كيف يمكن للقطاع المصرفي توظيف ESG ونظرية التغيير لبناء قيمة حقيقية؟
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: عمار الشامي (*)، عمان، المملكة الأردنية الهاشمية، 16 سبتمبر 2026
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في مفهوم الاستدامة داخل القطاع المصرفي العالمي. فبعد أن كانت الاستدامة تُنظر إليها بوصفها أنشطة اجتماعية أو مبادرات تطوعية منفصلة عن الأعمال الأساسية للمؤسسات المالية، أصبحت اليوم جزءاً محورياً من الاستراتيجية المؤسسية وإدارة المخاطر والتمويل والإفصاح المؤسسي. وقد ساهمت معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) في إحداث هذا التحول، حيث انتقلت البنوك من التركيز على العائد المالي فقط إلى تبني رؤية أوسع تشمل الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في آن واحد
تُظهر التجارب الدولية أن المؤسسة المصرفية الحديثة لم تعد مجرد جهة تمنح القروض أو تدير الحسابات، بل أصبحت لاعباً رئيسياً في توجيه رأس المال نحو الأنشطة القادرة على تحقيق التنمية المستدامة. ومن هنا برزت أهمية فهم العلاقة بين التمويل والاستدامة، وبين المبادرات والنتائج والأثر طويل المدى، وهي العلاقة التي تمثل جوهر ما يعرف بـ”نظرية التغيير” (Theory of Change).
الاستدامة في البنوك: أكثر من مجرد التزام بيئي
غالباً ما يُختزل مفهوم الاستدامة في الأنشطة البيئية كتقليل استهلاك الورق أو الطاقة، إلا أن مفهوم ESG أوسع بكثير من ذلك. فهو يشمل البعد البيئي المرتبط بإدارة الموارد والانبعاثات، والبعد الاجتماعي المتعلق بالشمول المالي وحماية العملاء وتطوير الموظفين، إضافة إلى بعد الحوكمة المرتبط بالشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر.
إن قرار البنك بتمويل مشروع معين لا يقتصر أثره على تحقيق عائد مالي، بل يمتد إلى خلق فرص عمل، وتحفيز النمو الاقتصادي، وربما التأثير إيجاباً أو سلباً على البيئة والمجتمعات المحلية. ولذلك أصبحت المؤسسات المالية مطالبة بالنظر إلى قراراتها من خلال معادلة جديدة: العائد المالي + الأثر البيئي + الأثر الاجتماعي + الحوكمة الرشيدة
نظرية التغيير: الرابط المفقود بين المبادرات والنتائج
على الرغم من أن العديد من المؤسسات تتحدث عن الاستدامة، إلا أن القليل منها يوضح كيف تؤدي مبادراته فعلياً إلى تحقيق أثر ملموس. وهنا تظهر أهمية نظرية التغيير، وهي منهجية تقوم على رسم العلاقة المنطقية بين المشكلة والتدخل والنتائج والأثر النهائي.
وتتبع هذه المنهجية التسلسل التالي: المشكلة ← التدخل ← المخرجات ← النتائج ← الأثر طويل المدى
وعند تطبيق هذا النموذج على العمل المصرفي، يصبح السؤال ليس فقط: “ما المبادرة التي أطلقها البنك؟”، بل أيضاً: “ما التغيير الذي أحدثته هذه المبادرة؟ وكيف يمكن قياسه وإثباته؟
فمثلاً، عندما يطلق البنك برنامجاً لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فإن عدد القروض الممنوحة يمثل مخرجاً من مخرجات البرنامج، بينما يُعد نمو الشركات وخلق الوظائف وتحسن القدرة التنافسية أثراً تنموياً حقيقياً.
من التكليف المعيشي الى التكليف الكوني!
في مقال سابق تحدثت عن الامانة التي رفضتها الجبال وهي امانة التكليف الكوني وهي مبادرة لضمان توجيه سلوك البشر والمخلوقات في اتجاه كوني واحد وهو عبادة الله وهذا لن يتم بدون مبادرات تقيس الغاية المتحققة والاثر ويذهب اثرها ابعد من الاسرة الى المجتمع الكلي والبشرية. نحن مكلفون كونيا وليس معيشيا فقط نحن لسنا مكلفين فقط لناكل ونشرب ونسكن وانما لنطرح نظما ومبادرات تغيير تضمن الارتقاء في الكون وزيادة الرفاه المجتمعي للجميع ضمن المعايير الاخلاقية والاجتماعية والبيئية لبناء منظومة كونية تضمن سلوكا واطار مميزا لنمو الكوني.
من عرض الأنشطة إلى قياس الأثر
أحد أهم التحولات التي يحتاجها القطاع المصرفي العربي اليوم هو الانتقال من ثقافة عرض الأنشطة إلى ثقافة قياس الأثر.
فالقول إن البنك نظم برنامجاً تدريبياً أو أطلق مبادرة مجتمعية لا يكفي لبناء الثقة أو إثبات القيمة. أما الحديث عن عدد المستفيدين، ونوعية التغيير الذي تحقق، والمؤشرات التي تم قياسها، فإنه يقدم صورة أكثر مصداقية ومهنية لأصحاب المصلحة.
ولهذا أصبحت المؤسسات الرائدة تربط مبادراتها مباشرة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs)، بحيث يكون لكل مبادرة هدف محدد ومؤشرات واضحة ونتائج قابلة للقياس
ماذا تعلمنا من النماذج الدولية المعروضة؟
أظهرت العديد من النماذج الدولية التي تناولتها المادة التدريبية كيف يمكن للاتصال المؤسسي أن يتحول إلى أداة حقيقية لإبراز الأثر وليس مجرد أداة ترويجية.
ففي فيديو Gulf International Bank Sustainability ركزت الرسالة على إبراز دور البنك في تحقيق قيمة مستدامة للمجتمع والاقتصاد، مع ربط الاستدامة بالرؤية المؤسسية طويلة المدى ولكن رسالة البنك كانت محدودة فقط في تعريف الاستدامة.
أما حملة Mashreq – Climb2Change فقد قدمت نموذجاً أكثر اكتمالاً لتطبيق نظرية التغيير، حيث بدأت بتحديد المشكلة، ثم عرضت المبادرة والمشاركين وآليات التنفيذ، وصولاً إلى عرض النتائج والأثر والدعوة إلى مشاركة المجتمع. ويمكن اعتبار هذا النموذج مثالاً واضحاً على كيفية استخدام السرد القصصي (Storytelling) لشرح التغيير التنموي بطريقة مؤثرة وقابلة للفهم. لكن عملية جمع النفايات عملية لا تشمل التخطيط الشمولة وما سيحدث بعد توقف الحملة وارتكز الفيديوا على الجانب التسويقي دون نظرية تغيير حقيقية.
كما قدمت مبادرة CIB Green by Example نموذجاً لربط التمويل الأخضر بنتائج بيئية قابلة للقياس، مع تسليط الضوء على مؤشرات ملموسة تتعلق بكفاءة الطاقة والمياه والمواد المستخدمة.
ويظهر من هذه النماذج أن المؤسسات الأكثر نجاحاً لا تبدأ من الإعلان أو الرسالة التسويقية، بل تبدأ من الإنجاز الحقيقي ثم تحوله إلى قصة ثم إلى محتوى ثم إلى رسالة تصل إلى الجمهور المناسب.
أما الفيدوا اللذي حصل على جائزة عالمية فلم يكن بسبب المنتاج او جودة التصوير وانما كان للمحتوى الرائع ولتغطيته نظرية تغيير شاملة يُعد فيديو Natura – The Amazon Greenventory من أفضل النماذج العالمية التي تربط بين الاستدامة والتنوع الحيوي والتنمية الاقتصادية من خلال قصة تغيير متكاملة. وما يميز هذا العمل أنه لا يتحدث عن حماية غابات الأمازون باعتبارها قضية بيئية فقط، بل باعتبارها فرصة تنموية يمكن أن تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية في الوقت نفسه. الفكرة الرئيسية للفيديو تقوم على مفهوم بسيط ولكنه عميق للغاية: “لا يمكن حماية ما لا نفهمه، ولا يمكن إدارة ما لا نقيسه.”
يبرز فيديو Natura – The Amazon Greenventory بوصفه واحداً من أفضل الأمثلة العالمية على توظيف نظرية التغيير في الاتصال المؤسسي والاستدامة. فما يميز هذا العمل أنه لا يقدم مشروعاً بيئياً تقليدياً يركز على حماية الغابات فحسب، بل يروي قصة تحول تنموي متكاملة تبدأ من شركة مواد تجميل تستخدم ثمار الامازون في منتجاتها، وصعوبة معرفة تواجد الاشجار والمجتمعات المحلية، ووفر المشروع تقنيات لمساعدة المجتمع المحلي على الحفاظ على هذه الثمار وعلى ايجاد مسار تسويقي مستدام لشراء هذه المنتجات من المجتمع المحلي.
حيث تقو م الشركة بفهم المشكلة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية وتنتهي بإثبات الأثر وعمليات مستدامة. اعتمدت الرسالة الإعلامية على عرض التحديات الحقيقية التي تواجه غابات الأمازون، والمتمثلة في نقص المعرفة المنظمة حول الثروات الطبيعية والتنوع الحيوي، واستمرار الضغوط الناتجة عن الاستغلال غير المستدام للموارد، وضعف استفادة المجتمعات المحلية من القيمة الاقتصادية الهائلة التي تمتلكها بيئاتها الطبيعية.
لذلك اعتمد المشروع على استخدام التكنولوجيا والبحث العلمي والذكاء البيئي لفهم الموارد البيولوجية الموجودة في غابات الأمازون وتوثيقها وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام في التنمية والابتكار. وقد لخص الفيديو هذه الفلسفة برسالة قوية: “استخدمنا التكنولوجيا لفهم الغابة، واكتشفنا مواردها، ومكّنا المجتمعات التي تعيش فيها، وأثبتنا أن تحقيق الربح يمكن أن يتعايش مع حماية الطبيعة”
عندما تتحول الرسالة الإعلامية إلى قصة تغيير: ماذا تعلمنا من فيديو EBRD؟
لعل من أكثر الأمثلة تميزاً التي عُرضت خلال الدورة التي عقدتها الاسبوع الماضي هو الفيديو الخاص بـ البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، والذي قدم نموذجاً متقدماً لما يمكن وصفه بالاتصال التنموي القائم على الأثر، وليس مجرد الاتصال التسويقي القائم على عرض الإنجازات.
ما يميز هذا الفيديو أنه لم يبدأ بعرض المشروع أو التمويل أو المؤسسة المنفذة، بل بدأ من التحدي التنموي الذي تواجهه المدن والمجتمعات المحلية. فقد ركز على المشكلات التي تعاني منها كل مدينة أو منطقة مستهدفة، سواء كانت مرتبطة بالبيئة، أو البنية التحتية، أو جودة الخدمات، أو فرص العمل، أو كفاءة الإدارة المحلية. ومن ثم انتقل بشكل منطقي إلى عرض الحلول والتدخلات التي تم تنفيذها لمعالجة هذه التحديات.
وهنا يظهر بوضوح التطبيق العملي لنظرية التغيير، حيث قدم الفيديو سلسلة منطقية ومترابطة يمكن تلخيصها بالشكل التالي: التحديات المحلية → التخطيط المشترك → التمويل والدعم الفني → تنفيذ المبادرات → مشاركة المجتمع → تحسين الخدمات → رفع جودة الحياة → تحقيق التنمية المستدامة.
لم يكن التركيز على الأموال التي تم ضخها أو عدد المشاريع المنفذة فقط، بل على كيفية تحول تلك الاستثمارات إلى تغيير ملموس في حياة الناس. فالمشاهد لا يرى الأرقام المجردة، وإنما يرى المدينة قبل التدخل وبعده، ويرى التغيير الذي طرأ على البيئة الحضرية، والخدمات العامة، وكفاءة إدارة الموارد، ونوعية الحياة التي يعيشها السكان.
الأهم من ذلك أن الفيديو أبرز أن التنمية لا تُصنع بواسطة المؤسسات المالية وحدها، وإنما من خلال شراكة حقيقية تضم السلطات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين أنفسهم. وقد نجح في إظهار المجتمع المحلي ليس كمستفيد سلبي من المشروع، بل كشريك في تحديد الأولويات والمشاركة في الحلول وتحقيق النتائج.
وهذا الجانب بالذات يمثل أحد أهم مبادئ نظرية التغيير الحديثة، إذ إن التنمية المستدامة لا تتحقق عبر تنفيذ مشاريع منفردة، وإنما عبر بناء منظومة متكاملة من أصحاب المصلحة القادرين على قيادة التغيير والمحافظة عليه بعد انتهاء المشروع.
ومن خلال هذا الطرح، استطاع الفيديو أن يوضح أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على البعد الاقتصادي فقط، وإنما تشمل ثلاثة أبعاد مترابطة:
• البعد المجتمعي: من خلال تحسين رفاه المواطنين وتعزيز جودة الخدمات وفرص المشاركة.
• البعد البيئي: من خلال تطوير حلول أكثر استدامة وكفاءة في استخدام الموارد وحماية البيئة.
• البعد المؤسسي والإداري: من خلال تعزيز قدرات البلديات والمؤسسات المحلية وتحسين الحوكمة والإدارة.
وهنا تكمن قوة الرسالة الإعلامية. فبدلاً من أن تقول المؤسسة: “لقد موّلنا مشروعاً”، أصبحت الرسالة تقول: “لقد ساهمنا في إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس من خلال مشروع متكامل قائم على الشراكة والاستدامة”.
إن النموذج الذي يقدمه EBRD يحمل دلالات مهمة لمستقبل القطاع المصرفي العربي. فالبنوك التي تتبنى الاستدامة لن يقتصر دورها مستقبلاً على تمويل المشاريع أو إدارة المخاطر البيئية والاجتماعية، بل ستتحول تدريجياً إلى مؤسسات تنموية ومحركات للتحول الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، لن يكون نجاح البنك مقاساً فقط بحجم المحافظ التمويلية أو الأرباح المحققة، وإنما أيضاً بقدرته على:
• تمويل التحول الأخضر.
• دعم المدن المستدامة.
• تعزيز الشمول المالي.
• تمكين المجتمعات المحلية.
• بناء الشراكات التنموية.
• المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ومن هنا يمكن فهم التحول العالمي في تقارير الاستدامة الحديثة، حيث لم تعد المؤسسات المالية تكتفي بعرض حجم التمويل أو عدد المستفيدين، بل أصبحت مطالبة بإظهار سلسلة التغيير الكاملة التي تربط بين التمويل والتنمية والأثر.
لقد نجح فيديو EBRD في تقديم هذا المفهوم بصورة بصرية ومقنعة؛ إذ لم يكن يتحدث عن المشروعات بحد ذاتها، بل عن الإنسان والمدينة والمجتمع، وكيف يمكن للتمويل الذكي والشراكات الفعالة والإدارة الرشيدة أن تتحول إلى تنمية حقيقية قابلة للقياس والاستدامة. ولهذا يمكن اعتباره مثالاً عملياً متميزاً على كيفية توظيف نظرية التغيير في الاتصال المؤسسي، وفي إعداد قصص الأثر وتقارير الاستدامة وفق أفضل الممارسات العالمية.
فيديوا المدن الخضراء لبنك EBRD
مكافحة الغسل الأخضر: التحدي الأكبر
مع تزايد الاهتمام بالاستدامة، برزت ظاهرة “الغسل الأخضر” أو Greenwashing، والتي تتمثل في المبالغة في الادعاءات البيئية أو الاجتماعية دون وجود أدلة كافية تدعمها. ويُعد هذا التحدي من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للبنوك، لأن الثقة تشكل أحد أهم أصولها غير الملموسة.
فالمؤسسة التي تدعي بأنها “الأكثر استدامة” أو “الأكثر خضرة” دون مؤشرات وبيانات موثقة تخاطر بإضعاف مصداقيتها أمام المستثمرين والعملاء والجهات الرقابية. أما المؤسسة التي تربط كل ادعاء ببيانات قابلة للتحقق، فإنها تعزز سمعتها وتبني ثقة مستدامة على المدى الطويل . ومن هنا فإن أفضل ممارسات الاتصال المستدام تبدأ دائماً بالسؤال: هل يمكن إثبات ما نقوله بالأرقام والنتائج؟
الاستدامة تبدأ من الأثر
يمكن القول إن مستقبل الاستدامة في القطاع المصرفي لن يعتمد على كمية المبادرات التي يتم الإعلان عنها، بل على قدرة المؤسسات على إظهار العلاقة بين ما تقوم به وبين التغيير الذي تحققه فعلياً في المجتمع والاقتصاد والبيئة.
إن الرسالة الأساسية التي يجب أن تتبناها البنوك اليوم هي أن الاستدامة ليست حملة إعلامية، وليست تقريراً سنوياً، وليست لوناً أخضر في الهوية البصرية. الاستدامة هي سلسلة مترابطة تبدأ بتحديد المشكلة، ثم تصميم التدخل المناسب، ثم قياس النتائج، ثم توثيق الأثر، وأخيراً التواصل معه بشفافية ومصداقية.
وهذا بالتحديد ما يجعل نظرية التغيير إطاراً عملياً ومهماً للمؤسسات المالية الراغبة في التحول من مجرد مؤسسات تمويلية إلى مؤسسات تصنع أثراً تنموياً حقيقياً وقابلاً للقياس. فالاستدامة الحقيقية لا تُقاس بما نعلنه، بل بما نُحدثه من تغيير.
تقارير الاستدامة وفق معايير GRI: من عرض الأنشطة إلى توثيق التغيير
مع التطور المتسارع في ممارسات الاستدامة عالمياً، أصبحت معايير Global Reporting Initiative (GRI) من أكثر الأطر استخداماً لإعداد تقارير الاستدامة والإفصاح عن الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمي. إلا أن القيمة الحقيقية لتقارير الاستدامة لا تكمن في جمع المؤشرات والأرقام فحسب، وإنما في قدرتها على تفسير العلاقة بين أنشطة المؤسسة والتغيير الذي أحدثته في الواقع.
ومن هنا تبرز أهمية نظرية التغيير (Theory of Change) باعتبارها الإطار الذي يربط بين الموارد والمدخلات والأنشطة والنتائج والأثر طويل المدى. فالمؤسسات التي تعتمد على نظرية التغيير تستطيع بناء “قصة أثر” متكاملة داخل تقرير الاستدامة، بدلاً من الاكتفاء بعرض قوائم من المبادرات والأنشطة المنفصلة.
فعلى سبيل المثال، عندما يعلن أحد البنوك عن برنامج لتمويل المشاريع الصغيرة، فإن التقرير التقليدي قد يكتفي بالإشارة إلى عدد القروض الممنوحة أو حجم التمويل المقدم. أما التقرير المبني على نظرية التغيير فيذهب إلى أبعد من ذلك، فيوضح التحدي التنموي الذي استهدفه البرنامج، والفئات المستفيدة، والتدخلات التي تم تنفيذها، والنتائج المباشرة، ثم الأثر المتحقق على التشغيل والنمو الاقتصادي والشمول المالي.
وبهذا المعنى تصبح نظرية التغيير أداة استراتيجية تساعد المؤسسات على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي يبحث عنها أصحاب المصلحة والمستثمرون والجهات الرقابية:
• ما المشكلة التي نحاول معالجتها؟
• ما التدخل الذي قمنا به؟
• ما النتائج التي تحققت؟
• ما التغيير الذي حدث فعلياً؟
• كيف تم قياس هذا الأثر؟
إن العديد من المؤسسات ما زالت تقع في خطأ التركيز على مؤشرات النشاط (Activity Indicators) بدلاً من مؤشرات الأثر (Impact Indicators). وهنا توفر نظرية التغيير منهجية عملية للانتقال من وصف الإنجازات إلى تفسير التغيير الناتج عنها. ولذلك فإن أفضل تقارير الاستدامة الحديثة لم تعد تكتفي بالإجابة عن سؤال “ماذا فعلنا؟”، بل أصبحت تركز على سؤال أكثر أهمية: “ما الفرق الذي أحدثناه؟”.
وفي القطاع المصرفي بشكل خاص، تمثل نظرية التغيير جسراً بين معايير ESG وأهداف التنمية المستدامة (SDGs) وتقارير GRI، حيث تساعد على تتبع مساهمة المنتجات التمويلية والاستثمارية والمبادرات المجتمعية في تحقيق نتائج تنموية قابلة للقياس والتحقق. كما أنها تعزز جودة الإفصاح المؤسسي وتحد من مخاطر الغسل الأخضر (Greenwashing)، لأن كل ادعاء يصبح مرتبطاً بسلسلة من الأدلة والبيانات والنتائج القابلة للتوثيق.
لذلك يمكن القول إن نظرية التغيير لم تعد مجرد أداة مستخدمة في المشاريع التنموية، بل أصبحت أحد أهم الأسس الفكرية والمنهجية لبناء تقرير استدامة مؤثر وموثوق وقادر على إقناع المستثمرين وأصحاب المصلحة. فالتقرير الناجح لا يعرض ما قامت به المؤسسة فقط، وإنما يروي بوضوح كيف تحولت مبادراتها إلى نتائج، وكيف تحولت النتائج إلى أثر مستدام.
في عصر تتزايد فيه متطلبات الإفصاح والشفافية، لم يعد نجاح تقرير الاستدامة يقاس بعدد المؤشرات الواردة فيه، بل بقدرته على إثبات العلاقة بين المبادرات والنتائج والأثر. وهنا تصبح نظرية التغيير ليست مجرد أداة للتخطيط التنموي، بل لغة مشتركة تربط بين ESG وGRI وأهداف التنمية المستدامة، وتحول الاستدامة من مجموعة أنشطة متفرقة إلى قصة تغيير موثقة وقابلة للقياس ذات بعد كوني .
(*) المهندس عمار الشامي:
ماجستير اقتصاد وإدارة أعمال، خبير تنموي وتمويل مناخي دولي، مستشار ومدير مشاريع تنموية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز