شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 15 سبتمبر 2026
التلوث مفهوم بيئي محض. فحين يُذكر تتجه الأذهان غالبًا إلى دخان المصانع، أو المياه الملوثة، أو النفايات التي تُفسد صفاء البيئة. وهو لا يبدأ دائمًا بمشهد صاخب يمكن رؤيته بسهولة؛ فكثير من الملوثات تتسلل ببطء حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي، ثم لا يلتفت الناس إلى وجودها إلا بعد أن يظهر أثرها في جودة الحياة.
واللغة تعرف شيئًا قريبًا من ذلك. فهي أيضًا بيئة حيّة لها صفاؤها الداخلي وتوازنها الخاص، وقد تتعرض لما يمكن تسميته “التلوث اللغوي”؛ حين تدخل إليها عناصر تربك انسجامها أو تشوّه دقتها أو تُضعف قدرتها على أداء المعنى بوضوح.
وليس المقصود بذلك التطور الطبيعي الذي تعرفه اللغات الحية، ولا التفاعل المشروع بينها، فاللغة لا تعيش في عزلة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأخطاء إلى حديث مألوف، وتصبح التراكيب المضطربة جزءًا من الاستعمال اليومي، وتدخل العبارات المترجمة ترجمة حرفية إلى الخطاب دون وعي ببنية اللغة وروحها. ومع التكرار، يبدأ المتلقي في التعايش مع هذا الخلل حتى يفقد الإحساس به.
ولعل من أكثر ما يرسّخ التلوث اللغوي اعتياد الخطأ حتى يصبح مألوفًا. فبعض الناس إذا نُبّه إلى خطأ لغوي أجاب بأن هذا هو المستعمل في الواقع، أو أن الناس جميعًا يقولونه، وربما استند إلى العبارة المتداولة: “خطأ مشهور خير من صحيح مهجور”، يذكرني هذا بمن يتناول طعامًا يفتقر إلى الجودة، أو مزروعات أُشبعت بالمواد الكيميائية، ثم يرد على من ينصحه بقوله: هذا هو الموجود في السوق، وكل الناس تأكله. إن كثرة الاستهلاك لا تمنح الأشياء جودة تلقائية، كما أن شيوع الخطأ لا يحوّله إلى صواب. فالانتشار قد يكون أحيانًا دليلًا على الاعتياد، لا على السلامة. والبيئات الصحية لا ترتفع إلى الأفضل بمجرد التأقلم مع ما يضعفها، وإنما حين تحتفظ بمعايير تساعدها على التمييز بين ما يغذيها وما يرهقها.
والأمر لا يقف عند حدود الخطأ النحوي أو الإملائي وحده. فالتلوث اللغوي قد يظهر في لغة إعلامية مرتبكة، أو في كتابة رقمية مهملة، أو في استعمال مصطلحات تُنقل دون تمحيص أو دقة. وكما لا تفسد قطرة واحدة نهرًا كاملًا، لا يضعف خطأ عابر لغة كاملة، لكن تراكم الملوثات الصغيرة مع الزمن يغيّر ملامح البيئة كلها.
وفي الشأن البيئي، لا تنشغل المؤسسات الواعية بإزالة التلوث بعد حدوثه فقط، وإنما تعمل على الحد من مصادره قبل انتشاره. وربما تحتاج اللغة إلى وعي مشابه؛ لأن حماية البيئة اللغوية لا تبدأ بمعالجة الأخطاء بعد وقوعها، وإنما ببناء ذائقة لغوية جيدة، وتعليم متين، ومحتوى يحترم اللغة ويصون دقتها.
فاللغة، مثل الهواء النقي، قد لا ننتبه إلى قيمتها ما دامت سليمة، لكننا نشعر بأثرها حين يبدأ صفاؤها في التراجع.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز