شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 19 سبتمبر 2026
يقول كعب بن زهير:
ما أرانا نقولُ إلا رجيعًا ومعادًا من قولِنا مكرورًا
في كل مرة أقرأ هذا البيت، أتوقف عنده طويلًا. فالبيت يبدو في ظاهره اعترافًا بأن الناس يعيدون ما قيل قبلهم، وأن الأفكار تدور في دوائر قديمة. لكن التأمل في تاريخ اللغة والأدب يقود إلى معنى آخر؛ فالتكرار ليس دائمًا نقيض الإبداع، وإعادة القول ليست بالضرورة عجزًا عن إنتاج الجديد.
في البيئة الحديثة لم تعد الأشياء المستعملة تُرى دائمًا بوصفها نفايات انتهى دورها، بل موارد يمكن أن تبدأ حياة جديدة في صورة أخرى. واللغة تعرف شيئًا قريبًا من ذلك؛ فهي تمارس نوعًا من إعادة التشكيل المستمرة، تعيد صياغة الكلمات والمعاني والصور القديمة، وتمنحها حياة جديدة داخل سياقات مختلفة.
فكثير من المعاني الكبرى لم تغادر الإنسان منذ قرون: الحب، والخوف، والفقد، والرحلة، والحنين، والبطولة، والأمل. لكن ما تغير هو الطريقة التي أعادت بها اللغة تقديم هذه المعاني. انتقلت من القصيدة إلى النثر، ومن الرسائل إلى المقامات، ومن الحكايات إلى القصة والرواية، ثم واصلت رحلتها إلى الأشكال الحديثة التي تصوغ الفكرة في مقطع قصير أو منشور أو تغريدة. فالمعنى في جوهره قد يبقى، لكن اللغة تواصل إعادة تشكيله وإكسابه هيئة جديدة.
وقد عرف النقد العربي القديم هذا المعنى مبكرًا، وإن لم يسمّه بهذا الاسم. فكثيرًا ما نجد في كتب النقد عبارات مثل: وكأن الشاعر نظر إلى بيت فلان.، أو “أخذ معناه فزاد فيه”، أو “نسج على منواله”.
ولم يكن المقصود دائمًا اتهام الشاعر بالتقليد، وإنما الإشارة إلى أن المعاني تنتقل بين الشعراء وتتحول في أيديهم إلى صور جديدة. فالفكرة قد تبقى، لكن الصياغة تتغير، والزوايا تتبدل، والخيال يضيف إليها حياة أخرى.
ولم يكن النقاد يرون الإبداع خلقًا للمعاني من العدم؛ لأنهم أدركوا أن التجارب الإنسانية الكبرى تتكرر، وأن الجديد كثيرًا ما يولد من طريقة النظر لا من أصل الفكرة نفسها. ولهذا كانوا يفرقون بين من ينقل المعنى كما هو، ومن يعيد تشكيله ويمنحه روحًا أخرى. وربما لهذا كانوا يقولون إن الشاعر كسا المعنى ثوبًا جديدًا.
وهذا النوع من إعادة التدوير ليس خاصًا بالفنون الأدبية وحدها. فالكلمات نفسها تعيش أحيانًا حياة ثانية؛ بعضها ينسحب من الاستعمال ثم يعود في سياق جديد، وبعضها يتخذ وظيفة مختلفة دون أن يفقد جذره الأول، وبعضها يبقى حيًا في اللهجات حتى يعود إلى المجال الأوسع من جديد.
وفي البيئة، لا تعني إعادة التدوير العودة إلى الماضي، وإنما منح الأشياء فرصة جديدة للحياة. وربما تحتاج اللغة إلى شيء مشابه؛ إلى عين ترى في الكلمات والمعاني القديمة بذورًا لم تستنفد قدرتها على الإنبات. فالكلمات والمعاني لا تموت دائمًا؛ أحيانًا تغيّر ثيابها فقط.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز