوان مثالًا واضحًا على ذلك. فقد واجهت المنطقة مشكلات عمرانية وخدمية نتيجة سرعة النمو وعدم توافر الأراضي الكافية للخدمات، الأمر الذي تطلب البحث عن آليات عملية للتطوير.

وفي تنفيذ المشروع، شارك السكان بصورة مباشرة في أعمال الحفر، وتبادلوا الخبرات من شارع إلى آخر، وساعد بعضهم الأسر غير القادرة على تنفيذ الأعمال المطلوبة. وفي بعض الحالات تولى الأقارب والجيران تقديم المساعدة أو توفير الدعم المادي.
هذه التجربة تكشف جانبًا مهمًا في التخطيط: المعرفة بالمكان ليست موجودة فقط في التقارير والخرائط. السكان أنفسهم يمتلكون معرفة يومية بتفاصيل المكان ومشكلاته، وقد يكون إشراكهم عاملًا حاسمًا في نجاح المشروع.

اقتصاد القرية جزء من مستقبلها
لا يمكن فصل التخطيط العمراني عن الاقتصاد المحلي. فالقرية تحتاج إلى قاعدة إنتاجية قادرة على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، سواء من خلال الزراعة أو الأنشطة الحرفية أو الخدمات أو المشروعات الإنتاجية الصغيرة.
ويشير البحث إلى أهمية تطوير القاعدة الإنتاجية للقرية وتحسين فرص الاستثمار والإنتاج، إلى جانب تطوير الموارد البشرية من خلال التدريب ودعم اللامركزية.

وهنا يمكن أن يصبح التخطيط العمراني أداة لدعم الاقتصاد المحلي، من خلال توفير المواقع المناسبة للأنشطة، وتحسين الطرق والمرافق، وتنظيم العلاقة بين المناطق السكنية والإنتاجية والخدمية.
فإذا كان التخطيط يعزل السكن عن النشاط الاقتصادي بصورة غير واقعية، فقد يزيد من تكلفة الحركة ويضعف فرص السكان. أما التخطيط الذي يفهم طبيعة الاقتصاد المحلي فيمكنه أن يدعم النشاط دون الإضرار بالبيئة أو جودة الحياة.

بين العالمية والهوية المحلية
أحد أهم التحديات التي تفرضها العولمة هو احتمال تشابه الأماكن. فمع انتشار النماذج العمرانية الجاهزة وتوسع الاستثمارات ودخول الخبرات الأجنبية، يمكن أن تتراجع بعض الخصائص المحلية إذا لم تكن هناك رؤية واضحة للحفاظ عليها.
وقد أشار البحث إلى تأثير الشركات والاستثمارات الأجنبية في العمارة والعمران، وإلى ما يمكن أن ينتج عن ذلك من تغير في الملامح العمرانية للمشروعات المصرية.

لكن الانفتاح على العالم لا يعني بالضرورة فقدان الهوية. يمكن للقرية أن تستفيد من التكنولوجيا والخبرات والاستثمار، وفي الوقت نفسه تحافظ على شخصيتها ومواردها وطابعها المحلي. المطلوب إذن ليس الانغلاق، وإنما اختيار ما يناسب المكان.

قرية تتطور دون أن تفقد روحها
التنمية العمرانية المستدامة للقرية المصرية تحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة البناء وحدها. فالمطلوب تنظيم النمو، وحماية الأراضي الزراعية، وتحسين الخدمات، ودعم الاقتصاد المحلي، واستخدام التكنولوجيا بصورة مناسبة، وإشراك السكان في القرارات والمشروعات التي تمس حياتهم اليومية.

كما أن وجود قواعد واضحة للبناء والتخطيط يمكن أن يساعد في حماية النسيج العمراني وتنظيم الامتدادات المستقبلية، مع الاستفادة من إمكانات القطاع الخاص والمستثمرين في تنفيذ نماذج عمرانية مناسبة للقرية. وفي المقابل، لا يمكن أن تنجح هذه الرؤية دون آليات إدارية أكثر مرونة، ودعم البحث العلمي في قضايا القرية، والحد من البناء والتنمية غير المدروسة، مع مراعاة الطابع المعماري المميز للمناطق الريفية.

القرية المصرية لا تحتاج إلى أن تتخلى عن ماضيها لكي تدخل المستقبل. ما تحتاجه هو تخطيط يفهم هذا الماضي ويستفيد منه، ويستوعب الحاضر بتغيراته، ويستعد للمستقبل دون أن يفقد الإنسان والمكان موقعهما في قلب عملية التنمية.

فالتنمية الحقيقية ليست في زيادة مساحة العمران فقط، وإنما في أن يصبح هذا العمران أكثر قدرة على خدمة الإنسان، وحماية البيئة، ودعم الاقتصاد المحلي، والحفاظ على هوية المكان. وربما يكون السؤال الأهم أمام التخطيط العمراني اليوم ليس: كيف نبني قرية جديدة؟ بل: كيف نطور القرية المصرية دون أن نفقد روحها؟ وهنا تحديدًا تبدأ التنمية المستدامة.

(*) د/ باسنت عاشور، خبير بالهيئة العامة للتخطيط العمرني

المراجـع
1. أحمد سيد مصطفى – ورقة عمل “الإدارة فى عالم متغيرة” فى الجمعية العربية للإدارة ومعهد التنمية الإدارية – أبو ظبى – 28-29 مارس 1998.
2. أحمد مجدى حجازى – العولمة وتهميش الثقافة الوطنية – رؤية نقدية من العالم الثالث وعالم الفكر – المجلد 28 العدد الثانى – الكويت 1999 .
3. حسن حنفى – د. صادق العظم عن د. إسماعيل خيرى – حوارات لقرى جديدة والعولمة – دار الفكر – الطبعة الأولى 1999.
4. على حرب – الثقافة والعولمة – مجلة الشاهد بيروت عدد 159 نوفمبر 1998.
5. حسين معلوم – التسوية فى زمن العولمة التداعيات المستقبلية لخيار العرب الإستراتيجيى. العولمة والتحويلات المجتمعية فى الوطن العربى – مركز البحوث العربية – الجمعية العربية لعلم الاجتماع – مكتبة مدبولى 1999
6. هشام عارف – التنمية العمرانية فى ظل العولمة – بحث مرجعى– جامعة القاهرة – قسم الهندسة المعمارية – يونيو 2001.
7. كمال التابعى – تقريب العالم الثالث – دراسة نقدية فى علم اجتماع التنمية دار المعارف – القاهرة 1993.
8. عزة محمد كمال – تقويم أداء الجهات المشاركة فى عملية التنمية الريفية – رسالة دكتوراة – كلية الهندسة – جامعة القاهرة – 2001
9. جلال معوض الهامشيون الحضريون والتنمية فى مصر – مكتبة التضحية – مركز دراسات وبحوث الدول النامية – 1998.
10. مشروع جدول أعمال الجلسة الرابعة للجمعية العمومية للجنة المشتركة للبيئة والتنمية فى الوطن العربى – الأمانة الفنية – مقر الأمانة العامة للجامعة العربية – القاهرة 19-21/10/2003.
11. مصطفى الدينارى, د. حسن فؤاد, م. عابد محمود – القرية والتنمية الريفية – مشروع مصر 2020 – دراسة فى واقع ومستقبل العمران فى مصر.
12. سلوى شعراوى جمعه – مفهوم إدارة شئون الدولة والمجتمع إشكاليات نظرية – مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة – القاهرة 2001.
13. السيد ياسين – العولمة والطريق الثالث – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1999
14. الوكالة الألمانية للتعاون الفنى (GTZ) مشروع تحسين الناصرية – محافظة أسوان – 1992
15. تقييم مشروع تطوير منطقة الناصرية بأسوان بفكر المشاركة الشعبية – رأفت شميس –القاهرة – 1998
16. Dilys M. Hill., Urban Policy and Politics in Britain, Contemporary political studies, USA, 2000

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الذهب الأزرق لإنتاج نسيج أخضر

كيف يمكن للطحالب أن تعيد رسم مستقبل الصباغة المستدامة في الوطن العربي؟ شبكة بيئة ابوظبي، …

اترك تعليقاً