حين تفقد المدن ظلها… من يحاسب خسارة الأشجار؟

تعقيب على إزالة الأشجار المعمّرة في مصر: التنمية تحتاج إلى حماية الظل وشفافية القرار

سلسلة «خواطر زراعية» ، الحلقة رقم (44)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي؛أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 20 سبتمبر 2026
حين تسقط شجرة معمّرة في شارع مصري، لا يختفي جذع وأغصان فحسب؛ يختفي ظل اعتاد الناس الاحتماء به، وتتغير ملامح مكان ارتبط بذاكرتهم. وقد يمر طفل في الطريق نفسه بعد التطوير فلا يجد المظلة التي عرفها أبوه. من هنا يستحق الجدل حول إزالة أشجار القاهرة والجيزة تعقيبًا يتجاوز الغضب إلى سؤال عملي: كيف نطور المدينة ونحافظ على عناصر الحياة فيها؟ وما المعايير التي تجعل قرار الإزالة ضرورة مثبتة؟

التطوير يحتاج إلى تعريف أوسع
يعرض التقرير المتداول اعتراضات على قطع أشجار ضمن مشروعات البنية التحتية، ومطالب بإعلان المبررات البيئية وبحث بدائل الإزالة. وهو طرح صحفي لقضية عامة، وليس في النص المقدم دراسة علمية ذات منهج ونتائج قابلة للتقييم. لذلك لا يجوز استخراج أرقام منه عن حجم الفقد أو آثاره الصحية. لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا يستحق البحث والقياس: ماذا يربح السكان من التطوير، وماذا يخسرون؟

التنمية الحضرية ضرورة؛ فالمدن تحتاج إلى طرق وخدمات وشبكات آمنة. لكن جودة المشروع ينبغي أن تشمل راحة من يستخدمونه سيرًا، وإمكان الوصول إلى الخدمات، وحماية المشهد الطبيعي. وأقترح أن يصبح الحفاظ على الأشجار القائمة هدفًا معلنًا منذ إعداد التصميم، وأن تُقارن البدائل على أساس تكلفتها الكاملة. فتوفير مسار أسرع للسيارات يحتاج إلى تقييم يصاحبه تقدير لما يحدث للأرصفة والظل وأماكن انتظار الركاب.

الأشجار بنية تحتية حية
توضح وكالة حماية البيئة الأمريكية أن الأشجار والنباتات تسهم في تخفيف الجزر الحرارية عبر التظليل والتبخر والنتح. وهذه وظائف تتصل مباشرة بالمكان الذي يعيش فيه الناس؛ فظل فوق رصيف أو قرب نافذة يختلف في أثره العملي عن مساحة خضراء بعيدة. ومع ذلك، تختلف الفائدة بحسب النوع والحجم والصحة والموقع والظروف المحيطة، ولا توجد درجة تبريد ثابتة تصلح لكل شجرة وشارع.

ولهذا أقترح إدخال الغطاء الشجري في خرائط خدمات المدينة، كما تظهر عليها شبكات المياه والكهرباء. يمكن تسجيل مواقع الأشجار ومساحة تيجانها وحالتها، وربطها بمسارات المشاة والمدارس ومحطات النقل. عندئذ يصبح فقد الظل عنصرًا ظاهرًا في القرار، ويمكن تحديد المواقع التي تحتاج إلى تشجير إضافي. أما ترك الأشجار خارج الحساب حتى تبدأ المعدات العمل، فيجعل حمايتها أصعب ويحول القضية إلى نزاع متأخر.

الشتلة لا تسترد الزمن
تلفت مقالة علمية منشورة في «نيتشر كوميونيكيشنز» خلال مارس 2026 إلى أن زراعة أعداد كبيرة من الأشجار لا تكفي لضمان تبريد المدن. وتؤكد أهمية الغطاء الشجري القريب من أماكن السكن والعمل، وصحة الأشجار ورعايتها وحمايتها من الإزالة المبكرة. وهذا يساند ضرورة قياس ما تقدمه الأشجار فعلًا، بدل اعتبار عدد المزروع وحده دليل نجاح.

ومن هنا فإن التعويض بعدد من الشتلات يحتاج إلى حساب الزمن والموقع والنمو والبقاء. قد تكون الزراعة الجديدة مفيدة، لكن فائدتها المستقبلية لا تمحو تلقائيًا خسارة ظل قائم اليوم. وأقترح إعلان هذا الفارق في خطط التعويض: ما الغطاء المفقود؟ ومتى يُتوقع استعادته؟ ومن يتولى الصيانة؟ وأين سينتفع السكان بالبديل؟ بهذه الأسئلة نحول وعد التعويض إلى برنامج قابل للمتابعة، ونحفظ قيمة التشجير دون مبالغة.

مبادرة التشجير تحتاج إلى ميزان
ترد مبادرة «100 مليون شجرة» في النقاش بوصفها مسارًا للتوسع في الزراعة. وأرى أن نجاح أي مبادرة كبيرة يتطلب ربط الزراعة الجديدة بحماية الموجود، وإعلان مؤشرات تتجاوز أعداد الشتلات الموزعة. وأقترح نشر نسب البقاء بعد سنوات، ومساحة الغطاء الشجري المكتسبة، وكلفة الرعاية، وتوزيع الأشجار داخل الأحياء. فالمواطن يستطيع تقييم التحسن حين يرى ظلًا مستمرًا في الطريق الذي يستخدمه، وشجرة سليمة تنمو قرب بيته.

كما ينبغي فصل التعويض المحلي عن إجمالي الزراعة على مستوى المحافظة أو الدولة. فإزالة أشجار من شارع مأهول وزراعة بدائل في موقع آخر قد تحقق زيادة عددية، بينما يظل مستخدمو الشارع بلا ظل. لذلك أقترح أن تعطي خطط التعويض الأولوية للمناطق المتضررة، وأن تُعلن حدود ما يمكن استعادته فيها.

نقل الشجرة خيار يحتاج إلى تقييم
تبدو الدعوة إلى نقل الأشجار بدل قطعها جذابة، لكن صلاحية النقل ينبغي أن يقررها متخصصون بعد فحص كل حالة. وأقترح أن يتضمن التقييم النوع والعمر والحجم وحالة الجذور والموقع الجديد ومتطلبات الرعاية، مع تقدير احتمالات النجاح والتكلفة. فلا نعد السكان بإنقاذ مضمون، ولا نستبعد النقل دون بحث. ويجب أن تتضمن الخطة متابعة الشجرة بعد نقلها، وإعلان النتيجة، حتى نتعلم من التجارب ونحسن القرارات التالية.

وتستحق السلامة اهتمامًا مماثلًا. فإذا كان مبرر الإزالة مرضًا أو خطر سقوط، ينبغي توثيقه بتقرير فني يحدد الحالة والبدائل الممكنة. وقد يقود التقييم إلى علاج أو تقليم مناسب، أو إلى إزالة ضرورية بالفعل. المهم أن يكون القرار مرتبطًا بفحص واضح، وأن يتاح تفسيره للجمهور. حماية الأشجار تعني رعاية مسؤولة، تشمل التدخل حين يلزم، وتمنع استخدام وصف عام للخطر لتبرير قرارات لا نعرف أساسها.

الشفافية تبدأ قبل المنشار
أقترح نشر خريطة مبسطة قبل تنفيذ المشروعات، توضح الأشجار المتوقع تأثرها، وأسباب ذلك، والبدائل التي دُرست. ويمكن فتح فترة محددة لملاحظات السكان والمتخصصين، ثم إعلان الردود والتعديلات. فمعرفة الأهالي بالمكان قد تكشف مشكلة لم تظهر في المخطط، وتتيح المشاورة فرصة لتصحيحها. ولا يحتاج كل مشروع إلى نقاش بلا نهاية؛ يحتاج إلى إجراءات واضحة ومواعيد معلنة، تجعل المشاركة مؤثرة والقرار قابلًا للفهم.

أما السؤال عن مصير الأخشاب، فينبغي التعامل معه بالوثائق. وأقترح تسجيل الأشجار المزالة وكميات الأخشاب ومسار التصرف فيها والجهة المسؤولة، وإتاحة البيانات وفق القواعد المنظمة. طرح السؤال لا يثبت وقوع مخالفة، لكن تقديم إجابة موثقة يعزز الثقة. فالشفافية تحمي المال العام وتحمي الجهات المنفذة من الشائعات، وتربط الإزالة بسجل يمكن مراجعته، بدل أن تترك المواطنين أمام صور القطع وتفسيرات متعارضة.

حق في الظل وذاكرة المكان
الشجرة المعمّرة قد تكون علامة يهتدي بها السكان، أو جزءًا من صورة شارع وذكريات أجيال. وأقترح إعداد سجل للأشجار ذات القيمة التاريخية أو الجمالية، بمعايير يضعها متخصصون وتشارك فيها المجتمعات المحلية. هذا السجل لا يجعل العمر وحده حكمًا نهائيًا، لكنه يضمن حضور القيمة الثقافية في التقييم. ويتيح أيضًا توثيق الأشجار والعناية بها قبل تدهورها، بدل اكتشاف أهميتها عندما يصبح قرار مصيرها عاجلًا.

وللظل بعد اجتماعي؛ فمن ينتظر المواصلات أو يعمل في الشارع يحتاج إلى بيئة مريحة في مكانه. وأقترح إعطاء هذه المواقع أولوية في خطط التشجير والرعاية، مع اختيار أنواع مناسبة ومساحات تسمح بنموها. ويمكن قياس النجاح بمتابعة الظل المتاح في أوقات الاستخدام، وصحة الأشجار، وآراء السكان. فتطوير المدينة يصبح أقرب إلى احتياجات الناس حين تُصمم خدماتها انطلاقًا من تجربتهم اليومية.

لن يكون التعقيب المثمر مجرد إدانة للقطع أو احتفاء بالزراعة. نحتاج إلى قاعدة عملية: افحص قبل القرار، وادرس البدائل، وأعلن المبررات، وتابع النتائج. فالمدينة التي تحمي أشجارها السليمة وتزرع للمستقبل تستطيع أن تطور طرقها وخدماتها بمعرفة أفضل. وحين نحسب قيمة المشروع، فلنحسب معه الظل الذي يبقى، والإنسان الذي يسير تحته، والذاكرة التي تستمر.

المراجع العلمية (روابط إليكترونية):
1. وكالة حماية البيئة الأمريكية
2. المقالة العلمية

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

النينيو… حين يغيّر المحيط الهادئ طقس العالم

ظاهرة مناخية طبيعية تضاعف الاحترار والجفاف والفيضانات، وتضع الزراعة والأمن الغذائي أمام اختبار صعب سلسلة …

اترك تعليقاً